الْعَنَاصِرُ الدِّرَامِيةُ وتَشَكُلاتِها الفَنِّيَة قراءة في شعرية مغايرة (4)  

د.أحمد الصغير

عناصر درامية في شعرية مغايرة:

الشعراء ( عبدالرحمن الطويل ، أحمد الجميلي ــ أحمد نناوي ــ عبدالنبي عبَّادي ).

 : الشاعر أحمد الجميلي

يقدم الشاعر أحمد الجميلي في ديوانه ” على حافة النهر ” مجموعة من القصائد السردية التي انشغلت بتفكيك أحداث نصية متنوعة داخل القصيدة الواحدة ، حيث جاءت قصائده طويلة ، وذات مقاطع متناسبة فيما بينها ، فيقول في قصيدة بعنوان : ” طفلٌ جنوبي ” :

 ”  كَمَا يمرُّ الرّضَا .. لو عابرٌ طَرَقَهْ

دَلَّى حكاياهُ حتَّى أَعشَبتْ طُرُقَهْ

تقاسمتهُ

قِلَاعُ الـحِـبْـرِ _سيرتَهُ_

لكي يبعثرَ في أعتابِهَا عَبَقَهْ

طِفلٌ .. على مدخلِ الأنهارِ مُنعكسٌ

في صورةِ الماءِ أَرخَى للسَّمَا حَدَقَهْ ” .

يتناول الشاعر في قصيدته طفل جنوبي ملامح الشعرية الدرامية ، وأعني الحديث بالدراما عن صورة الطفل الجنوبي ، هذه الصورة التي يتشكل من خلالها سيرة الطفل الحزينة التي يرصد الشاعر من أنفاسها حالات الحزن التي تؤثر في ذاته ، بل إن الأحلام التي يمتلكها صارت مبددة وواهية في ظل الإهمال الواقع على حياة الطفل في الجنوب ، فقد أخذته صورة الماء الأسطورية التي تعكس ملامحه ، وكأن صورة السماء المعكوسة في الماء ، تجمع بين متاهة الحلم وغيابه ،  ويقول أيضا في قصيدة أخرى بعنوان ( نقوشُ الْعَارِف بالحزنِ ) :

”  حدَّثتُ أَحزَانـي فقلتُ لها : قِفِيْ

إِنِّـي اكتفيتُ ، أَلَا بِرَبِّكِ فَاكْتَفِيْ

صَاولْتُ كَمْ صَاولْتُ

أَعرِفُ سَاحَتِـي

والفجرُ أَعرِفُهُ يَـجِيءُ وَيَـختَفِيْ

مُنذُ ابتكارِ النور فوقَ عمامتي

حَتَّى انزواءِ الظِّلِ خَلْفَ تَـخَوّفِـيْ

وَأَنَا عَلى مَرْمَى البَصيرةِ  وَاقفٌ

مَنْ يَرْصُدُ الأشياءَ غَيرَ تَوَقُّفِيْ ” .

إن حديث الشاعر أحمد الجميلي حديث يحمل حزنا غائرا في النفس البشرية ، فهو لا يتحدث عن حزنه الفردي الخاص به ، بقدر حديثه عن أحزان عامة أصيبت بها النفس البشرية ، فقد أنتج هذا الحزن أبعادا متنوعة لصور درامية في القصيدة الشعرية عند الجميلي ، فبدت وكأنها لوحة تقطر حزنا وألما وصراعا نفسيا متأرجحا بين صورة العالم الخارجي ، ووقعه على نفس الشاعر ، فترتكز القصيدة على عناصر درامية متنوعه تجمع ما بين قطبين متجاذبين أو متناقضين في الوقت نفسه فتجمع القصيدة ما بين ( النور ، والظلام ، الحزن والفرح ، الخوف والشجاعة ، الانزواء والامتزاج بروح الحقيقة الغائبة في استخدام أفعال متحركة تعتمد على التوتر الدرامي ( يجيء ــ يختفي  ــ يرصد ـ توقفي  ) . هذه الدوال المركزية في النص الشعري تومئ إلى استدعاء صورة الحزن التي تسيطر على حياة الشاعر ، وعلاقتها بالرغبة الملحة على استنطاق الحياة والخروج بها من أحزانها . كما تكشف لغة الشاعر عن صورة المفارقة الدرامية من خلال اللفظ نفسه أعني اللفظ ونقيضه ، فينتج عنها مشاهد متناقضة تحمل قرائن وعلائق فنية داخل النص الشعري . فحركة الفجر التي تتأرجح بين الظهور والاختفاء والحضور والغياب ، هي حركة درامية تحمل توترا فنيا في العلائق اللغوية بعضها ببعض .

