الْعَنَاصِرُ الدِّرَامِيةُ وتَشَكُلاتِها الفَنِّيَة قراءة في شعرية مغايرة (1)

د.أحمد الصغير

مقدمة  الدراسة

إجراءات منهجية

تطرح هذه الدراسة ــ بصفة عامةـ العلاقة الوشيجة بين الشعر والدراما وأثر الدراما في الشعر العربي القديم والحديث ، لدى نماذج مختارة في الشعر الجاهلي والأموي والشعر العباسي حتى العصر الحديث.

طرحت الدراسة مفهوم الدراما في الأدبين الأوروبي والعربي، وأثر الدراما في الشعر ، وعلاقة الشعر بالدراما ، والوقوف على قراءة شعرية مغايرة لأصوات شعرية جديدة يقدمها بيت الشعر بالأقصر تحت إشراف ورؤية دائرة الثقافة والإعلام بالشارقة ، بدولة الإمارات العربية المتحدة ، ومن هذه الأصوات المتميزة في حقل الشعرية الجديدة الشعراء ( عبد الرحمن الطويل ــ أحمد نناوي ــ أحمد الجميلي ــ عبدالنبي عبَّادي ) .

وقفتْ الدراسة عند كل شاعر  على حدة ، من هؤلاء الشعراء الشباب المتميزين ، لتطرح أفقا مغايرا لقراءة النص الشعري من خلال تفجيراته الدرامية ، ومناطقها الفنية، مستعينا بأدوات الدراما وعناصرها داخل القصيدة العربية منذ مطلع العصر الجاهلي ، راصدا تحركات الشعرية الدرامية داخل القصيدة الجديدة ، وكأن القصيدة الجديدة لم تنفصل عن واقعها الحي الذي نتجت من خلاله ، مخاطبة عقلا نوعيا واعيا بتطورات النصية وعلائقها بالصراع بين الوجود واللاوجود . هكذا تحدثنا القصائد المنتقاة من نصوص الشعراء عن الحياة في شكلها المشتبك مع الواقع الدرامي الأليم .

وقد جاءت هذه الورقة البحثية في قسمين : الأول الجانب النظري ، متناولا الحديث عن المنهج الدرامي في قراءة القصيدة العربية عامة ،والشعرية الجديدة المغايرة التي انطلقت من رحم القصيدة التراثية ، أما الجانب التطبيقي الذي اعتمد على الكشف عن العناصر الدرامية وتشكلاتها الفنية في قصائد الشعراء الشباب الذين عنيت الدراسة بقراءة نصوصهم الشعرية .

أولا :  نظرية الدراما

تعد نظرية الدراما من النظريات الفنية القديمة التي التحمت بالمصير الإنساني ، معبرة عن مكنون النفس الإنسانية من خير وشر ، وصراع قائم بين الحب والكراهية ، وبين وقائع النصر والهزيمة في صورها كافة ، ومن ثمَّ فقد أصبح الإنسان العادي ، يمتلك شخصية درامية تتجسد في طريقة معالجته لمشكلاته الحياتية التي يجابهها ، متحديا كل العقبات التي تحول بينه وبين الحصول على حريته من أجل حياة كريمة تليق بالنفس الإنسانية التي خلقها الله عزو جل ، ومن ثم فإن التفكير الإنساني برمته ، ما هو إلا تفكير بالدراما أو من خلال الدراما . ونسبق ذلك كله بالحديث عن مفهوم الدراما ، وتطوراتها، وأهدافها ،وعناصرها في القصيدة العربية .

