الْعَنَاصِرُ الدِّرَامِيةُ وتَشَكُلاتِها الفَنِّيَة قراءة في شعرية مغايرة (2)

د. أحمد الصغير

وظيفة الدراما :

إن الدراما في نظرنا ما هي  إلا رؤية فنية  قد يرتكز عليها الشاعر لإبانة جانب من جوانب النص الشعري  ، مما يجعل النص الشعري نصا منفتحا علي غيره من النصوص الأخرى كالقصة والرواية والمسرح والسينما … وغيرها من الفنون .

لا شك أن الدراما  قد انتقلت إلي اللغة العربية لفظا لا معني ،كما تري ذلك مصادر دراستها ومع أن معناها اليوناني هو الفعل إلا أن استعمالها كعنوان لنوع معين من الفن  جعلها إحدى الكلمات التي يصعب تفسيرها أو شرحها في بعض كلمات أو جمل .

فالدراما نوع من أنواع  الفن الأدبي ارتبطت من حيث اللغة بالمسرح والرواية والقصة ، واختلفت عنها في تصوير الواقع  وتجسيد الحدث  وتكثيف العقدة  ، وهذا ما يتفق مع طرح  ” فرجينيا وولف”  مرة في حديثها عن الرواية : ” إنها امتداد  لكلامنا عن الناس ” فبوسعنا  أن نعتبر الدراما  لكونها  إجمالا  مظهرا أعنف من الرواية ، وامتدادا لكلامنا عن الفضائح ، فالدراما  فن مسرحي قد يأخذ شكل الشعر بوزنه وقافيته أو قد يتحرر من هذين القيدين حيث يأخذ شكل النثر والنثر المرسل” (8).

فتقوم القصيد الدرامية علي شبكة من العلاقات بين الحدث والشخوص والصور المفردة والصور العامة ، فتنبض جميعا نبضا دراميا واحدا وتصبح صورها ذات علاقات نسيجية فكل صورة مرتبطة بما يقابلها وبما بعدها ارتباطا عضويا، والتعبير الدرامي هو أعلي صورة من صور التعبير الأدبي ويشير عز الدين إسماعيل إلي أن : ” الدراما تعني في بساطة وإيجاز الصراع والتفكير الدرامي الذي لا يسير في اتجاه واحد ، وإنما يأخذ دائما في الاعتبار أن كل فكرة تقابلها فكرة ، فإذا كانت الدراما تعني الصراع ،فإنما تعني في الوقت نفسه الحركة من موقف إلي موقف ، ومن فعل قائم بذاته داخل حركة النص الشعري نفسه ، وهذا ما أشار إليه أستاذنا الدكتور عز الدين إسماعيل في قوله :  ” إن الشعر العربي قد أخذ يتطور في القرن العشرين تطورا ملحوظا نحو المنهج الدرامي وليس هذا يعني كتابة الأعمال الدرامية الشعرية كمسرحيات شوقي، لأن المسرحية عملية درامية بالضرورة  سواء أكتبت شعرا أم نثرا ، وإنما يعني تطور القصيدة من الغنائية إلى القصيدة الفكرية التي تتمثل في القصيدة  الدرامية” (9). فتصبح القصيدة اليومية درامية بالأساس ، لأنها تخلت عن جانبها الغنائي الذاتي ، وانطلقت بقوتها الفنية وصراعاتها اليومية إلى الدراما ، والتعبير عن تغيرات إنسانية كبيرة ، كانت قد حثت في مطلع الألفية الجديدة منذ ( 2000ـ وحتى اللحظة الراهنة 2019) .

