الْعَنَاصِرُ الدِّرَامِيةُ وتَشَكُلاتِها الفَنِّيَة قراءة في شعرية مغايرة (3)

د. أحمد الصغير

عناصر درامية في شعرية مغايرة:

 الشعراء ( عبد الرحمن الطويل ، أحمد الجميلي ــ أحمد نناوي ــ عبدالنبي عبَّادي ).

كان للدراما أثرٌ كبيرٌ في بنية النص الشعري العربي القديم والحديث ، ففي العصور القديمة وبخاصة في الحضارات اليونانية القديمة كانت الدراما هي فن الشعر، وكان الشعر هو الوجه الآخر للدراما.

تجلت الدراما أيضا في بنية النص الشعري القديم ، بدءا من العصر الجاهلي كما ذكرنا في علاقة الشعر بالدراما ،  فقد احتفى الشاعر القديم  ببنية الحوار الدرامي ، والوصف ، والغزل ،والبكاء على الأطلال التي تركها المحبون، والفخر، والهجاء والمديح وغيرها من فنون الشعر القديمة ، لما للعرب من مآثر وحروب ومناقب ، اقتضت الحاجة لتسجيلها عن طريق الشعر، فقد حفظت لنا الذاكرة الشعرية الكثير من انتصارات العرب ، ومناقبهم و ملاحمهم ، وبطولاتهم المتعددة، وجل هذه النصوص القديمة لم تخلُ من مسحة فلسفية درامية ذات طابع مائز ،وقد لاحظنا ذلك في شعر امرئ القيس من العصر الجاهلي ، وعمر ابن أبي ربيعة في العصر الإسلامي، والعصر الأموي ، وأبو الطيب المتنبي في العصر العباسي ، ومن ثم فقد كان للدراما أثرٌ جليٌ في عملية بناء النص الشعري من خلال الاعتماد علي بعض التقنيات الدرامية كما ذكرنا من قبل ، وقد تجلت النزعة الدرامية بشكل كبير في القصيدة العربية الحديثة ، فقد احتفي الشعر العربي الحديث بالتقنيات الدرامية في بناء النص الشعري ، وقد تجلى ذلك الطرح الفني في قصائد الشعراء الشباب، وهم: ( عبدالرحمن الطويل ، أحمد الجميلي ــ أحمد نناوي ــ عبدالنبي عبَّادي ).

الشاعر عبدالرحمن الطويل

( الزمن الدرامي في قصيدة ” سِفْرٌ لم يكن ” )

طرح الشاعر عبدالرحمن الطويل في مجموعته الشعرية ( مجموعة المعبد ) قصائد شعرية يطغى عليها الشكل العمودي في كتابة الشعر ، وهذا الشكل يمنحنا دلالات مهمة وتأويلات عدة ، وتساؤلات كثيرة ، حول الشكل الكتابي للقصيدة العربية التي كتبها الطويل ؟ وفي ظني أن الشاعر أراد أن يكون نفسه امتدادا للشعراء القدامى الذين تحدثت عنهم الدراسة في البداية أمثال امرئ القيس بن حجر الكندي ، والمتنبي ، وعمر بن أبي ربيعة … وغيرهم . فقد لاحظتُ أنه ينسج على نسجهم ويسير على منوالهم ، محتذيا خطوهم في الشكل  الشعري ، واللغة ، والصورة الشعرية ، والإيقاعات الموسيقية الحزينة التي تحمل داخلها أحزان درامية واسعة ،  وثمة اختلاف بين في الرؤية الشعرية التي يتحدث من خلالها الشاعر الطويل ، فيقول في مطلع ديوانه في قصيدة  بعنوان “سفر لم يكن ” :