ثانيا : النشأة والمفهوم :

ظهرت الدراما أول ما ظهرت لدي المسرحيين أو كتاب المسرح ، وكان ذلك في العصر الإغريقي ، فقد كان للدراما مكانة مهمة في نفوس الأدباء، والشعراء في ذلك الوقت ، وقد أمدتنا المصادر القديمة والحديثة ، ومعاجم المصطلحات النقدية ، والأدبية بالكثير عن مفهوم الدراما ، ونشأتها ، وعناصرها ، ومناطق قوتها ، وضعفها ،وتشابكها مع نصوص أخرى ، ومعاييرها وأدواتها،  وخصائصها المختلفة ، ومن ثم فإن الدراما حسب تعريف أرسطو لها هى  “محاكاة فعل نبيل تام له طول معلوم بلغة مزودة بألوان من التزيين، تختلف وفقا لاختلاف الأجزاء، وهذه المحاكاة تتم بواسطة أشخاص يفعلون لا بواسطة الحكاية، وتثير الرحمة والخوف ، فتؤدى إلى التطهير من هذه الانفعالات(1).

وقد جاءت معظم المفاهيم  الخاصة بالدراما معتمدة على ما قدمه أرسطو في كتابه ” فن الشعر” ، لأنه أول من كتب عن الدراما وعلاقتها بالإنسان ومحاكاتها للأفعال النبيلة التي تنتج عن الإنسان نفسه ، فتنشغل بتطهير العالم من كل زيف وضغينة ، منتصرا للحقيقة والمحبة والصدق ، ومن ثم ، فقد أشار الدكتور محمد حمدي إبراهيم في كتابه ” نظرية الدراما ”  إلي أن   : “الدراما drama  ” كلمة إغريقية  قديمة يرجع اشتقاقها  اللغوي  إلي الفعل dran الذي كان يعني  عند الإغريق  ( الفعل )  أو التصرف أو السلوك الإنساني بوجه خاص . ولقد كانت اللغة الإغريقية  التي اشتهرت ــ ولا تزال ــ بغني مترادفاتها ودقة معانيها ، واتصافها بالمنطقية والإيحاء الفني والفكري تتضمن كلمات أخري عديدة ذات معان قريبة من معني الفعل الآنف  الذكر ،مثل tyncnaneın الحدث ، poiein الصنع أو غير ذلك مما لا علاقة له بالمعني الذي اتخذته كلمة الدراما ، خصوصا منذ عصور ازدهار المسرح الأثيني ، ولكن الإغريق لم يختاروا للاستخدام سوي كلمة dran (الفعل ) بعينها للدلالة علي كل الفنون المتعلقة بالمسرح ، حيث تتم المحاكاة عن طريق التمثيل”(2). فجاءت الدراما مرتكزة  بشكل كبير علي الحركة والفعل والصراع بين الخير والشر، وعليه فإن الدراما إذن تعني الفعل ، ولا أقول الحدث ؛ لأن  ” الفعل صفة لاصقة بالإنسان وحده ، ولأن ما يتحكم في الفعل هو الإرادة الإنسانية وحدها أما الحدث فليس بالضرورة من أفعال البشر ، ولا ناتجا عن إرادتهم الإنسانية”(3).

ومن ثم فإن العناصر الدرامية داخل القصيدة الشعرية  ترتكز علي مجموعة من الأحداث التي يصنعها الشاعر / الإنسان ، ولا يتدخل في صنعها ، وعليه فإنَّ الدكتور  محمد حمدي إبراهيم أشار إلي أن الدراما ” في حقيقتها هي التعبير الفني عن فعل، أو موقف إنساني ، وبدون هذا الفعل لا تكون هناك دراما؛ لأن الدراما هي التعبير المسرحي للسلوك البشري الناتج عن الفكر ،لأنه لا يمكن أن تكون ثمة دراما ؛ لتقرأ  فقط ، لكن الدراما هي دائما للتمثيل وينبغي أن يكون هذا الشرط موجودا باستمرار في ذهن مؤلفها ، فالدراما تعبير واقعي ،لأنه يحاكي سلوك إنسان يحيا معه المؤلف ، ويتغلغل في أعماقه بالقدر الذي يمكنه من معرفته معرفة واقعية ،وأيضا الدراما هي تعبير فني جماعي؛ لأنه  يستوعب المؤلف والممثل والموسيقي والراقص والمنشد والفنان التشكيلي معا من أجل إخراجه إلي حيز الوجود.” (4).