 رابعا : ملامح درامية في الشعر القديم :

إن الذي  لاشك أن هناك علاقة وطيدة بين الشعر والدراما منذ أن عرفت الإنسانية الشعر بشتى أنواعه ، لأنه يعبر عن آلام الناس وذواتهم وآمالهم ، وصراعاتهم ، وأحزانهم وأفراحهم، وقلقهم  ،ومعاناتهم الإنسانية ، ومن ثم فقد حفل الشعر العربي في عصوره الأدبية كافة بمناطق درامية كثيرة ، تفتقَتْ عنها أنماط الذات الإنسانية التي طرحت نفسها بقوة لدى الشعراء القدامى في العصر الجاهلي، الإسلامي ، الأموي ، العباسي ، حتي العصر الحديث ، ومن ثم فقد كان لزاما على الباحث أن يطرح لظاهرة الدراما وتقنياتها في البناء الشعري القديم في شكل موجز بسيط مجتزءا بعض النصوص التراثية ، مشيرا إلى مناطق الدرامية فيهاـ قبل قراءة القصائد الحديثة التي نحن بصددها ــ وذلك من خلال نصوص الشعر العربي القديم ، وبخاصة لدي امرئ القيس في معلقته “قفا نبك” فيقول :

” ويَوْم عقرتُ للعذارى مطيتي              فيا عجبا من رحلها المتحملِ

 فظل العذارى يرتمين بلحمها .            . وشحم كهداب الدمقس المفتلِ

 ويوم دخلت الخدر خدر عنيزة          فقالت : لك الويلات ! إنك مرجلِي

تقول وقد مال الغبيط بنا معا :           عقرت بعيري يا امرأ القيس فانزلِ

 فقلت لها :سيري، وأرخي زمامه  . ولا تبعديني من جناك المعلل “(10)..

من الملاحظ في المقطع السابق من معلقة امرئ القيس أن الشاعر اتكأ علي الحوار الدرامي المباشر بينه وبين عشيقته عنيزة ، وهي ابنة عمه ، وقيلَ هو لقب لها واسمها فاطمة ، وقيل بل اسمها عنيزة وفاطمة غيرها .ويعتمد الحوار علي فعل الحركة الدرامية من خلال استخدام الأفعال الحركية في القصيدة مثل ( عقرت ، يرتمين ، دخلت ، فقالت ، تقول ، سيري ، أرخي ، لا تبعديني ) كما نلاحظ أيضا قدرة الشاعر علي تصوير الإحساس الشعري عن طريق الدراما الإنسانية المتجسدة في حواره السابق داخل النص مع ذكر المكان ،والحدث ، والزمن في وقت واحد ، مهيئا للمتلقي الدخول في عالم النص الشعري من خلال البنية الدرامية التي اتكأ عليها امرئ القيس نفسه ، ومن ثم يصبح هذا الحوار الذي فطن إليه الشاعر امرؤ القيس بمثابة البناء الدرامي في المعلقة الطويلة كي يقوم بمسرحة النص الشعري رابطا الحس الإنساني بالمكاني والزماني ،مصورا حالة العاشق بالمعشوق.  ويقول امرؤ القيس في المعلقة نفسها :

ويوما علي ظهر الكثيب تعذَرتْ ….     علىَّ، وآلت حلفةً لم تحلّلِ.

 أفاطم مهلا بعض هذا التدلل .. وإنْ كنت قد أزمعت صرمي فأجملِي .

أغرك مني أنَّ حبك  قاتلي …         وأنك  مهما تأمري القلب يفعل  .

وإنْ تك قد ساءتك مني خليقة  …          فسُلي ثيابي من ثيابك تنسلِ .

وما ذرفت عيناك  إلا لتضربي …  بسهميك  في أعشار قلب مقتّل.(11).