” تلكَ البيوتُ وما فيها سِوى الزمنِ

ونحنُ ، ما نحنُ ! أرواحٌ مِن الدِّمَنِ

والسائرونَ على الأشواكِ في طُرق الـ

ـأشواقِ بعد اجتياز اليأس والحَزَنِ

والراكبونَ إلى الآمال غاربةً

ذيلَ البُراقِ بظهرٍ غيرِ مُتَّزن

والراقدون رجاءَ الناس والصُّبُر الـ

ـمُستمسكونَ بعهد الله في المحن

ونحنُ ، ما نحن ! أبطالُ الرواية والـ

ـكُتّابُ والقارئوها ، حقُّها العلني

ورأسُها الطَّرِبُ الزاهي بنشوتِهِ

مِن كاس قهوتِها من بُنّها اليمني

وطبعةٌ صدرَت منها و كررها

ثباتُنا وجهَ ما نلقى مِن الفتنِ

وما نبالي ، وما نُلقي الرجاءَ به

فلا نُبالي بعينِ المُعرضِ الفَطِن

يرى ، فيحذفُ مِن سطر المُنى كَلِمًا

يُضل إعرابُها المعنى عن السَّننِ

فلا يعودُ إليها وهْو ممتلئٌ

بها اشتهاءً وإسلامًا إلى الوهَن

وما نبالي ، و هذا الليلُ يُثقلُنا

يَحولُنا بذراعيهِ عن الوسَنِ

يمُدُّ رجليْهِ في أحلامِنا صلفًا

فلا نُجَرجرُ منها غيرَ ممتهَن

أنا نُحاولُ أعمارًا فيُعجزُنا

أن نُبرم الصلح بين الروح و البدن “

 

ينسج الشاعر عبدالرحمن الطويل قصيدته على أرضية تراثية واسعة ، فيختار أن يكون صورة جديدة للشاعر العربي القديم متأملا ذاته من ناحية والواقع الذي يعيش فيه من ناحية أخرى ، فنلاحظ استخدامه لتراكيب شعرية خالدة عبر الزمن ورحلة الشاعر في الحياة ، فينطلق من خلال هذه الزمنية الواسعة لاستدعاء كل ما يسكن الذات من جراح وألم ، فيستدعي أصوات امرئ القيس ـ وطرفة بن العبد وأحمد شوقي . هذه الأصوات تجلت بشكل كبير في القصيدة الفائتة ، فيخاطب الزمن ـ الليل ـ الوسن ــ الروح ـ البدن ــ أعمارا ــ نجرجر ــ الوهن ــ  السنن ).

إن جل هذه المفردات الشعرية التي خرجت من سياقها المعجمي لتدخل في سياقي شعري يمنحها حياة جديدة ، فتصبح رمزا لافتا في بناء النص الشعري عند الطويل ، بل تصير ذات خصوصية في استخدامها داخل النص ، فالليل الذي يتحدث عنه  الشاعر هو ليل امرئ القيس  الطويل المنهك الذي لا يريد أن ينتهي ، فيقول امرؤ القيس في معلقته :

” وليلٍ كموجِ البحرِ أرخَى سدولَه عليَّ. بأنواع الهموم ليبتلي .

  فقلت له لما تمطى بصلبه .. وأردف أعجازا وناء بكلكلِ

ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي . بصبح ، وما الإصباح منك بأمثلِ” .

يبدو صوت امرئ القيس واضحا في قصيدة عبدالرحمن الطويل ، فقرينة الليل هي الأيقونة التي تدور حولها معلقة امرئ القيس وقصيدة سفر لم يكن للشاعر عبدالرحمن الطويل فيقول :(وما نبالي ، و هذا الليلُ يُثقلُنا يَحولُنا بذراعيهِ عن الوسَنِ ) . فيصف الليل أنه ليل ثقيل ، فلا تستطيع الذات النوم ، فيلفها بذراعه مبتعدا بها عن الراحة والهدوء ، بل يثقلها بالتفكير والهموم والأرق الذي لا ينتهي ، إن ليل الشاعر عبدالرحمن الطويل هو ابن من أبناء ليل امرئ القيس ، وصراعه الدرامي بينه ، وبين الليل الذي لن تتوقف حركته الصاخبة ، كما ارتبط هذا الليل باليأس والحزن ، كما جاء في القصيدة ، فتمثل هذه الرموز الدرامية مدخلا من مداخل القراءة لشعر عبدالرحمن الطويل ، وقد تجلى صوت شوقي أيضا في استخدامه لمفردة المستمسكون فيقول : (والراقدون رجاءَ الناس والصُّبُر الـمُستمسكونَ بعهد الله في المحن . ) نلاحظ العلاقة بين الرجاء والصبر والتمسك بعهد الله ، في المحن ) هذا البناء الفني الذي يدخل في القراءة الدرامية يدل على استدعاء الشاعر لروح الزمن الدرامي الذي ارتبط بالمحن والصبر والرجاء ، هذه الأيقونات الثلاثة تصبح رموزا لأبعاد درامية واضحة في قراءة النص الشعري ، ويتجلى صوت أحمد شوقي في عبارة المستمسكون ، التي وردت في همزية شوقي في مولد النبي محمد صلى الله عليه وسلم فيقول شوقي :

ولد الهدى فالكائنات ضياء ….. وفم الزمان تبسم وثناء

……………………………………………………….

