الوطنُ المَنفى والمنفى الوطن (1)

الوطنُ المَنفى والمنفى الوطن..قراءة نقدية في مرتكزات التشكيل الفنّي في بعض التجارب الشعرية المعاصرة (1)

د. كاميليا عبد الفتاح الأستاذ المساعد في تخصص الأدب والنقد الحديث  جامعة الباحة ، سابقًا

تضطربُ صورةُ الوطنِ في المراحل الانتقالية التي تتسمُ بالقلق والفوضى واهتزاز المعايير الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والفكرية – وغيرها – تتسيّدُ الشكوك هذه المرحلة ، وتضيعُ ملامحُ الرؤية الصحيحة للذات الفردية ، والذات الجمعية ، وتخضعُ الأهدافُ والمساراتُ للنسبية ، وتسود الضبابية كثيرًا من هذه المسارات والأهداف . ويبرزُ الوطنُ في مثل هذه المناخات في صورة مُهتزة ، لا تمنحُ – المألوف والمعهود – من مشاعر الأمان والانتماء والاستقرار ؛ بما يُشيعُ  قدرًا كبيرا من المشاعر الضدية الاستلابية ، كالاغتراب  والعزلة داخل عوالم – واقعية أو مُتخيّلة – ويبدو الوطنُ في هذا التّأزّم أقرب إلى المنافي ، سواء في عطائه المادي ، أو المعنوي ، أو فيما يمنحُ ويشيعُ من مناخات الخوف والقلق والوحشة ، وإعتام المستقبل .

  • الوطنُ/ المنفى يوجدُ حيثما يكونُ الشعورُ بالشتاتُ بديلا للانتماء ، ويُصبح – هذا الوطنُ – منبثقَ اغترابٍ ووحشةٍ وخوفٍ . الوطنُ / المنفى لا تتحققُ فيه الشروطُ الّلازمة للأوطان ، كما لا تتحققُ فيه شروطُ النّجاة – والحرية – التي تتمتّعُ بها المنافي  ، لكنه يُشبهُها في الصلادة والوحشة  بامتياز . ورغم كل ذلك  فهو يتمتّعُ بانتمائنا العاطفي – غير المُبرّر – إليه . هذا الوطنُ – الخاص – إشكاليةٌ فرضت ذاتها على كثيرٍ من تجارب الشعر العربي المعاصر ؛ انبثاقًا من مناخ التأزّم والاضطراب الذي فرضَ هيمنته على واقعنا ، وتمرأى في الإبداع الفكري والفنّي ، باعتباره الأزمة الآنية المُلحّة .
  • الذاتُ الإنسانيةُ – في التجارب الشعرية الماثلة بين أيدينا – ذاتٌ تكابدُ الشتات المنبثقَ من قسوة الوطن ، وتكابدُ التَّهميش والشيئية والشعور بأنّها كيانٌ عابرٌ غير مؤثر في هذا  الوطن الذي تنمني إليه وتحملُ هويّته  .
  • تطالعُنا هذه الذاتُ في قصيدة ” سوف أبقى على جَبلي ” ، حيثُ يسردُ الشاعر وقائع التّشيؤ ، وتفاصيل الإقصاء التي تُجبرُ الذات على الانزواء ، والعيش في هامشٍ الوطن وهامش الحدث – وهامش الحُلم – ويهيمنُ ضميرُ المتكلم – المفرد – على هذا الطرحِ ، منسجِما مع ما يُبرزهُ السياقُ من دلالات الوحشة والاغتراب. يقول الشاعر أحمد حافظ :

