الوطنُ المَنفى والمنفى الوطن (2)

الوطنُ المَنفى والمنفى الوطن.. قراءة نقدية في مرتكزات  التشكيل الفنّي في بعض التجارب الشعرية المعاصرة (2)

د. كاميليا عبد الفتاح الأستاذ المساعد في تخصص الأدب والنقد الحديث، جامعة الباحة ، سابقًا

  • وفي قصيدته ” سيرةٌ عن فتىً ما ” يبرزُ أحمد حافظ ذاتًا مدفوعة على باب الأهل – وباب الوطن – ذاتًا مُنكَرة مرفوضة ، منسية . هكذا يبدو الوطنُ في هذه الرؤية  : ذاكرة منسية -أو ذاكرةٌ خائنة –  يقول :

” على قلقِ المُبشَّرِ بالوحولِ

وجمرِ الواقفينَ على الطلولِ

سأحكي عن فتىً لم تعرفوهُ

تفيَّأَ مرَّةً ظلَّ النخيلِ

هو الأعمى

الذي اقترفتْهُ أُنثى الحياةِ

فتاهَ خلفَ المُستحيلِ  “

النخيلُ – في الطرح السابق  –  رمزُ الوطن الذي آوى إليه هذه الذات ، ثم تحوّلَ عنها طلولًا  طلول وخرائب . ومثلما بدت الذاتُ خطيئةً أو تعويذة أنكرتها القابلة وأخفتها – في قصيدة  ” سوف أبقى على جبلي  ”  – نُطالعُ الذات الإنسانية في هذه القصيدة بوصفها ذنبًا ” اقترفته أنثى الحياة ” .

  • وفي قصيدة ” مرثية ” يتسم الطرح الشعري لأحمد حافظ بقدر أكبر من الشعرية ، مبتعدًا عن الخطابية – التي برزت في بعض مواضع ديوانه –  حيثُ يرتكزُ على الصورة الفنية ، واللغة المجازية ، طارحًا من معاني الرثاء   ما –  يتعدّى  التّأبين والنَّعي – يتّسعُ متجاوزًا  طاقة قصيدة الرثاء التقليدية ، ليشمل الذات الجمعية ، والهُويّة ؛ فهذه المرثية  مرثية للوطن ، والذوات المنتمية إلى هذا الوطن  . يقول أحمد حافظ :

” وطنٌ يمرُّ كأنّه حدسُ

يقسو كثيرًا حين لا يقسو

نرتاحُ بين يديه أشرعةً

خجلى على شطآنه ترسو

نأتي حشودًا يوم محنته

كأنْ استعادتْ جسمَها الرأسُ

نحنُ الذين مشى على دمنا زمنٌ

وقطّع لحمَنا الأمسُ

نحنُ الذين أَتَوا على ثقةٍ

ونُسوا

كأنّ حديثهم هجسُ

نحنُ الذين تكبّدوا قلقَ الإشراقِ

حين تخاذلتْ شمسُ

أشجارُنا في الريح واقفةٌ أبدا

ومنها يسخرُ الغَرسُ

تخضرُّ في صمتٍ

مخافةَ أن يسطو عليها بغتةً فأسُ

في كلّ حقلٍ ثمّ مذبحةٌ

وكأنّها في شرعِهِ طقسُ

وطنٌ يسيرُ به قراصنةٌ

لا ملّةٌ لهم ولا جنسُ “

ويبدو المنتمون للوطن – في هذه الرؤية –  يتامى – بلا هوية – يقول أحمد حافظ :

” وطنٌ على خجلٍ يُطلُّ

وما في مقلتيه لِيُتْمِنا عُرسُ “

هكذا بدا الوطنُ   – عبر الصور الشعرية في هذه القصيدة – حدوسًا وأطيافًا ، لا كيانا واقعيًّا ، بينما  بدا  أبناؤه كياناتٍ مُشتتة  ، وأشلاء ، هذه هي الدلالة التي جسّدتها  الصور الشعرية الآتية  : مشى على دَمنا زمن ، قطّع لحمنا الأمس ، نحن الذين نُسوا ، في كل حقل مذبحة ، وطنُ يسيرُ به قراصنةٌ . وفي مقابل ضعف الذوات الإنسانية الرامزة لأبناء الوطن – في الصور الشعرية السابقة – برزت  قوى الإفناء – والظلام والهدم – فتيّة عفيّة قادرة ، على تغيير مسار الوطن ، ومسار أبنائه ، وقد رمز الشاعرُ إلى هذه القوى بهذه الرموز : الفأس ، القراصنة ، الغرسُ ، الريح ، الزمنُ .