الاشتراكيون أنت إمامهم …. لولا دعاوي القوم والغلواء .

تبدو صورة شوقي الدرامية جلية في نصوص عبدالرحمن مقلد الشعرية ، لما ينسجه من تراكيب شعرية ذات ملامح تراثية مهمة ، تمنح النص خلودا فنيا ، وجسرا ممتدا بين الراهن والسابق القديم . ويطرح الطويل في قصيدته صورة الأعمار التي يفقدها الإنسان في سبيل الوصول إلى هدف نبيل يراه ذا قيمة في الحياة فيقول مثلا : (أنَّا نُحاولُ أعمارًا فيُعجزُنا أن نُبرم الصلح بين الروح و البدن ) .فعندما تعجز الروح عن الصلح بين الروح والبدن ، فتصبح إذن الذات في مأزق إنساني لافت من خلال التناقض بين أهداف الروح وأهداف البدن ، بين النقاء وصفاء الروح وبين شهوات الجسد التي تقف على شكلها النقيض مع صفاء الروح ومحبتها . .

الشاعر عبدالنبي عبَّادي :

يقف الشاعر عبدالنبي عبَّادي في منطقة مغايرة  تجمع ما بين القصائد العمودية والقصائد الحرة ، فيضع عنوانا لافتا لديوانه ( قصائد ومقاطع ) هي ليست مقاطع ، بل قصائد قصيرة اعتمد فيها الشاعر على الشكل الشعري المعروف بالشعر الحر / القصيدة الواقعية . وفي حقيقة الأمر لاحظتُ تمكن الشاعر من امتلاك أدواته الشعرية في كتابة القصيدة الجديدة التي تعتمد على التفعيلة ، وعلى مستوى عال من النضج الفني ، وعليه ، فقد لجأت إلى الاجتزاء في انتقاء قصيدتين من الديوان المخطوط ، لقراءتهما من منظور درامي ، يكشف عن طرائق الدرامية  وعناصرها الفنية في الكتابة الشعرية عند عبدالنبي عبَّادي ، فيقول :

”  بمُحاذاة الجُرح

ربّتْ على كتف الزمانِ قليلا

واهنأ بحُلمٍ لن يدومَ طويلا

سرُّ الحياةِ وضوحُها وغموضُنا

ترضى الحياةُ ونرفضُ التأويلا

ونقولُ أنّا لا نُحبّ جراحنا

والجرحُ صارَ إلى الحياةِ دليلا

لاوردَ في الماوردِ .. كيف تُطيقُهُ؟!

والدّمعُ صارَ على الضفاف نخيلا

لا إخوة حيرى كإخوةِ ” يوسُفٍ”

يرعون ذئبكَ كي تصير “جميلا”!

روما لقيصر، طعنةٌ في قلبهِ

تسقي”بروتس” قاتلا وقتيلا

صمتُ الجنود مشى بحكمة خندقٍ

ولفيلقِ الأحزان صار عميلا

لا تُعطِني نايا يهشُّ صبابتي

ويدقّ في جسدي النحيل عويلا

بل أعطني أرضا بحجم هزيمتي

وهويةً بِكرا تقولُ دمي لا ” .

يمتلك الشاعر عبد النبي عبَّادي ملامح درامية متنوعة داخل قصيدته السابقة ، بل تتشكل هذه الملامح عبر نصوص ديوانه الأول الذي يحاول فيه أن يستدعي قصص الدراما من القرآن الكريم ، فنلاحظ قصة النبي يوسف عليه السلام  في إشارة نصية إلى أحداثها الدرامية وصراع الخير والشر والحب والكراهية الذي تحاول القصيدة أن تقوله ، فيبدو الشاعر مشغولا باستقطاب الذات إلى مناطق ذات شحونات لغوية معينة ، ليتشكل عنها معجمه الشعري (  الجرح ــ الزمان ــ الحلم ــ الدمع ــ  الناي ــ عويلا ــ أرضا ــ حجم ـ هزيمتي ـ هوية ــ بكرا ) يصبح المعجم الشعري / الدرامي غنيا بمفرداته وتراكيبه في نصوص الشاعر عبدالنبي عبادي ، لما لها من سطوة نصية في الحضور ، فتصبح عناصر الدرامية حاضرة بقوة داخل القصيدة ،فهي عوامل بنائية تقوم عليها القصيدة ، فنلاحظ الصراع الدرامي  في استدعاء القصص القرآنية من خلال قصة النبي يوسف (عليه السلام ) مع أخوته وبكاء النبي يعقوب على غيابه وكراهية أخوته له . وصراع الحب والكراهية ، والصدق والكذب ، والخير والشر ، والجمال والقبح .

