باحت مجازات بسر اللفظة الأولى.. عن الانشغال بالنص في قصائد من الأقصر (4)

د. بهاء الدين محمد مزيد

منها وإليها

لكن يظلّ الشاعر يستقي قدرا كبيرا من إبداعه من تفاعله وانفعاله بحياته وحياة البشر من حوله، يشعر بهم ربّما أكثر مما يشعرون هم بأنفسهم:

صَدقُوني أنا مِثلُكم أَتَألَمُ

دون دِمٍ سَاخِنٍ

أو خُدوشٍ عَلى الجِلدِ

تُوجعُني ثُمَ أَبرأُ مِنها

(عبد الرحمن مقلد: أنا مثلكم أتّألّم)

أذوب ملء حكاياتي وأوردتي
يا ناسُ يا ناسُ فيكم منكم المددُ
هل تنحني مهجتي إلا لتحملكم
يا خيبة الروح لو لم يحوِها الأمدُ

(محمد المتيم: أرأيت الذي تجلّى)

يبدأ الشعر من الحياة وإليها ينتهي، لكن بين البداية والنهاية أساطير ومجازات ونصوص وإبداع تنصهر فيه الحياة فلا تعود كما نعرفها:

لو تمسحي وجهي بكفك
ربما اختفت الندوب.
وربما وحيٌ حقيقيٌ أصاب فم الغريب.
وربما باحت مجازاتٌ بسرّ اللفظة الأولى،
تحررت المعاني وانمحت لغتي
فقولي أي شيء يا فتاةُ وحرّري الدنيا
وقولي أي شيء وامسحي وجهي
وقولي كلّ شيء!
(محمد المتيم: الغياب قبل الأخير)

ولا يعود الشاعر كما كان، فهو يسكن الحكايات كما هي تسكنه، وتنشطر ذاته لتتشرب ذوات الآخرين ثم تحلّ في كلمات وصور

وما انفصالُ قصائدي عني
سوى غيري تشكّل في حشايَ
وما اتحادُ حقيقتي وقصيدتي
إلّا حلولي في المعاجم
وانفصالي عن خُطايْ!

(محمد المتيم: الغياب قبل الأخير)

ويظلّ الشعراء في توتر بين رغبتهم في التواصل مع الحياة ومع المتلقّي من جهة وبين رغبتهم في التجويد والتجديد من الجهة الأخرى:

أُرِيدُ أُغْنِيَةً لِلْحُبِّ

تَصْعَدُ لِي بِاسْمِ الشُّوَارِعِ

لَا بِاسْمِ التَّفَاعِيلِ!

أُرِيدُهَا قَبَسًا مِنْ جَائِعٍ وَلِهٍ

لَا زُخْرُفًا

وَطِلَاءً مِنْ تَهَاوِيلِ

أُرِيدُهَا شَبَهِي

حُرَّيَّةً

وَدَمًا

تَرْمِي الزَّنَازِينَ

مِنْ أَحْجَارِ سِجِّيلِ

تَحْتَجُّ

تَزْرَعُ أَعْنَابـًا

تُضِيءُ هُدَىً

تَسْتَغْفِرُ الْأَرْضَ مِنْ بَارُودِ قَابِيلِ

وَتَقْتَفِي أَثَرَ الْإِنْسَانِ

تَحْمِلُ نَاقُوسَ الْمَحَبَّةِ

مِنْ جِيلٍ إِلَى جِيلِ

(حاتم الأطير: بنفسج وزبالة)

يريد الشعر أن يطعم جائعا ويبني بيتا ويزرع حقلا ويبذر حبّا وينشر الحبّ بين البشر. ليس في وسع الشعر أن يفعل ذلك – “لا الحربُ تحتاجُ القصائدَ/ لا السلامُ يعُمُّ إن نحن ارتجلناها بأمرٍ عسكريٍ  / في بلادي ..  ينتهي السلطانُ للسلطانِ والولدانُ للأكفانِ والتاريخُ للدولةْ” (محمد المتيم: ما لم يقله آخر الشعراء الهاربين) –  لكنّه يفعل أكثر من ذلك. يهذب الوجدان ويرتقي بالذوق ويعين البشر على فهم خبراتهم وانفعالاتهم. على أنّ الشعر تحفّه مخاطر منها الوقوع في أشراك الغموض وتهافت كثير من النقد وتعاليه:

سأعيشُ لا حَذِرًا على معنىً
يفوتُ من اختلال اللفظ والإيقاعِ
لا ولِعًا بما يكفي من الإغراق في الرمز المُحلّق
هكذا كنا نظن بأننا نحمي القصيدةَ
من تسوّرِ فَيلَق النُقّادِ في الزمن السفيهْ
سأعيشُ لا قلقًا على مستقبل العشاق والجوعى
سأمضي مثلهم قلقي على جوعي وعشقي
ربما في الصمت نبعٌ مثلما في الشعر تِيهْ

 (محمد المتيم: ما لم يقُلهُ آخر الشعراء الهاربين)

 

ربّما يكمن الخلاص في العودة إلى الشعر في بساطته والتخلّص من بهرج اللغة وزخرفها والحجب التي تبعد القارئ عن القصيدة والقصيدة عن القارئ:

أزيلوا مِن اللُغَةِ

البَضَّ مِنها

وأَبْقُوا الهَزِيلَ..

أزِيلُوا:

العِتَابَ.. الضَواحِي..

.. الحَرِيرَ.. السَمَاء.. الليَالي

الورُودَ.. الَبناتَ..

الظِلالَ.. التِلالَ.. الحَنَانَ.. الخُمُولَ

.. .. .. .

.. .. .. .. ..

.. .. .. .. ..

وأَبْقُوا الهَزِيلْ..

عبد الرحمن مقلد: مساكين يعملون في البحر

خاتمة

هذه عيّنة وقد تكون في العيّنة بيّنة على انشغال مجموعة القصائد بالشعر والكتابة، مع انشغالها الحتمي بالواقع الذي يحيط بها، بإشارة القصائد إلى ذاتها وإلى كتابتها بينما تشير في الوقت ذاته إلى العلم الذي يحيط بها. لا غرابة والشعراء يشقّون طريقهم نحو التحقق ويبحثون عن صيغ ملائمة للتعبير والتواصل مع العالم الذي يحيط بهم.

موضوعات متعلقة:

باحت مجازات بسر اللفظة الأولى..عن الانشغال بالنص في قصائد من الأقصر (1)

باحت مجازات بسر اللفظة الأولى..عن الانشغال بالنص في قصائد من الأقصر (2) 

باحت مجازات بسر اللفظة الأولى.. عن الانشغال بالنص في قصائد من الأقصر (3)

شارك المقالة عبر

تعليقات القراء

أضف تعليق

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تابع صفحتنا على فيسبوك

لأحدث أخبار فعاليات وندوات بيت الشعر بالأقصر

أحدث أنشطة البيت

أحدث المقالات

شعراء البيت

إنضم الى القائمة البريدية

إشترك في القائمة البريدية لبيت الشعر بالأقصر لتصلك أحدث الأخبار و المقالات عبر البريد الإلكتروني

الكلمات الدلالية الأكثر بحثا

spot_img