فالدراما إذن تعتمد علي العمل الجماعي بشكل لافت ، ولا تعتمد بشكل كبير علي الفردية في عملية خلقها الفني ، ومن ثم فقد أشار أرسطو في كتابه فن الشعر إلي أن  الدراما هي المحاكاة  الفعلية التي تطرح هموم الواقع المعيش الذي يعيش داخله الإنسان. ، ولهذا فإن الدراما ترتكز علي مجموعة من السمات والأدوات والتقنيات الفنية (إن جاز التعبير) التي تتجسد داخل النص الشعري ،أو النثري  المسرحي ،أو السينمائي،  ومن أهم هذه التقنيات ، هو الصراع الدرامي المغلَّف بالتفكير المتعدد الذي يحمل أكثر من اتجاه أو زاوية فكرية ، ويعزز هذا الرأي أستاذنا عز الدين إسماعيل (رحمه الله)  في قوله : ” إن الدراما تعنى فى بساطة ،وإيجاز الصراع في أي شكل من أشكاله ،والتفكير الدرامي هو ذلك اللون من التفكير الذى لا يسير في اتجاه واحد”(5).. نخلص من كلام عز الدين إسماعيل إلي أن الدراما في جوهرها الفني ، والدلالي تتجسد في بنية الصراع المغلف بالتفكير الدرامي الذي لا يتخذ منطقا مستقيما ، وإنما يرتكن إلي مجموعة من المناطق الفنية داخل النص الشعري  بعامة ، والقصيدة الحديثة بصفة خاصة ، متعددة الشكول الفنية والمعرفية التي تمتح من منابع الذات الإنسانية ، فقد ارتبطت حركاتها بحركة الذات ، ومن ثم أصبحت تلج في نفوس العوالم المحيطة بنا في كل زمان ومكان .

تعتمد القصيدة العربية علي الأدوات الدرامية بشكل واسع ؛لأنها ترتكز على الحركة المستمرة ، والتحول والانتقال من مكان لمكان آخر بشكل دائم ملتحمة بالتناقض الإنساني، ( الحزن ، الحب ، الكراهية ) ، وما دامت القصيدة لا تسير في اتجاه واحد ، فإنها بذلك تكتسب نوعًا من الحيوية والحركة وتكون “موضوعية إلى حد بعيد حتى عندما يكون المعبر عنه موقفا أو شعوراً ذاتياً صرفاً”(6). منتقلا من الغنائية إلى الدرامية في عملية الكتابة الشعرية ، فيقوم الفعل الكتابي باستدعاء معجما دراميا تستند عليه القصيدة في بنائها .

كان نتيجة ذلك أن اتجهت القصيدة إلى الإطار الدرامي.” وإذا قلنا إن الدراما هي روح الحكاية، فإنه ينبغي علينا القول بأن الصراع هو روح الدراما” (7). وفي حقيقة الأمر إن الصراع يمثل الجسد الذي يحتوي الدراما ، وهو عنصر مهم في بنيتها التي ستنتقل للشعر فيما بعد ، فتصبح القصيدة أكثر استخداما للصراع النصي داخل القصيدة الشعرية الواحدة أو مجموعة من النصوص الشعرية.

موضوعات متعلقة:

الْعَنَاصِرُ الدِّرَامِيةُ وتَشَكُلاتِها الفَنِّيَة قراءة في شعرية مغايرة (2)

الْعَنَاصِرُ الدِّرَامِيةُ وتَشَكُلاتِها الفَنِّيَة قراءة في شعرية مغايرة (3)

الْعَنَاصِرُ الدِّرَامِيةُ وتَشَكُلاتِها الفَنِّيَة قراءة في شعرية مغايرة (4)  

شارك المقالة عبر

تعليقات القراء

أضف تعليق

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تابع صفحتنا على فيسبوك

لأحدث أخبار فعاليات وندوات بيت الشعر بالأقصر

أحدث أنشطة البيت

أحدث المقالات

شعراء البيت

إنضم الى القائمة البريدية

إشترك في القائمة البريدية لبيت الشعر بالأقصر لتصلك أحدث الأخبار و المقالات عبر البريد الإلكتروني

الكلمات الدلالية الأكثر بحثا

spot_img