” كأيِّ رصيفٍ أُؤدّي مَهامي ولا أُزعجُ العابرين

بلا حرسٍ أعبرُ الطرقات

وآوي إلى كوكبٍ من صنيعِ يديَّ

كأيّ إلهٍ جلستُ على قمّةٍ في الجبالِ

ولستُ أُبالي بما سوفَ يحدثُ

أتبعُ صوتَ السؤالِ إلى نبعه

وأُطِلُّ على عالَمٍ خَرِبٍ في هُدُوءٍ

بعينَيْنِ مخمورتَيْنِ

وقَلْبٍ يَرُشُّ محبَّتَهُ فوقَ أسمالِكُمْ

وبلا أيِّ داعٍ أقولُ لكُمْ

لا أسيرُ إلى النبعِ مثلَ ظباءٍ مُغفًّلةٍ

والذئابُ مُداريةٌ نفسَها خلفَ كَوْمَةِ رَمْلٍ

وفي كُلِّ شَرْبَةِ ماءٍ تُغيرُ عليهِنَّ

إنَّ البراءةَ تُودي بصاحبِها ! “

  • طرح أحمد حافظ دلالة الشعور بالتهميش من خلال عناصر التشكيل الفنّي ، وعلى رأسها الصور الشعرية المتوالية التي ارتكزت على أكثر من معادل موضوعي ، الأول : الرصيف  الذي جسّد الشعور بالامتهان والامتثال والتَّشيؤ . أمَّا ” الإله ” ، فهو مُعادلٌ موضوعي  آخر ، مَنح – للوهلة الأولى – دلالة ضديّة   ” ؛ حيثُ بدا مُفعما بمعاني  العظمة والاستغناء والقوة ، لكنّه – عند  ُتأمّل ظلاله وإيحاءاته  – مُكتنزً بالمناخ الاغترابي ، دالٌّ على ذاتٍ مستوحشةً فاقدة للبهجة والشعور بمذاق الأشياء  .  وقد برز ضميرُ المتكلم المُفردُ مؤكّدا مناخ الاغتراب والوحشة ، وذلك عبر الأفعال المتوالية : أؤدي مهامي ، لا أُزعجُ ، أعبرُ ، لستُ  أبالي ،  جلستُ  ، لا أسيرُ ، أقول لكم ، آوي ، أتبعُ ، أُطلُّ  . ويبدو هذا الضمير – المُفردُ – من خلال الصورة الشعرية – في مواجهة حادّة – غير مُتكافئة – مع ما أشار إليه الشاعر بـ ” العالم الخَرب ” ، الذي اشتمل على كيانات معادية للذات المغتربة ، وهذه الكيانات أُشيرَ إليها بـ : الظباء المُغفّلة ، والذئاب . وتتضح آثار هذا الصراع غير المتكافئ بين الطرفين في هذه  الجملة الرثائية التي نعى فيها الشاعر ذاتَه  :  ” إنّ البراءة تودي بصاحبها”.

كذلك اضطلعت بعضُ  الصور الشعريةُ بتجسيد  تفاصيل النّفي من الوطن ، من هذه الصور :  إنكار البحيرة ملامح الوجه ، إعراض القابلة  ، ونبذها  الذات الوليدة ، خيانة القصائد ، إنكار ذاكرة الأهل  .  هكذا تبدأُ الرحلة  – المأساوية – لتحوّل الوطن إلى  منفى . يقول أحمد حافظ :

وبلا أيِّ داعٍ أقولُ لكُمْ

ربَّما سوفَ تُخطِئُ وجهيْ البحيرةُ

أو يرسُمُ الماءُ أغربةً فوق رأسي

ولا يتذكَّرُني إخوتي.

لمْ أكُنْ كاهنًا قدَّستْهُ معابدُهُ

لمْ أكُنْ شاعرًا لَمْ تخُنْهُ قصائدُهُ.

جئتُ مُتَّشِحًا بالعراءِ ولم تَعْتَرِفْ بيَ قابِلَتِي

كمَّمَتْني بكُمِّ القميصِ ليسكُتَ صوتُ صراخي

وفي عِبِّها خبَّأتْنِي كتَعْويذَةٍ، ورَمَتْني. “

  • الوطنُ – في هذا الطرح الشعري – يفتقد أهم سماته – وأُسس تكوينه – وهي القدرة على منح الأمن والسكينة  ؛ فهو – في هذه الرؤية الشعرية – مجموعة من العسس الذين استلَبُوا  من الذات حريّة الفكر والحسّ والشعور  . يطرح أحمد حافظ هذه الإشكالية في قصيدة ” رفيقان في قلبي ” ، يقول :

أتأبّطُ قلبي وأمشي به في الشوارع

تُوقفني السلطاتُ بدعوى الطوارئِ

تنتزعُ القلبَ منّي ،  تُفتّشه بأصابع صخرية

وتُمرّرهُ من أمام كلاب البوليس

لعلّ به أسئلة ، أو لعلّ به ما يدين ُ  “

الوطنُ – في هذا الطرح – أرضٌ مُهيَّأةٌ لمعنى  لا علاقة له بالمواطنة والانتماء والحياة ، بل مُهيَّأةٌ  لمعنى لا يجئ – كما في قصيدة جعفر أحمد  التي تحملُ هذا العنوان  . يقول ُ :

