باحت مجازات بسر اللفظة الأولى..عن الانشغال بالنص في قصائد من الأقصر (2) 

د. محمد بهاء الدين مزيد

أزمنة الشعر

كان الشعراء

يلوون ذراع الشمس

يطهونه على ألواح السخف .. البهجة

تثاقل أعينهم إذ يبكون رحيل المحبوبات

وفوت زمان الصبوة

تسقط – في أضلعهم –. قصص الحب الأولى

وكل حديث المأفونين

بداء السفر على أجنحة الشوق

وكنت أقاتل في مملكة الريح

أفسر للنساء الحلم

وأرصد زحف الجند إلى آلهة الصمت

ذاع النبأ: بأن حدود الكون .. تضيق

أن الشمس ستصبح مطرا

أن رءوسا .. تسقط

تنبت فوق جزائر حزن الناس شهيقاً

تنسج من ترحال اللغة  حروقاً

تشرق .. في مخمصة النور.

(حسين القباحي: الرقص على سلم الذاكرة)

في قصيدة الحداثة، لا تقف اللغة عند كونها وعاء أفكار أو أداة شفيفة لنقلها والتعبير عنها، بل تصبح جزءا من انشغال الشّاعر والشّعر. ربّما لا تبدأ القصيدة من اللغة، لكنّ اللغة تبقى في مركزها ومحيطها. كلّ قصيدة تبدأ من “حدث” ومن “الحدث” اشتقت “الحداثة”. يرى الصكر (2004) أنّ الـمسافة التي تفصل “القصيدة” عن “الحدث”، وكيفية تعبيرها عنه، تمثّل مقياسا للحداثة. فالحدث، حسب تحليله وتصرّفه في مقولة لإيجلتون هو “الوحش الذي يريد التهام النص، لكن النص يخاتله، ويؤطّره داخل سياقه، وضروراته”. لقد صار ضروريًّا الابتعاد عن الحدث، وهو مطلب يخصّ الشاعر والمتلقّي معًا، بحيث يبقى الحدث فكرة تاريخية وتظلّ للنصوص القدرة على الكلام والحديث للمتلقّي بصيغة الحاضر خارج الوظيفة التاريخية أو العاطفية. كيف يكون الابتعاد عن الحدث؟ والكلام ما زال للصكر (ص ص 53-54).

يحدث الابتعاد بين الحدث والقصيدة كما يرى الصكر من خلال دمج الأسطورة والرمز، وإعلاء قدر اليومي والعادي إلى مقام الشعر– أو أسطرته، إذا جاز التعبير، ومن خلال انتزاع مقاطع من الواقع ومن سياقها لا بغرض رصد الواقع بل بغرض خلق الأثر والإحساس به، ورصد حالات تشكّل الواقع واستكناه عواقبه. وقد يحدث من خلال إيقاف الحدث كلحظة زمنيّة ذات أثر وخلق صيرورة مشابهة في التاريخ البعيد أو القريب، أو استحضار الذّات كمفجّر للنص وترتيب الصلة بالحدث على أساس ذلك لكيلا يدور كلّ شيء خارج الذّات والنص معًا، وعن طريق السخرية وملاطفة الحدث بتوهّمات ورؤى ذات دلالات بعيدة، والاستعانة بالسرد والرؤية المجهريّة – تكبير جزئية من الحدث نصيّا، عن طريق التمثّل والسفر الحرّ في التاريخ.

زمنان إذًا – زمن الحدث وزمن القصيدة. ليس هذا كلّ ما في الأمر، فللنفس بين هذين الزمنين زمنها كما شرح محمود شاكر في تناوله قصيدة خلافيّة لتأبطّ شرًّا. “كلّ عمل فنّيّ نواته حدث” أو أحداث. وهذه الأحداث “مفروضة على الشاعر من خارج”. ولا يكون للحدث معنى “حتى يكون سببًا في إثارة النفس وإقلاقها إلى الانتفاض والتأمّل والاستغراق”. لا يكاد زمن آثار الحدث ينقضي، أمّا “زمن الحدث” نفسه فهو مؤقّت. يبلغ الحدث النضج والتحفّز والمخاض فيستنفر جميع آثار الأحداث القديمة التي تتأهّب للالتحام بالحدث الجديد المثير. ما يقع من التحام بين الحدث الجديد والأحداث القديمة قد ينتهي إلى الإفاضة والبوح في تعبير شعري فيكون “زمن التغنّي”، أي زمن الكتابة أو النظم. وهو زمن منقضٍ أيضا كزمن الحدث سريع الخطف، لكنّه عميق الأثر في النفس. وقد لا يبلغ الأثر حدّ البوح والإفضاء لدواع نفسيّة أو اجتماعية أو غير ذلك، فترتدّ الأحداث وآثارها إلى الكمون في سراديب النفس العميقة. هناك يتشكّل زمن ثالث هو “زمن النفس” وفيه يقع الالتحام والتلاقي والتداخل بين الحدث الجديد والأحداث العتيقة. وهو زمن دائم لا ينقطع تستقرّ فيه جميع “أزمنة الأحداث” و”أزمنة التغنّي”. وهو الموطن الذي تنشا فيه “وحدة القصيدة” على معناها الصحيح (شاكر، 1996).