  • نطالع هذا اللونَ من الرثاء ،  في قصيدة ” ” الشعر ميتَتُه الوحيدة ” لجعفر أحمد  ، حيثُ ينعى المخلصين للوطن – المُتمسّكين بالانتماء إليه – لأنهم عدموا – من الوطن – المقابلَ المعنويّ المُكافئ لوفائهم وانتمائهم  ؛ فآلوا إلى مذاقاتٍ أليمة من الاغتراب ، وصاروا ذواتًا  مقذوفة خارج المكان والزمان  والهُويّة ، ذواتًا مقذوفةً خارج مقومات الزهو وأمجاد الماضي  . يقول :

” يا رفاق الطينِ

منسيّون نحنُ

فلَا المعابدُ خلّدتْ أشياءَنا  بين السطور

ولا حكت جنّيةٌ عن أمرنا “

تطالعُنا الذواتُ المغتربةُ  – في هذه الرؤية الشعرية – مقذوفةُ خارج مقومات الزهو وأمجاد الماضي – بما يتماسُّ مع دلالة الانفصال عن الجذور – يُجسّدُ  أحمد حافظ  هذه الوضعية المتأزّمة في قصيدة ” رفيقان في زمنٍ صعب ” يقول :

” لم نقُم من توابيتنا بعد ُ

لم نرَ شمسَ يقينٍ تُنوّرُ ما أطفأتهُ الظنون

لنعرفَ أين تحطّ مسيرتُنا

في الظلام الذي تتخبّطُ فيه القوافلُ “

المنفَى  – في هذا الطرح – ليس مكانيًّا فقط ، بل  كان زمانيًّا – أيضا –  ماثلًا في التاريخ الذي يُفترضُ فيه أن يكون المُتّكأَ والملاذ والدعامة للهوية ، ومن ثم نطالعُ دلالة الانسلاخ من التاريخ ، والاغتراب عن الزمان في أكثر من طرحٍ  شعري – في هذه التجارب الماثلة للرؤية النقدية – منها قول  احمد حافظ في ” سيرة عن فتى ما “:

أنا طفلُ الهوامشِ والأغاني

وحزنُ المجدليَّةِ والبتولِ

عيوني ذابلاتٌ مثل وَرْدٍ

تمشَّى فوقَهُ جيشُ المَغُولِ

تُعذِّبُني الحقيقةُ

حينَ أخطو على التاريخِ

مَبحوحًا صهيلي

أذوِّبُ ملحَ مأساتي نشيدًا

وأشربُهُ بكأسٍ مِن رحيلِ

تعبتُ من الطريقِ

وكلُّ دربٍ أُجرِّبُ ..

ليسَ يومئُ بالوصولِ

وما زالتْ رؤايَ

تحنُّ شوقًا إلى التأويلِ في صمتٍ جميلِ

وهذي سيرةٌ لفتىً غريبٍ

تفيَّأَ مرَّةً ظلَّ النخيلِ!  “

و قد ارتكزُ الشاعر على الإشارة التاريخية في تجسيد شعوره بالضياع التاريخي ، والشتات الجمعي ، حيثُ استدعي ” طليطلة ” رمزًا يكتنزُ بكل هذه الدلالات . يقول أحمد حافظ – في القصيدة ذاتها :

” ألمحُ وجهَ طُلَيطِلَةٍ

وهو يشحُبُ في صُبْحِ إسبانيا مثلَ نَجْمٍ

وألمحُ خيلًا تُعفِّرُ تاريخَ طُرْوَادَةٍ

وحرائقَ مُشْتَعِلاتٍ بساحاتِ روما.”