كمحاربٍ خانتْهُ رمْيتُهُ

بفعلِ الريحِ وانحدرتْ

تجاهَ العُزَّلِ النَّاجينَ؛

كانَ الحظُّ يُخطئُنا تمامًا …

لستُ أعرفُ كمْ تفرِّغُنا المسافاتُ الطويلةُ

مِنْ حقيقتِنَا؛

وتلبَسُ جُبَّةَ الكُهَّانِ

تمنحُنا حياةَ المُترفينَ؛

وبالمجازِ تُمكِّنُ الفقراءَ مِنْ بسطِ الهُويَّةِ،

ترسُمُ الأقدارَ مِنْ أشلائِهمْ؛

فمجازُهَا:

مَا جازَ للبُسَطاءِ أنْ يتكوَّنوهُ

ولا يعُوا تحقيقَهُ “

  • يشتملُ – الجزءُ السابق من القصيدة على صورة فنية كُلّية ترمزُ للوطن – وتُبرزُ دلالته في هذه الرؤية – وتتكونُ هذه الصورة الكلية من عدة صورٍ جزئية مُفعمة بدلالات الاستلاب ، منها : الأرضٌ التي  تخيب فيها رميةُ الرامي –  ويُخطئُ الحظُ أبناءها – الأرض التي ٌ تمنح البسطاء حياةً مجازية ، وتُبقيهم أشلاء ، الأرضٌ التي تخونُ الحلم .  هكذا بدت الأرضُ – في هذه الصور – رمزًا للوطن ، وأرضًا للموت وخيانة الأحلام  ، وموت البسطاء . يتابع الشاعر  طرحَ هذه الدلالة ، مُعلنا هوية هذه الأرض ، وأنّها وطنه – حيثُ يذكر النيل َ –  يقول :

فالنيلُ مازالتْ تُساقُ لهُ الصبايا،

والرمالُ عصيَّةٌ،

أكلَتْ نخيلَ الأنبياءِ

ولمْ تدَعْ للأرضِ متَّسعًا

تتوِّجهُ الأغانيَ والنساءُ ؛

ورُغمَ ذلكَ :

لمْ أزلْ متمثلاً مِنْ “طرفةَ بنِ العبدِ”

في إصرارهِ:

” إذا القومُ نادُوا:

مَنْ فتىً؟ خِلْتُ أنني

عُنيتُ فلمْ أكسلْ، ولمْ أتبلَّدِ “

تطالعنا – في الموضع السابق – صورتان جزئيتان تبرزان الطبيعة  الاستلابية –الطَّاردة –  للوطن ، هما :  سوق الصبايا للنيل ، التهام الرمال نخيل الأنبياء . ونلاحظُ أنّ الصورتين ترتكزان على فعل الالتهام : التهام الصبايا ، والتهام نخيل الأنبياء . كما نلاحظ أنّ  كلّ كيان مُلتهم – في هاتين الصورتين – يرمزُ لأهمّ سمة من سمات  الوطن – وأهم شرط من شروط الحياة   – فالصبايا ترمز للعنفوان والفتوة ،أمَّا نخيل الأنبياء فيرمز للثوابت التي تكفل الحفاظ والاستمرار لهذا العنفوان   .

يواصلُ الشاعرُ توغّله في كشف تفاصيل التأزّم الحادث  بين الذات والوطن / المنفى ، مقتربًا بالأحداث من فضاء الكشف والذروة الدّرامية . يقول  جعفر أحمد :