رابعا الشاعر أحمد نناوي :

يطرح الشاعر أحمد نناوي في ديوانه الذي جاء بلا عنوان ، فهو عبارة عن مجموعة من القصائد الطويلة التي اعتمد فيها الشاعر على الحكاية الدرامية ، مستخدما لغة شعرية ذات وجوه شعرية متعددة ، فتبدو اللغة عند نناوي لغة بسيطة من خلال الضمائر الذاتية التي تقترب من ضمائر المتكلم ، فينتج عنها سردا غنائيا حزينا ، وتجلى ذلك في قصيدته بعنوان ” لِطفُولة أُخرَى يَعُودُ” فيقول :

” لِلْحُزنِ أُغنِـيـَةٌ

وَليْ نَــايَـــاتُـهُ

وَلنـَا مَعًا بَـيْتٌ

بَـكَتْ عَتـبَاتُـهُ

وَقَفَتْ عَلَى العَتَـبَاتِ

رُوحُ طُفُولَةٍ تَحبُو

إلى زَمَنٍ مَضَتْ سَنَواتُهُ

قَدْ مَسَّهَا أمَلٌ،

يـُرَاوِدُ حُلمَـهَا ” .

تصبح صورة / دال  الحزن الذي يستهل به الشاعر قصيدته ، واقعا مفارقا من خلال أغنية الحزن ، وهي تقع في دائرة المفارقة الدرامية التي تصور الحزن أنه يغني لنفسه ، كما أن للنايات جراحاتها في نفس الشاعر ، فيجمع الشاعر بينه وبين الحزن في مشهد مفارق على المستوى الفني والدلالي ، فيستخدم دوالا ذات محددات لغوية هادفة مثل ( بكت ــ وقفت ــ تحبو ــ مسَّها ــ مضت ــ يراود ) . جل هذه الدوال المعجمية الخاصة بسياق النص ، منحها النص نفسه حضورا رمزيا وحركة مغايرة في الكتابة وأثرها على المتلقي ، وينتج عن ذلك سؤال مهم ، هل تتحقق الأمال من خلال الحزن ؟ وما مدى القيمة التي يتركه الحزن في روح المتلقي نفسه ، إن الحزن هو الشيء الوحيد الصادق في هذه الحياة ، فيمكن للذات أن تحزن على نفسها حزنا داخليا ، تبكي بكاء حارا على اخفاقها في أمر ما ، لكنا لا تنجرف في مبالغة الأحزان وجراحاتها ، بل تحاول أن تضع أسبابا لهذا الحزن ؟ وأسباب الإخفاق ؟ ويقول الشاعر في مقطع آخر من القصيدة نفسها :

“وَالحُلمُ طِفْلٌ رَاوَدَتـهُ وَفَاتُهُ

فَبَكَى عَلَيهِ الدَّهرُ

وَقتَ غِيَابِهِ

وَنعَتْهُ في صُحـفِ الغِـيَابِ دَوَاتُهُ

مَاذا هُنَاكَ؟

هُنَاكَ حُزنٌ كـامِنٌ

مَا بـَيْنَ قَـبْرَيـنِ اسْتَـقَـرَّتْ ذَاتُهُ ” .

يطرح الشاعر أحمد نناوي في المقطع السابق صورة أخرى للحلم ، فيمنحنا النص الشعري صورة الحلم  الذي تراوده الوفاة عن نفسه ، فعندما تموت الأحلام الطفولية البريئة ، فيبكي الدهر على فقدان الأحلام وغيابها ، وقد نتج عن غياب الحلم الإنساني ، مشاهد درامية حزينة ، فتطل صورة الحزن جريحة لانهيار الأحلام ، وتمزقها ، فاستقرت الأحلام في مقابر الموتى . إن الرمز الفني الذي اتكأ عليه الشاعر أحمد نناوي ، اتخذ من الحلم أيقونة لموت الحياة نفسها ، لأن الإنسان عندما تموت أحلامه ، نذير بموته هو ، فتصبح الحياة بلا جدوى . ويصبح العدم هو السيد الوحيد في هذه الحياة الحزينة . …

