باحت مجازات بسر اللفظة الأولى.. عن الانشغال بالنص في قصائد من الأقصر (3)

د. بهاء الدين محمد مزيد

ما يفعل الشعر والشعراء؟

أَسمعُ صوتَ الشَّاشِ وهو يَلْتَفُّ عمامة.
أسمَعُ الجفنَ النائم وهو يقوم
أسمَعُ صوتَ الدماء
في عروقٍ لم تُولَدْ بعدُ.
أَجِدُ نفْسِي حينَ أَجِدُ عَتْمَتي
أنَا الِّلصُّ الذي يُغافِلُ العالَمَ السُّفْلِي
لِيَحمِلَ أرواحَ الأشياء
ويعيدَها إلى النور.

(فتحي عبد السميع: أحد عشر ظلّا لحجر)

النّاس جميعا – إلا أصحاب الحالات الخاصّة – يشعرون وينفعلون ويعبّرون كلّ بطريقته عن مشاعرهم وانفعالاتهم في درجات بين الصمت والانفجار المدوّي، فما حاجة البشرية إلى الشعر والشعراء؟ في كلام شاكر عن “زمن النّفس”، وفي إشارة ووردزورث إلى الشعر بوصفه استعادة للمشاعر في لحظات سكينة وهدوء – وفي استعادتها يترجمها الشاعر إلى تعابير شعريّة – ما يشير إلى بعض قيمة الشعر. في ولوج عالم القصيدة وفي استيعاب ما يفعل الشاعر، يجد المتلقّي ما يعينه على الحياة، على فهم مشاعره وانفعالاته وردود أفعاله.

في الشعر متعة ومنفعة، كما قال الشاعر الروماني هوراس، متعة الإيقاع والتجانس وبراعة الصورة وسحر المفردات – “والغناء معروف الشرف، عجيب الأثر، عزيز القدر، ظاهر النفع في معاينة الروح، ومناغاة العقل، وتنبيه النفس، واجتلاب الطرب وتفريج الكرب” (الإمتاع والمؤانسة، نسخة موقع الورّاق، ص 113). وفيه منفعة، فقيمة الشعر لا تقتصر على كلّ ما سبق على أهميّته، بل تتجاوز ذلك إلى سبك التجربة الإنسانية، وقد مرّت بغيرها من تجارب ونصوص وخبرات في زمن نفس الشاعر، في نسق شعري يتجاوز الخاص والمؤقّت إلى جوهر الإنسانية الخالد العميق، إلى المعنى فيما يبدو مفرّغا من المعنى، والتجانس فيما يبدو نافرا ناتئا، وإلى الأواصر التي تصل ما يبدو للعين العابرة الشاردة منقطعا لا سبيل إلى وصله. قد يصعب الواقع على التأطير والترتيب، عندها يكون التعبير الشعري عن العجز خطوة على طريق التحرّر منه.

لا وقتَ عندي؛ كي أرتِّبَكم

إذنْ! لا تسألوني عن صراخ الوقت

في كفِّ الحياة إذا تعثَّر ظلُّهُ

للروح حقٌّ في الحياة،

وللحياة الحقُّ في إرهاقنا

هي لا تفكِّرُ في نتائج فعلها

هي لا تجيد سوى مواجعنا فقطْ

يا رُوحُ، ما أقسى الحياة!

كأنها وجعٌ يطارد من يُحبُّون الحياة.

(وقت أحمد عابد)

يقع الحدث فينفعل به من ينفعل لكن تبقى الانفعالات وقتيّة فرديّة محدودة باللحظة الراهنة والمكان الراهن، لكنّ الشاعر يستحضر ما يرتبط بالحدث من أساطير ونصوص وتجارب وخبرات، فتجتمع في الصورة ألوان شتّى – من أيوب يركض برجله في مغتسل بارد وشراب، إلى النبيّ صلى الله عليه وسلّم إذ يخاتله الكاذبون المنافقون فلا يجد من بينهم سراقة يعاهده، إلى عنترة وهو يسافر في طلب مهر محبوبته. في اللوحة مشهد ثورة، لكنّه لا يشبه تقريرا إخباريّا ولا رواية شهود عيان عن ثورة:

اركض برجلك يا فتى الأحزان

ينتفض الضريح.

سيطوف حولك ألف كذابٍ

سراقة لن يعيرك من أكف الرفق

يا هذا الجريح.

مائة من النوق العصافير اجتررن

عيونه الصفراء

للنصر المعتق بالمذابح

بالرياح الصمّ

بالميدان

بالثوار

بالطين القديم.