كانتْ أراجيحُ الحياةِ منابِعًا للتيهِ،

تُنكِرُنَا بعزفٍ ملحميٍّ مِنْ لغاتٍ

لا تناسبُنَا،

وأيضًا غُنوةُ الصهريجِ فيها ما يؤكدُ

عزمَها،

حتّى التوابلِ، والمياهِ،

وضحكةٍ العِقدِ

المطرزِ فوقَ جِيدِكِ يا حياةُ يغشُّنا

” مُذ علّمتنا نخوةُ الصّبار أن نبقى

بقينا والمدى يغتالُنا

وكأنّها أرضٌ مُهيّأةٌ لمعنى لا يجئ “

تتوجهُ مفردات  المعجم الداخلي  للقصيدة  إلى مسار دلاليٍّ ، يتّسقُ مع مثيله – المنبثق من الصور الشعرية –  من هذه المفردات : الأشلاء ، الفقراء ، الخيانة ،  الاغتيال ، الغشّ ، التّيه ، الإغلاق ، الإنكار ، الحرائق ، المارق .  ومن خلال الدلالة المنبثقة  من هذه المفردات – والدلالة المنبثقة من  الصور الشعرية– تبدو الذاتُ المنتمية للوطن ذاتًا تُكابدُ الشتات وخيبة الحلم والضياع . و يبدو الوطنُ مُستلِبًا ، ومُستَلَبًا – في الوقت ذاته – بحيثُ يبدو الاستلابُ هو المعنى الذي يجئُ في الوطن ، – أو  يتحقق  فيه – ومن ثمّ تبدو الحياة – والشروط اللازمة للوطن – هي المعنى الذي لايجئ  ، ولا يتحقق في هذا الوطن . ومن هنا تنتهي القصيدة بسؤال – استنكاريّ – له دلالته ، عن إمكانية رجوع المارق ، وعودته إلى أرضٍ – وطنٍ – طاردٍ مُستلبٍ . يقول جعفر أحمد – في قصيدة أرض مُهيئةٌ لمعنى لا يجئ – :

كانتْ سماءُ اللّهِ، تقبَلُ حُلمَنا

فتصيبُهُ قبلَ الوصولِ بنادِقُ

فإذا نظرتَ إلى فضاءِ المستحيلِ

فثَمَّ فصلٌ، هيأتْهُ خنادِقُ

حتّى البحارِ، فغلَّقتْ أبوابَها

مُذْ أنكرتْنا في المسيرِ زوارِقُ

بالضبطِ حُلمٌ لا يتمُّ كمالُهُ

إلاَّ إذا شبِعَتْ هناكَ حرائِقُ

فكأنَّهُ معنىً وفرَّ إلى المدى

باللّهِ قُلْ لي كيفَ يرجِعُ مارِقُ ؟! “

يتصفُ الوطنُ – في هذا الطرح الشعري – بالضياع والاستلاب وعدم الإمكان ، فالأرض التي ترمز للوطن أرضٌ مسروقةٌ ، ولذلك افتقدت – في رؤية الشاعر –  دلالتها المُقدّسة وسياجاتها القُدسية ، ومن هنا  يُشيرُ إليها بوصفها ” حفنة من الرمال ” وشربة ماء . يقول أحمد حافظ :

” أتأمَّلُ ما يفعلُ الجِنرالُ وأضحكُ

مِنْ دُوَلٍ تتعارَكُ من أجلِ حَفْنَةِ رَمْلٍ وشَرْبَةِ ماءْ

وأضحَكُ مِنْ دُوَلٍ تتهاوَى

وسَجَّادةُ الأرضِ تُسحَبُ من تحتِ أرجُلِها للوراءْ

وأضحَكُ مِنْ بَشَرٍ ما يزالونَ مُقتنعينَ بأسطورةِ الأنبياءْ

يا لكُمْ من دُمًى!

تتحرَّكُ معصوبةَ القَلْبِ في مَهْرَجانِ الشقاءْ

سوف أبقَى على جَبَلِي

لا أُفكِّرُ إلا بما سوفَ أكتُبُ عن عالَمٍ ودماءْ!  “

موضوعات متعلقة:

الوطنُ المَنفى والمنفى الوطن.. قراءة نقدية في مرتكزات  التشكيل  الفنّي في بعض التجارب الشعرية المعاصرة (2)

الوطنُ المَنفى والمنفى الوطن..قراءة نقدية في مرتكزات التشكيل الفنّي في بعض التجارب الشعرية المعاصرة (3)

شارك المقالة عبر

تعليقات القراء

أضف تعليق

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تابع صفحتنا على فيسبوك

لأحدث أخبار فعاليات وندوات بيت الشعر بالأقصر

أحدث أنشطة البيت

أحدث المقالات

شعراء البيت

إنضم الى القائمة البريدية

إشترك في القائمة البريدية لبيت الشعر بالأقصر لتصلك أحدث الأخبار و المقالات عبر البريد الإلكتروني

الكلمات الدلالية الأكثر بحثا

spot_img