بلاغة التفاعلات النصية في المتخيل الشعري (4)

 د. هويدا صالح

في “المازورة ” الخامسة(الجميلة والوحش) يتناص الشاعر مع الأساطير العالمية، فيحضر نص” الجميلة والوحش” ليس فقط عبر عنوان القصيدة، إنما يحضر كذلك في متن القصيدة، في حوارية متعددة الأصوات، تحضر سردية أسطورة الجميلة والوحش، تحضر في الكادر الأخيرة من الأسطورة، حينما انقلب الوحش إلى فتى جميل وزالت عنه اللعنة حينما وجد من تحبه حبا حقيقيا. يحضر النص الغائب في كادرات ومشاهد تكشف عن جمال العلاقة بين الذات الشاعرة(الوحش) والحبيبة (الجميلة)، وفي كرنفالية صوتية متعددة نسمع الصوتين، صوت الوحش (الذات الشاعرة) وصوت الحبيبة(الجميلة):”

تقولُ الجميلةُ للوحشِ :

نمتَ ولمْ تجعل الكونَ حوْلي يغني !..

فكيفَ أنامُ أنا

دونَ أن تعزفَ الكونَ في طرْفِ ثوبي ؟!

وكيفَ أنامُ أنا

دونَ أنْ أتسلَّى بصوتِكَ عنْ كلِّ همّي؟!

يقولُ :

اعذري ضعفيَ المحتمي بفؤادي ..

أنا الوحشُ

لكنَّ قلبيَ أولى ببعضِ السكينةِ

مثلَ الصغار ِ

وقلبيَ مذْ جئتِ فيه

ورودٌ

ورياحينُ

وفلٌّ

وأودية ٌمنْ جمالٍ

وأفرعةٌ من مياهِ الحياةِ

وأشرعةٌ منْ أمل ْ..

نمتُ يا حلوتي

نومة َالطفلِ

محمومةٌ كفُّهُ

ويطيبُها ربُّهُ بالمنام!

تقولُ :

عذرْتُكَ منْ قبلِ عذركَ

لكنني لا أنامُ !”.

في”المازورة “الثامنة نص غائب يقيم جدلا نصوصيا وتفاعلات وتداخلات نصية كثيرة هو نص”من أوراق أبي نواس” للشاعر أمل دنقل، حيث يهدي الشاعر نصه إلى أبي نواس وصاحبه أمل، ويقسم القصيدة إلى خمسة كادرات سينمائية تصور قصة الذات الشاعرة مع قضايا الذات والوجود.

يحضر نص أمل دنقل بداية من عنوان قصيدة الشاعر كرم عز الدين(مما بين الأوراق) ليقيم تعالقا نصيا مع عنوان أمل دنقل(من أوراق أبي نواس)، لكن أمل دنقل في قصيدته حملها قضايا سياسية واجتماعية ودينية لكن كرم عز الدين يعالج قضايا الذات، علاقتها بالذات العميقة وبالآخر، علاقتها بالله:” قال: واخترت أن تذبل السنوات على مطلع التجربة؟!

قلتُ: قد يرسلُ اللهُ روحًا

تزيلُ السوادَ الذي أكلَ الروحَ منّي ..

وتمسحُ هذا الذي أوقدَ النارَ فيّ “.

ثمة خطاب آخر يحضر في القصيدة؛ ليقيم تفاعلات نصيا، كما يقيم جدلا بينه وبين القارئ وهو الخطاب الصوفي الذي يحضر لغة وعوالم ورؤية للعالم، فعبر الأوراق والكادرات الخمسة التي تتكون منها القصيدة نتلمس الخطاب الصوفي في تضاعيف النص:”

(٥)

حينَ أشطرُني

بينَ كأسٍ من ْالخمرِ والحبِّ ..

والكأسُ دنْدنَة ُالروِح للملكوتِ

غذاءُ الدراويشِ والمتعبينْ..

عينُها مثلُ عينِ جَنان ٍ

ورَقرَاقُها مثلُ مِشيتِها

حينَ تمشي الهوينْى على جسدي المرتمي

قلتُ :

والخمرُ يمشي هنا بدمي!

ثمَّ حلَّ الظلامُ رويدًا رويدًا ..

وجَدتُّهمَا صاحبيَّ

أفسرُ للخمرِ أنَّ اللقاء َقريب ٌ..

أعبِّرُ رؤيا جنانٍ

بأنَّ الفِراقَ هو الفتنة ُالباقيةْ ..

ثمَّ حلَّ الظلامُ رويدًا رويدًا

ولم يبقَ لي غيرُ هذا المجاز البعيد !”.