 خاتمة بما توصل إليه البحث من نتائج

  • طرح البحث مجموعة من الفروض البحثية ، ليختبرها من خلال قراءة القصيدة العربية القديمة ، وعني بالبحث عن ظاهرة القصيدة الدرامية وعناصرها في الشعر القديم ، وتوصل البحث إلى أن هذه الظاهرة متجذرة في الشعر القديم وذات ملامح فنية راسخة .
  • اعتمد الشاعر عبدالرحمن الطويل على بنى زمنية درامية في قصائده الشعرية ، متأثرا بالشعراء العرب القدامى ، مستدعيا أصوات شعرية ( امرئ القيس ــ طرفة بن العبد ـ أحمد شوقي ) .
  • جاءت قصائد الشاعر عبدالنبي عبَّادي ، مشحونة بدلالات مركزية ، أخرجته القصيدة من دلالتها المعجمية إلى دلالاتها الفنية عبر سياق شعري لافت .
  • توصل البحث إلى أن عناصر الدراما وتشكلاتها الفنية داخل النص الشعري ذات أثر واضح في عملية بناء النص ، ومن هذه العناصر ( الصراع الدرامي ـ والحوار ـ والمفارقة ـ والبناء النقيض في سياق واحد ) . …

الهوامش

(1) أرسطو: فن الشعر، ترجمة وتحقيق ،عبد الرحمن بدوى، دار النهضة المصرية، 1953م، ص 18.

(2) محمد حمدي إبراهيم : نظرية الدراما الإغريقية  ، الشركة المصرية العالمية للنشر ـ لونجمان ـ  القاهرة ، 1994،ص 7ـــــ8.

(3)  السابق ، ص 10ــ12ــ.

(4) السابق ، ص 14ــــــ15 .

(5)  عز الدين اسماعيل: الشعر العربي المعاصر قضاياه وظواهره الفنية والمعنوية، ص 279. دار الفكر العربي، ط 3، القاهرة 1995.

(6) السابق، ص 280.

(7 ) عبد الفتاح عثمان، بناء الرواية، ص 82.مكتبة الشباب. د.ت.

(8) س. و. داوسن : الدراما والدرامية  ، ترجمة  جعفر صادق الخليلي  ، دار عويدات  للنشر  ، بيروت  1992.

(9) عز الدين إسماعيل : الشعر العربي المعاصر قضاياه وظواهره الفنية والمعنوية  ص279، مرجع سابق .

(10) السابق  ص 282.

(11) الزوزني : شرح المعلقات السبع الطوال، ضبط نصوصه وعلق على حواشيه ، عمر فاروق الطباع ، شركة دار الأرقم بن أبي الأرقم  للطباعة  والنشر والتوزيع ، بيروت ، لبنان، د.ت، ص 59 .

(12) السابق  ، ص 60.

(13)   أبو الطيب المتنبي : الديوان ، دار بيروت للطباعة والنشر ص331،332، بيروت، 1983.

(14) عمر بن أبي ربيعة ــ الديوان ، دار الكتاب العربي ، بيروت ، الطبعة الثانية ، 1996 ، ص32  ـــــــ 33.

(15) هربرت ريد : طبيعة الشعر، ترجمة عيسي علي العاكوب ، وزارة الثقافة ،اتحاد الكتاب العرب ، دمشق ،1997. ، ص64.

موضوعات متعلقة:

الْعَنَاصِرُ الدِّرَامِيةُ وتَشَكُلاتِها الفَنِّيَة قراءة في شعرية مغايرة (1)

الْعَنَاصِرُ الدِّرَامِيةُ وتَشَكُلاتِها الفَنِّيَة قراءة في شعرية مغايرة (2)

الْعَنَاصِرُ الدِّرَامِيةُ وتَشَكُلاتِها الفَنِّيَة قراءة في شعرية مغايرة (3)

 

 

 

شارك المقالة عبر

تعليقات القراء

أضف تعليق

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تابع صفحتنا على فيسبوك

لأحدث أخبار فعاليات وندوات بيت الشعر بالأقصر

أحدث أنشطة البيت

أحدث المقالات

شعراء البيت

إنضم الى القائمة البريدية

إشترك في القائمة البريدية لبيت الشعر بالأقصر لتصلك أحدث الأخبار و المقالات عبر البريد الإلكتروني

الكلمات الدلالية الأكثر بحثا

spot_img