(محمد عبادي: سفر القصيدة)

محن ثلاث

تجد القصيدة الحداثيّة التي اختارت العودة إلى التاريخ والموروث نفسها في مواجهة محنة من ثلاث على الأقل. الأولى، الاتهام الساذج بالانتحال والسرقة الأدبية. الثانية، الاصطدام بالمقدّسات وما ينتج عنه من احتمالات التكفير والمصادرة. الثالثة، جهل أكثر العرب بماضيهم القريب والبعيد مما يزيد من صعوبة القراءة، بحيث تصبح المهمّة مزدوجة: الانتباه إلى الإحالات والاقتباسات وفهم وظيفتها في النّصّ الراهن فضلاً عن التعامل مع هذا النص نفسه. يجد المبدع في التناص ملاذا من ارتباك اللحظة ومرجعا وإسقاطا للماضي على الحاضر. أمّا المتلقي غير الواعي فيرى فيه انتهاكا للنصّ الأصلي، على أساس المطابقة غير المبررة بين اللاحق والسابق. هذا هو مكمن الخطر.

لا يتوقّف الشعراء عن غواية التّناص وضخّ دماء جديدة في نصوص سابقة، مع كلّ المحاذير والمخاطر التي تحيط بذلك. وهذا دأب الشعراء وديدنهم، فهم “لصوص” الفاكهة المحرّمة، و”خفراء الحلم” والقيّمون على سرداب أساطير البشريّة:

… أصحابي أبوابي

صُنَّاعِ المفتاحِ، الأطهارِ، لصوصِ التّفَّاحِ،

المُتَّبَعِينَ، الأتباعِ،

وقطَّاعِ الحُرَقِ الموصولةِ،

أبناءِ الطرقِ المجهولةِ،

وعيالِ الليلِ، مواويل الويلِ،

وسيلِ الصحراءِ، وخفراءِ الحلمِ،

وأسيادِ العالمِ، وسلالم خلق اللهِ إلى اللهِ،

وأفواهِ الأشياءِ، وأشلاء النورِ،

وسورِ الضعفاء، ووصَفَاءِ الحريةِ،

وأصابع شهداء الثورةِ في وجهِ العورةِ،

(حسن عامر: نشيد، من مجموعة أكتب بالدم الأسود)

تتفاقم مخاطر التناص عندما يكون النص السابق نصّا دينيا. تظلّ العلاقة بين النص الشعري والدّين – نصوصه وقيمه وتعاليمه – علاقة مربكة مرتبكة، تطلّ برأسها تارة، وتحتجب تارة. وحين تطلّ برأسها تنتهي إلى خلاف ومصادرة وتكفير. أركان هذه العلاقة أربعة هي (1) النص ّالشعري ومبدعه و(2) المتلقّي و(3) المؤسسة الأدبية والدينية و(4) الدين نصوصه وقيمه وتعاليمه. العلاقة بين الضلعين الأول والرابع هي نقطة الانطلاق ومدار الانشغال. لا مهرب لنصّ شعري من التّماس مع الدّين، فهو عنصر من عناصر تكوين وعي الشاعر وهو بعض ما يختزنه في “زمن النفس” ويطل برأسه صاخبا أو هادئا خافتا في “زمن التغنّي”.

تستلزم قصيدة الحداثة العربيّة جهدا في قراءتها وتذوّقها وبحثًا في مصادرها ومنابعها. كيف لقارئ أن يتذوّق بكاء أمل دنقل بين يدي زرقاء اليمامة من غير أن يعرف “زرقاء اليمامة”؟ وليس الأمر على هذه الدرجة من البساطة، فقصيدة الحداثة العربيّة لا تكتفي بالعودة إلى زمن النفس العربيّة بما تحمله من ذكريات وتواريخ ونصوص، بل تحيل كذلك إلى زمن النفس الإنسانية بما فيها من أساطير وملاحم وخبرات. الإرث كبير إذًا وهائل ومعقّد ومربك، فكيف لقارئ متوسّط التعليم والثقافة أن يتذوّق قصيدة مثقلة بتواريخ وأساطير ورموز ونصوص وقد تربّى على النقد المدرسي التلخيصي الشارح؟

يتّخذ التّماس بين النصّ الشعري والدين أشكالا مختلفة منها ما درج البلاغيون القدامى على وصفه بحسن التضمين – “وأما حسن التضمين فهو أن يضمّن المتكلم كلامه كلمة من آية أو حديث أو مثل سائر أو بيت شعر” (النويري: نهاية الأرب في فنون الأدب. نسخة موقع الورّاق،  ص 804). ومنها استلهام أحداث أو شخصيّات أو أماكن أو رموز أو غير ذلك مما يتّصل بالدين. وقد يكون استلهام بعض ما سبق مصاحبا لاقتباس كامل أو منقوص. في قصيدة (والطريق إذا تصدّع) تنويع على القسم القرآني الذي نجده في قصار السور ومنها سورة (الشمس):

والطريقِ إذا تصدّعَ،

والرفيقِ إذا تمنَّعَ.