وتبرزُ قصيدة ُ ” الخروج ” لمحمد هشام  مرثيةً  أخرى ، ذات وضعية دلاليّة مهمة  في سياق هذه الإشكالية ؛  فهي قصيدة تصف اللحظة الانشطارية للذات عن الوطن ، لحظة الخروج إلى منفى – داخلي أو خارجي – معنوي أو مادي – مرتكزة على إدانة البلاد  التي تُنكر عاشقيها ، وتتنكّرُ لهم  .  يقول محمد هشام :

” لم تَكُنْ تَعْرِفُ الأرضُ أشلاءَنا

حِينَما انْشَطَرَتْ

كي تُجَمِّعَها

لم تَكُنْ تَشْتَهِي أَوْجُهًا

نَحَتَتْهَا الصَّبابَةُ

أو أَعْيُنًا

جَرَّحَتْها البِلاد “

يبدأُ رثاء الذات المُغتربة المنفية – في هذه القصيدة – لحظة خروجها ،  التي تبدو – في هذا الطرح – لحظة موتٍ . يقول محمد هشام :

” أَسيرُ وأَتْرُكُ جِسْمِي على الطُّرقاتِ!

              لكي يَأْنَسَ الأصدِقاءُ بِأَحْرُفِهِ

جَسَدي لُغَةٌ تَأكُلُ الطَّيْرُ من رَأْسِها وحُشاشَتِها

        وَهيَ مَصْلوبَةٌ في المَدَى

آهِ كَمْ سَكَنَ الشَّوْقُ يَوْمَ الْتَقَيْنَا

            وغَنَّيتِ لي

            ثُمَّ ضاعَ الغِناءُ سُدَى!

جَسَد يحَيْرَةٌ

         وارْتِحالٌ إلى بَلَدٍ لَيْسَ يَبْلُغُهُ الرَّاحِلونَ

             هُناكَ يُكَشَّفُ عنِّي الغِطاءُ

             وأُبْصِرُ قلبي وَحيدًا “

ارتكزَ الشاعر في طرح دلالات  اغترابه على أسلوب التناص – من القرآن الكريم – في موضعين ، الأوّل : قولُه : ”  جَسَدي لُغَةٌ تَأكُلُ الطَّيْرُ من رَأْسِها وحُشاشَتِها ” ، وهو تناص مع الآية رقم 36  من سورة ” يوسف ” : ” ودخل معه السجن فتيان قال أحدهما إني أراني أعصر خمرا وقال الآخر إني أراني أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه نبئنا بتأويله إنا نراك من المحسنين.” . ونلاحظُ أنَّ الخبزَ – في الآية الكريمة – يُقابلُ الجسدَ – في طرح الشاعر – وكأنّه مُعادلٌ له ، بما يُضفي على  مفردةَ الجسد ظلالًا  من دلالات التفسير الذي طُرح – في الآية الكريمة ذاتها – على لسان يوسف – عليه السلام – وأعني دلالة الموت والصّلب .

أما الوضع  الثاني للتناص ، ففي قوله : ” هُناكَ يُكَشَّفُ عنِّي الغِطاءُ / وأُبْصِرُ قلبي وَحيدًا ”  . وهو تناصٌ مع قوله تعالى – الآية رقم 22 من  سورة ” ق ” – :

” لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد ” . إنَّ الطرح الإلهي – في السورة الكريمة – يبرزُ الوقفة الموحشة للإنسان عند عرض أعماله بين يديّ الله ، وحيدًا من كل ما كان يُؤنسه في الحياة الدنيا ، كما يبرزُ – الطرحُ الإلهي – جلاء البصر والبصيرة الإنسانية  في هذه اللحظة ، بعد انقشاع غشاوة الحياة وغوايتها . وأفترضُ أنّ طرح  الشاعر يتماسّ دلاليًّا مع هذه الآية  ، حيثُ يضع المنفى مرادفًا لعالم الموت – مبرزًا  قسوة شعوره بالاغتراب عن الوطن – ومبرزًا – في الوقت ذاته – مدى جلاء بصيرته وكشفها عن مدى اغترابه ، ومن ثم قسوة هذا الوطن .