يومئ المقطع الفائت من معلقة امرئ القيس  إلي تقنية الصراع الدرامي بينه وبين محبوبته فاطمة ، كما تجلى العشق الملتهب بين البطل / الشاعر امرئ القيس، والأنثى بطل النص ( فاطمة ) ، من خلال الحوار الدرامي بينه وبينها ،وهو حوار درامي متخيل ، يصف الشاعر فيه صورته الحزينة ، مجسدا من خلال روحه  الذات الشاعرة / التي تمتلك  سرد التفاصيل الخاصة بها من خلال خوضه في تجارب حب سابقة  مع محبوبات كثيرات  كان قد فتن بهن ، وإن دل هذا الحديث ، فإنما يدل علي الغرور الكاذب الذي لحق بالذات الشاعرة في وصفها لما حدث من قبل. يمثل الحوار الدرامي في النص مركزا مهما في بنية الصراع القائم بين الراوي / الشاعر والمخاطب / المحبوبة ، ونخلص من هذا كله إلى أن امرأ القيس استخدم الحوار الدرامي بشكل فني دراماتيكي ،مما أدى بنا إلي إدخاله ضمن قصيدة الدراما الشعرية الحديثة على الرغم من يقيننا أن الشاعر لم يتعمد الانشغال بالتقنيات الدرامية في زمنه..

كما نلاحظ أيضا  بروز عناصر الدرامية في شعر المتنبي  وذلك في قصيدته (واحرَّ قلباه ) مخاطبا مولاه وصديقه سيف الدولة الحمداني في قوله :

واحـرَّ قلباهُ ممن قلـبُه شـَبــِمُ            ومنْ بجسمي وحالي عِنَـدَهُ شَقَـمُ.

مالي أُكَتّم حبّاً قد برى جسـدي          وتدعي حـب ســيف الـدولة الأمــم.

إن كان يجمعنا حـب لغـــرتـــِهِ          فليــت أنـا بقــدر الحـبّ نقـتسـِمُ.

يا أعدل الناس إلا في معاملتي         فيك الخصامُ ، وأنت الخصمُ والـحكمُ.

أعيـذها نظـرات مـنك صائبــة          أن تحسبَ الشحمَ فيمن شحمـه ورمُ.

هذا عـتابـك إلا أنـه مقـةٌ قـــد        ضمـن الـدر إلا أنـه كـلـــــــــــمٌ.(12).

تجلى في المقطع السابق من قصيدة (واحرَّ قلباه) لأبي الطيب المتنبي ارتكازه علي الحوار المباشر ، والعتاب الصادق بينه وبين سيف الدولة الحمداني الذي تأثر بكلام الوشاة الذين يكيدون حقدا وكراهية للمتنبي محاولين بذلك إشعال لهيب الفتنة والضغينة بين الصديقين الشاعر والأمير ، ارتكز المتنبي أيضا علي صياغة خطابا شعريا دراميا مكتمل الأركان ، بحيث يتكون الخطاب من مُخَاطِب ،ونص ،ومُخَاطَب ورِسَالة (دلالة)، داخل النص الشعري ،مما يشي أن الشاعر يريد أن يصنع حوار خارجيا مع سيف الدولة من جهة ، وحوارا داخليا مع ذاته من جهة أخرى ، ليخاطبها ، ويهدأ من روعها وقلقها ويرضي غرورها ، بسب مكائد الوشاة ودسائسهم الخفية ، وقد تجسد الصراع الدرامي  أيضا بين المتنبي ، وهؤلاء الوشاة من ناحية ، وسيف الدولة والمتنبي من ناحية أخري ( أعني بالوشاة هنا، هم مجموعة من الحاسدين الذين يكيدون للمتنبي ،فقاموا بتدبير بعض الأكاذيب ضد المتنبي حتي تفسد الصداقة ، والعلاقة بين المتنبي وسيف الدولة) . تتجلي الدراما في القصيدة الفائتة  من خلال اللغة الدرامية التي اعتمد عليها الشاعر من خلال استخدامه لمجموعة من المفردات اللغوية التي تصل من خلالها الرسالة ( رسالة العتاب من المتنبي إلي سيف الدولة ) ،ويبرزــ أيضا ـ الحوار الدرامي في شعر عمر بن أبي ربيعة ،  فيقول :

حَدَّثْ حَديثَ فتاةِ  حَيَّ مَرَّةً                  بالجِزعِ  بَيْنَ أَذاخِر وحَرَاءِ