والحمامِ إذا تَوَلَّهَ،

والكلامِ إذا تأَلّهَ.

والشريدِ إذا تَبَدّى،

والوحيدِ إذا تَرَدَّى.

والدلالِ إذا تسلّلَ،

والسؤالِ إذا تَدَلّلَ.

والمقيمِ إذا توارى،

والقديمِ إذا تدارى.

والمساءِ إذا تَمَشَّى،

والسماءِ إذا تَغَشَّى.

الشِّعرُ مبحوحٌ،

إلى أن قالت امرأةٌ:

سأعبدُ ما ستكتبُه على عينِي،

على عينَيَّ؛

إن شاءتْ لك الأشياءُ، أو إن شئتَ.

أسئلةٌ هي الأسبابُ! أسبابٌ هي الأسماءُ!

سيدةٌ كما نصَّ الكتابُ،

وأوَّلَ النصَّ الغيابُ،

فعلّقوهُ بكلِّ رائحةٍ، أتَتْ تمضي،

وسائحةٍ، مَضَتْ تأتي..

ووقتي رهنُ ساعتِها التي

ساحتْ على السنواتِ، كم!

وسهرتُ وحدي يا حبيبي، والليالي يا حبيبي،

لا أسبّحُ غيرَ باسمِكَ يا حبيبي،

يا خليلي!

(أيمن ثابت: والطريق إذا تصدّع)

لماذا يستلهم الشعر الدين نصّا دينيّا؟ بعض أسباب ذلك اضطرارية. فالدين جزء مهم من تكوين وعي الشاعر خصوصا في الثقافتين الإسلاميّة والمسيحيّة. ولتوظيف الدين في الشعر أسباب فنيّة منها العثور على “معادل موضوعي” – بعبارة ت. س. إليوت – والخروج من أسر الذاتيّة والرومانسيّة كما شرح البياتي – مع التحفّظ الواجب على كلمة “تردّي” التي ترد في الاقتباس – “أي أن الشاعر يعمد إلى خلق وجود مستقل عن ذاته، و بذلك يبتعد عن حدود الغنائية والرومانسية التي تردّى أكثر الشعر العربي فيها. فالانفعالات الأولى لم تعد شكل القصيدة و مضمونها، بل هي الوسيلة إلى الخلق الفني المستقل” (البياتي، 1993، ص 40). ولتوظيف الدين أسباب سياسيّة منها إسقاط الماضي على الحاضر من غير الوقوع في أشراك الرقابة والمصادرة.

من بين أعذار الشاعر ومبرّراته في اجتراح المقدّسات – وهو يتراوح بين الاقتباس على سبيل التبرّك واستدعاء تأثير النّص الديني لاستمالة القرّاء وبين الانتهاك الذي يبلغ حدّ النفي: الرغبة في التجديد، والخلاص من الرتابة، ومن قيود الشكل والأفكار المبتذلة والتعابير المكرورة والصور المستهلكة، و”الخروج على السائد والمُجترّ” – بعبارة حاتم الصكر (2004). في الأبيات ترتفع الحالات والموجودات اليومية إلى مقام المقسوم به في النّص القرآني تأسيسا لرؤية في الحبّ ترتقي به إلى مرتبة صوفيّة.

موضوعات متعلقة:

باحت مجازات بسر اللفظة الأولى..عن الانشغال بالنص في قصائد من الأقصر (1)

باحت مجازات بسر اللفظة الأولى..عن الانشغال بالنص في قصائد من الأقصر (2) 

باحت مجازات بسر اللفظة الأولى.. عن الانشغال بالنص في قصائد من الأقصر (4)

شارك المقالة عبر

تعليقات القراء

أضف تعليق

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تابع صفحتنا على فيسبوك

لأحدث أخبار فعاليات وندوات بيت الشعر بالأقصر

أحدث أنشطة البيت

أحدث المقالات

شعراء البيت

إنضم الى القائمة البريدية

إشترك في القائمة البريدية لبيت الشعر بالأقصر لتصلك أحدث الأخبار و المقالات عبر البريد الإلكتروني

الكلمات الدلالية الأكثر بحثا

spot_img