وتضطلعُ الصورة الشعرية  بتجسيد  معاني الرثاء التي تبدو نعيًا للذات الفردية – بينما هي نعيٌ للذات الجمعية ماثلة في أبنائها المنشطرين اغترابًا وهشاشة وشتاتا – يقول محمد هشام :

” أرَى العُمْرَ نَخْلاً يُقَطَّعُ أَقلامَ وَهْمٍ

 لِكي يَرْسُمَ الطَّيِّبونَ قصائِدَهُمْ

ونَجوعُ وَنَعْرَى

ونَمْشِي على طُرُقاتِ المدينةِ

يا أصدقاءُ انْتَثَرْنا

    ولَمْ تَجْمَعِ الأرضُ أشلاءَنا

 تَرَكَتْنا هَشيمًا

سَتَذْروهُ رِيحُ غِناءٍ قَديمٍ

        فنُصْبِحُ طينًا تُفَتَّقُ فيه البُذورُ

   ويُبْعَثُ مِنْهُ القَتيلْ “

لا يتوقف الشاعر عند رثاء المغتربين المنفيين ، بل ينعى الوطنَ ذاته ، الوطن الذي يمنح أبناءه دمعًا بدلا من الماء ، وجماجما بدلا من الطعام  ، وينفي  القابضين على عشقه . يقول محمد هشام في قصيدة الخروج  :

نَسيرُ ونَظْمَأُ يا أصدقاءُ

هُنا الصَّحَراءُ/ المدينةُ

قال حَكيمٌ: لِكَيْ تَرِدُوا الماءَ

سيروا إلى الدَّمْعِ

كانتْ هُناكَ مَوائدُ لَحْمٍ

وَقَوْمٌ أقاموا مِنَصَّةَ شِعْرٍ على عَظْمِ جُمْجُمَةٍ

قال: كَيْ تَرِدوا المَجْدَ

سيروا إلى الموتِ

أَوْ فَاهْنَأوا بالرَّحيلْ

أَنا كُنْتُ أَرْبِطُ أَوْرِدَتي وَتَرًا في الجُذُوعِ

لأصْنَعَ قِيثارَةً

وأُحاوِلُ ألا أَكونَ الذي كان قَبْلِي

وأَنْ أُمْسِكَ النَّهْرَ باليَدِ “

ويبرزُ الخروج – بدلالاته المباشرة والإيحائية – يبرز بوصفه الوضعية الوحيدة المنطقية الناتجة من التأزّم في  وطنٍ / منفى . يقول الشاعر – في القصيدة المذكورة سابقا –

وقالَ صديقي: ارْكُضوا..

_كانَ ثَمَّةَ أُرْجُوحَةٌ

         أو بُراقٌ سيَحْمِلُنا_

_ارْكُضوا..

لَمْ نَصِلْ

كُلُّ شَيءٍ يُكسِّرُهُ كُلُّ شيءٍ

وكُلُّ رَصيفٍ يُؤدِّي لِهاوِيَةٍ

 والنَّدامَى مُحاطُونَ بالخُوَذِ السُّمْرِ

لم تُنْجِبِ الأرضُ أطفالَنا

إنَّنا الآنَ نُشْرِقُ في مَوْتِ جِيلْ

ونَخْرُجُ من كلِّ بابٍ

ونَكْتُبُ في وَرَقٍ مُهْمَلٍ كُلَّ أُغْنِيَةٍ للخُروجْ  “

موضوعات متعلقة:

الوطنُ المَنفى والمنفى الوطن..قراءة نقدية في مرتكزات التشكيل الفنّي في بعض التجارب الشعرية المعاصرة (1)

الوطنُ المَنفى والمنفى الوطن..قراءة نقدية في مرتكزات التشكيل الفنّي في بعض التجارب الشعرية المعاصرة (3)

شارك المقالة عبر

تعليقات القراء

أضف تعليق

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تابع صفحتنا على فيسبوك

لأحدث أخبار فعاليات وندوات بيت الشعر بالأقصر

أحدث أنشطة البيت

أحدث المقالات

شعراء البيت

إنضم الى القائمة البريدية

إشترك في القائمة البريدية لبيت الشعر بالأقصر لتصلك أحدث الأخبار و المقالات عبر البريد الإلكتروني

الكلمات الدلالية الأكثر بحثا

spot_img