ما يقع بين “زمن الحدث” و”زمن التغنّي”– ولا بدّ أن يتّسع مفهوم الحدث ليشمل الأشياء والموجودات والحالات – وقد مرّ الحدث بزمن النفس، بكلّ ما يشتمل من مخزون ثقافي وتراثي، ورموز وأحلام ومجازات ورؤى، وخبرات شخصيّة، قد ينتهي إلى الغموض في قصيدة الحداثة خصوصاً (والغموض كما أشار الصّكر بعبارة مغايرة هو نعيم الحداثة وجحيمها في آن واحد). من مرادفات الغموض بهذا المعنى التغريب، لا بمعنى الاتّجاه إلى الغرب والتخلّي عن الهويّة الثقافيّة القوميّة والوطنيّة – وهي تهمة جاهزة على لسان كارهي شعر الحداثة العربيّة ومنتقديه – بل بمعنى خلق مسافة بين المتلقّي والأشياء والأحداث التي ألفها حتّى لم يعد يراها.

هذه مقدّمة طالت قليلا لكنّها ضرورية لتناول كثير من القصائد موضع الدراسة، بل هي نقطة انطلاق مهمّة في تناول الشعر إجمالا. من ذلك ما نقرأ في قصيدة (أغنيةٌ للرمادِ… وللنارِ أغنية) من (ألواح الريح والرمل) لمحمد إسماعيل:

أبحثُ عن فكرةٍ
…ولا أجدُ
سوى أساطير …فيّ تتّقدُ
أبحثُ عن طائرٍ
وعن أفقٍ لم يره في خيالهِ أحدُ
عنِ الغريبين
)تحتسي دمَهم دوّامةُ الحُلْمِ كلّما ابتعدوا !(
….
أهجسُ للواقفين في لغتي:
مرُّوا بطيئًا على دمي
اتّحدوا بظلِّ أنشودةٍ
يمزّقها رجْعُ الصدى

والحنينُ والبلدُ !
كونوا ضحايا لمائها

انطفئوا كالشعرِ إنْ مسَّ نزفه جسدُ  !

أبحثُ

عن ماضٍ انْتبهتُ له
لمحتُهُ في يديّ .. يرتعدُ
كالغرباءِ

استراحَ في جسدي
كالمُشتهى يدنو لي ويبتعدُ !

أبحثُ عن أمنياتِ مَن فُقِدوا
أبحثُ عن

ذكرياتِ مَن فَقَدوا

بين ضلوعي كواكبٌ نزفتْ حيرتَها فيَّ ..
ما لها عددُ
وإخوتي كلما رأوا قبسًا من نورها
–  في قصيدتي – سجدوا
مُشتَّتٌ كالسؤالِ
غامضةٌ هواجسي كالضبابِ
مُستنِدُ على جدارِ المجازِ

منسكبٌ في روحِ أنشودةٍ … ومتّقدُ

تفرض القافية قدرا من النظام على ذلك البحث الإنسانيّ المضني عن فكرة، وعن طائر، وعن أفق، وعن أمنيات فاقدين ومفقودين، عن انعتاق وتحرّر. البحث هو الفعل المحوري في هذه القصيدة والباحث هو الشاعر والمفقود ليس مما يبحث عنه جملة البشر بل أمنيات وكواكب وماض “يرتعد” كالغرباء وأفق “لم يره في خياله أحد”. وفي المسافة بين زمن الحدث – ربّما لحظة انتباه إلى الماضي – وزمن التغنّي أساطير تتقد، ودوامة أحلام وكواكب نزفت حيرتها وذكريات ورجع صدى وحنين وبلد. وقدر الشاعر أن يمرّ النّاس من دمه، وأن يستظلوا بأنشودته، وأن يروا قبسا من نور الكواكب في قصيدته، وأن تستريح في ذاته الذكريات، بينما يستند هو على جدار المجاز يهرب فيه من الحقائق البغيضة وينسكب في روح قصيدته.

موضوعات متعلقة:

باحت مجازات بسر اللفظة الأولى..عن الانشغال بالنص في قصائد من الأقصر (1)

باحت مجازات بسر اللفظة الأولى.. عن الانشغال بالنص في قصائد من الأقصر (3)

باحت مجازات بسر اللفظة الأولى.. عن الانشغال بالنص في قصائد من الأقصر (4)

شارك المقالة عبر

تعليقات القراء

أضف تعليق

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تابع صفحتنا على فيسبوك

لأحدث أخبار فعاليات وندوات بيت الشعر بالأقصر

أحدث أنشطة البيت

أحدث المقالات

شعراء البيت

إنضم الى القائمة البريدية

إشترك في القائمة البريدية لبيت الشعر بالأقصر لتصلك أحدث الأخبار و المقالات عبر البريد الإلكتروني

الكلمات الدلالية الأكثر بحثا

spot_img