ويقول أيضا في قصيدة أخرى بعنوان ( إشارة )  :

” لا المَلَكُوتُ يَخْشَعُ مِنْ بُكَاءِ العَارِفِينَ

وَلا الأفْرَاسُ تَنْهَضُ فِي رُخَامِ اللّيلِ !

كَمَا أنّي ..

أُفَضّلُ

أَنْ أَكونَ أنَا أنَا

لا رِيحَ تَخْمِشُ جَبْهَتِي

وَلا أَيْقُونَةُ الذّكْرَى تَحكّ الصّمْتَ

فِي رُوحِي ،

فَأَرْتَعِدُ

تُلَوّحُ لِيْ ،

وَتُدْنِينِيْ

وَتُوصِدُ بَابَ دَهْشَتِهَا . .

وَتَأْتِينِي

وَحينَ أَغَارُ مِنْ نَفْسِي …

تُدَثّرُنِي ،

وَتَبْتَعِدُ !”

يكشف النص الشعري عند عبدالنبي عبادي عن انتقال الصراع الدرامي من صورته الخارجية إلى منطقة الصراع الداخلي الذي تحاول الذات أن تنتصر على نفسها ، فكيف للذات الشاعرة التي نسجها الشاعر في القصيدة أن تنتصر على العالم المتناقض الذي يحمل نبوءات الضغينة والعنف في إطار زمني واحد ، فنلاحظ امتزاج الصوفي بالدرامي في مطلع القصيدة (لا المَلَكُوتُ يَخْشَعُ مِنْ بُكَاءِ العَارِفِينَ  ، وَلا الأفْرَاسُ تَنْهَضُ فِي رُخَامِ اللّيلِ ) فاستدعاء بكاء العارفين من المتصوفة ، مع أحزان الليل ، ينتج عن هذا الامتزاج الفني صورة الحزن الدرامي في عيون العارفين من أهل التصوف ، كما أن دال “العارفين” يحمل اكتنازا معرفيا ، وروحيا في الوقت نفسه ،فإن هؤلاء العارفين من أهل الله ، هم الذين تركوا شهوات الدنيا باحثين عن الحب الإلهي ، زاهدين في كل شيء دنيوي ، باحثين عن حضور الله في ملكوته . كما اتكأ الشاعر المتميز عبدالنبي عبادي على استدعاء أيقونة  ( الذكرى )  هذه الذكريات التي يعيش فيها الشاعر ، فترتبط ” الذكرى ” بدوال مركزية في النص ( روحي ـ الصمت ــ أرتعد ــ تدثرني ــ تبتعد ) . فتصبح الذكرى هي الحياة الحاضرة في إشارة إلى الماضي ، وكأن الحضر هو الماضي الذي نعيش فيه بأرواحنا ، والحضار الحي هو الذي تعيش داخله الأجساد فقط .وعليه فقد استخدم الشاعر عبدالنبي عبادي تقنيات لافتة في بناء قصائده من خلال الحس الدرامي المتجذر ( السرد الحكائي القصير ـ والصراع الحزين ، والحاضر في مقابل الماضي والحنين إلى العيش بداخله ) . كما استخدم أفعال متحركة نوعية داخل القصائد منها (  يخشع ــ ينهض ــ أرتعد ــ تأتيني ــ تدثرني ــ تبتعد  ــ توصد ) .

موضوعات متعلقة

الْعَنَاصِرُ الدِّرَامِيةُ وتَشَكُلاتِها الفَنِّيَة قراءة في شعرية مغايرة (1)

الْعَنَاصِرُ الدِّرَامِيةُ وتَشَكُلاتِها الفَنِّيَة قراءة في شعرية مغايرة (2)

الْعَنَاصِرُ الدِّرَامِيةُ وتَشَكُلاتِها الفَنِّيَة قراءة في شعرية مغايرة (4)  

 

شارك المقالة عبر

تعليقات القراء

أضف تعليق

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تابع صفحتنا على فيسبوك

لأحدث أخبار فعاليات وندوات بيت الشعر بالأقصر

أحدث أنشطة البيت

أحدث المقالات

شعراء البيت

إنضم الى القائمة البريدية

إشترك في القائمة البريدية لبيت الشعر بالأقصر لتصلك أحدث الأخبار و المقالات عبر البريد الإلكتروني

الكلمات الدلالية الأكثر بحثا

spot_img