ومثلما حضر أبو نواس وأمل دنقل عبر الأوراق المتناثرة، كذلك حضرت قصة عشق أبي نواس لحبيبته جنان، فهل جنان هنا هي رمز للآخر الحبيبة التي تفقد الذات الشاعرة بوصلة الوصل معها منذ القصيدة الأولى(قدر الحمام) وحتى القصيدة الثامنة(مما بين الأوراق)؟ إن أبا نواس أحب جنان وتبعها إلى الحج، وظل يتبتل في عشقها حتى بادلتها حبا بحب رغم أنها في بداية قصة الحب كانت تخشى حبه خوفا من طيشه وحمقه، حتى استمعت إليه ينشد:” جِنانُ إن وجُدتِ يا منايَ بما آمُلُ لم تقطُرِ السماءُ دما

وإن تمادى ولا تماديتِ في منعك أصبح بقفرةٍ رِمما

أبو نواس العاشق الولهان !”.

وها هي الذات الشاعرة التي تسعى للتواصل مع المحبوبة يستلهم قصة حب “جِنان”:” أعبِّرُ رؤيا جنانٍ

بأنَّ الفِراقَ هو الفتنة ُالباقيةْ ..

ثمَّ حلَّ الظلامُ رويدًا رويدًا

ولم يبقَ لي غيرُ هذا المجاز البعيد !”.

كذلك يتناص الشاعر مع قصة المغنية الفلسطينية “ريم البنا”، وتحضر في القصيدة كنص غائب يقيم جدلا تفاعلا نصيا معه.

يواصل الشاعر قصائده مستخدما المازورة كوحدة قياس موسيقية حتى المازورة الخامسة والثلاثين، لينهي الديوان بقصيدة”أثر الجنون” التي تصبح بمثابة الكودا ـ بلغة الموسيقى ـ التي يختتم بها لحنه الذي بدأه مع المازورة الأولى، فرغم كل ما مرت به الذات في القصائد الخمسة والثلاثين، وما طرحته من قضايا الوجود والذات. كل شئ ينهيه بسردية مضادة للسردية الأولى التي طرحها في قصيدة “قدر الحمام” فهناك رأينا كيف أن الشرع حرّم كل شئ حتى وقوف حمامة أعلى كنيسة، وحتى مجرد إلقاء السلام على الآخر المختلف دينيا. هنا يحيل الشاعر كل شئ إلى الله، وكأنه يتبرأ من كل ما منعه “الشرع”:”

وأخيرا ..

سنرفعُ لله قلوبًا نقيةً

كبياضِ الثلجِ..

ونمضي على الدربِ

رفاًقا

يوزعون أرغفة َالشعرِ

أزهارًا وآهاتٍ

على المارة “.

كما أن الشاعر يفيد من فكرة النصوص المصاحبة التي طرحها النقد باعتبارها تقيم تفاعلات نصية في المتخيل الشعري، سواء كانت هذه النصوص المصاحبة الإهداءات التي يهديها الشاعر لبعض الأعلام مثلما أهدى لأبي نواس وأمل دنقل وريم البنا. أو الشاعرة الراحلة أسماء الأصيل وقصيدتها”حمدان” أو الإطار الزمني الذي أطر به القصائد، حيث يفتتح كل قصيدة بالتاريخ واليوم والسنة والشهر أو حتى الهوامش التي كان يعرف فيها ببعض المفردات التي يتخيل عدم معرفة القارئ بهام  مثلما فعل في تعريف كلمة ” المازورة ” في الهامش بأنها وحدة قياس الموسيقى، أو مفرد”جراو”  الذي  يطلق في صعيد مصر على عشب أخضر لين يقدم للبهائم ـ بحسب الشاعر  في الهامش ـ بل إن الشاعر وهو يوثق لمفرداته في الهامش كان يستعمل مفردة”كسر” وكأنه يعي أن التوثيق والهوامش تحدث نوعا من كسر الإيهام، أي خروج القارئ من المتخيل الشعري والتخييل إلى الواقعي والمرجعي  حين يقدم له الشاعر معرفة قد تكون جديدة عليه.

النصوص الشعرية الغائبة

أفاد الشاعر من الميراث الشعري لشعراء آخرين مثل أبو نواس وأمل دنقل ومحمود درويش ونزار قباني، وقد ساعدته تقنية التناص على إحداث تفاعلات نصية، حيث تتيح هذه التفاعلات  براحا تأويليا يتحرك فيه الشاعر.وتداخل النصوص في هذا الديوان يتم بين النص الشعري والنصوص التي استحضرها داخل نصه  ليس فقط على المستوى الظاهري، بل على مستوى الحوارية التي أقامها بين النص الماثل والنصوص الغائبة. فالنصوص التي استحضرها الشاعر تتميز

بالتفاعلية المفتوحة على عدد لا نهائي من الدلالات والمضامين، من هذا المنطلق يتعامل الشاعر مع تداخل النصوص بداخل قصيدته من مفهوم الجدل الذي يمكن أن يقيمه التفاعل النصي، وكما يرى تيري إيجلتون أن :” كل النصوص الأدبية محكية من نصوص أدبية أخرى، ليس بالمعنى العرفي الذي مفاده أنها تحمل آثاراً منها وإنما بالمعنى الأشد جذرية ، والذي يعني أن كل كلمة أو عبارة أو مقطع ، وهو إعادة تشغيل لكتابات أخرى، سبقت العمل الفردي أو أحاطت به”(26).