قَالَتْ لجَارَتِهَا (عِشاءً) إذْ رَأَتْ                 نَزَهَ المكانِ وَغَيْبَةَ الأعْداءِ

في رَوْضَةٍ  يَّممْنَهَا مَوْلِيّةٍ                    مَيْثَاءَ  رَابِيةٍ بُعيدَ سَماءِ

في ظِلِّ دَانية الغصون وريقة                نبتت بأبطح  طيب الثرياء

قالت لجارتها :انظري  ها من أولي         وتأمَّلي  مَنْ راكب الأدْماء

قالت أبو الخطاب  أعرف زيه            وركوبه  لاشك غير مراء(13).

من الملاحظ في الحوار الفائت الذي بدأ به الشاعر عمر بن أبي ربيعة قصيدته الشعرية  ، يرتكز الحوار علي عملية سردية شعرية من خلال استنطاق الشخصيات الرئيسية في النص ، مرتبطا بحديث الفتاة وجارتها ، والحوار الذي يدور عن الشاعر ومن الشاعر نفسه الملقب بابن الخطاب ، وقد كان يتمني عمر مقابلة الفتاة فقد تحققت أمنيته بغير تعب ، ولا نصب ونال ما أراد منهما ، وكانت الفتاة تتمنى أيضا أن ترى عمر بن أبي ربيعة الشاعر الذي شغل النساء قديما وحديثا من خلال شعره ، وحكاياته الغرامية . وينتقل عمر بن أبي ربيعة إلى وصف المكان الذي جمع بينه وبين الفتاتين اللتين عندما اقترب منهما ألقيا التحية علي استحياء ، ونرصد هنا ظاهرة الحوار الدرامي داخل القصيدة العربية ، وبخاصة لدي الشاعر عمر بن أبي ربيعة الذي احتفي كثيرا ببعض العناصر الدرامية داخل نصوصه الشعرية ، منها الحوار الشعري والقصة الشعرية والملحمة الرومانسية ، وقد تجلي المكان الشعري داخل النص العربي القديم ،  بصورة واسعة ، مما يشي بدلالات متعددة وغنية ، ومن هذه الدلالات الحبكة الدرامية التي ارتكز عليها الشاعر في تشكيل الحوار الشعري / الدرامي متنقلا بعباراته الدالة من حركية إلى حركية شعرية أخرى ، وكأننا نشاهد عملا فنيا شعريا / مسرحيا ،مشغولا بوصف الحوار الهامس بين فتاتين في خدرهما ، يتهامسان عن وصول العاشق عمر بن أبي ربيعة ،واصفا المكان الشعري نفسه وصورة العشق في حديث العاشقتين .

فقد امتزج النوعان الأدبيان الشعر والمسرح ، لإنتاج قصيدة درامية شعرية ،ارتكزت في بنائها المعماري على التقنيات الدرامية المتنوعة التي خرجت من رحم الدراما المسرحية نفسها كالحوار والصراع النفسي ، والسرد المسرحي المفارق .

موضوعات متعلقة:

الْعَنَاصِرُ الدِّرَامِيةُ وتَشَكُلاتِها الفَنِّيَة قراءة في شعرية مغايرة (1)

الْعَنَاصِرُ الدِّرَامِيةُ وتَشَكُلاتِها الفَنِّيَة قراءة في شعرية مغايرة (3)

الْعَنَاصِرُ الدِّرَامِيةُ وتَشَكُلاتِها الفَنِّيَة قراءة في شعرية مغايرة (4)  

 

 

شارك المقالة عبر

تعليقات القراء

أضف تعليق

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تابع صفحتنا على فيسبوك

لأحدث أخبار فعاليات وندوات بيت الشعر بالأقصر

أحدث أنشطة البيت

أحدث المقالات

شعراء البيت

إنضم الى القائمة البريدية

إشترك في القائمة البريدية لبيت الشعر بالأقصر لتصلك أحدث الأخبار و المقالات عبر البريد الإلكتروني

الكلمات الدلالية الأكثر بحثا

spot_img