ينهض الخطاب الذي يكمن وراء طبقات النص في الديوان  على أسس تكشف “الحنين إلى المغامرة واستشراف المجهول هو الهاجس الباعث على القلق والطموح إلى السكن في التخوم والأقاصي”(27).

وعبر التفاعلات النصية يتمكن الشاعر من تقديم خطابه الجمالي والثقافي، ويختلف طرائق تقديم الخطاب الأدبي باختلاف سمات وخصائص الأساليب التعبيرية المستخدمة أو حسب اختلاف المواقف وفقا لما يمتلكه الشاعر من ثقافة وفكر في كيفية إنتاج الدلالات المختلفة في طرح المعنى.

في المازورة الثانية عشر يحضر نص غائب لمحمود درويش من قصيدة “مديح الظل العالي” حيث يقول الشاعر:” أوفِّقُ ما بينَ دقةِ قلبي

وخطوةِ رجلي

وأنفاسيَ المتعبةْ

ثمَّ أطبعُ قبلةَ صدْقٍ

على جبهةٍ ناصعةْ

على قلبِكِ الطُّهرِ أيضًا ..

أهدهدُهُ وأهدهدُهُ

وأغني له

”الآنَ نم ْ يا حبيبي” .

كذلك يحضر نص غائب آخر في ذات المازورة (الثانية عشرة)، نص لنزار قباني، فيتناص الشاعر معه؛ سعيا إلى مزيد من التفاعلات النصية، حيث يقول:”

”أجوبُ الزوايا عليه ِ

أصلي على صدرِهِ المتعبِ”**

هنا قلتُها ..

والزمان ُضحوكٌ على ما ارتكبْت ُ

وأنشدتها

وأنا آفةٌ تتلذَّذُ بالموتِ أكثرَ من غيرِه ِ..

تتجافى عن النومِ عيني

وأسكبُ عَبرةْ!”.

فالذات الشاعرة في هذا النص”الحرب بنكهة الحب” يكتب سردية الحرب وما يمكن أن تفعله في الوجود الذاتي (داخل الذات) والوجود الإنساني(كل ما هو خارج الذات) وفي مقاطع النص تحدث تفاعلات نصية كثيرة ليس فقط لمحمود درويش كما سبق وأشارت الباحثة، إنما أيضا لنزار قباني، ويضع مقتبساته من الشعراء الآخرين بين علامتي تنصيص “..”.

ورغم التداخل النصي بينه وبين أمل دنقل في القصيدة التي أهداها إلى”أبي نواس وصاحبه أمل” مفيدا فيها من التناص مع قصيدة أمل دنقل”من أوراق أبي نواس” إلا أنه يعود مجددا في قصيدة”الحرب بنكهة الحب” ليتمثل صورة الجنوبي، حيث يقيم حوارا متخيلا بين الذات الشاعرة في النص وبين الجماهير التي تنتظر عودته من الحرب منتصرا، لكنه لم يعد سوى بمزيد من الحزن:”

_هلْ أجدْتُ ارتداءَ القناع؟!

تقولُ الجماهيرُ : أحسنْت َ،

لكنَّ وجهَكَ منقسمٌ

بينَ تكشيرةٍ وابتسامةْ!

= هلْ تريدُ قليلاً من الحزن ِ؟!

_ كلا ..

”فالجنوبيُّ يا سيدي ”***

يشتهي أن يكونَ هو الحزنُ حينًا

كما يشتهي أن يكونَ السعادة ْ!

والجنوبيُّ يا حُلوتي

يتهيَّبُ بعدَكِ

والآلة الحاسبةْ !

والجنوبيُّ يا أبتي

يتردَّدُ ما بينَ كلِّ المرايا

وبينَ التضادِ

ويبحثُ يبحثُ عن نفسِهِ”.

في تلك الحوارية التي يتجادل فيها صوت الذات مع صوت الجماهير هل اختلفت كثيرا صورة الجنوبي لدى كريم عز الدين عن الجنوبي الذي كتبه أمل دنقل قبل عقود؟! أم أن كليهما يبحثان عن ذات تائهة بين ركام المدن فارة من الحرب والحزن؟!.

موضوعات متعلقة:

بلاغة التفاعلات النصية في المتخيل الشعري (1)

بلاغة التفاعلات النصية في المتخيل الشعري (2)

بلاغة التفاعلات النصية في المتخيل الشعري (3)

بلاغة التفاعلات النصية في المتخيل الشعري (3)

بلاغة التفاعلات النصية في المتخيل الشعري (5)

 

شارك المقالة عبر

تعليقات القراء

أضف تعليق

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تابع صفحتنا على فيسبوك

لأحدث أخبار فعاليات وندوات بيت الشعر بالأقصر

أحدث أنشطة البيت

أحدث المقالات

شعراء البيت

إنضم الى القائمة البريدية

إشترك في القائمة البريدية لبيت الشعر بالأقصر لتصلك أحدث الأخبار و المقالات عبر البريد الإلكتروني

الكلمات الدلالية الأكثر بحثا

spot_img