بلاغة التفاعلات النصية في المتخيل الشعري (2)

د. هويدا صالح

يشير رولان بارت إلى أن النص الواحد ينهض على تلاقح نصوص  مأخوذة من حقول معرفية وثقافات متعددة ثقافات عدة تدخل في علاقات متبادلة من المحادثة والسخرية والمنافسة، لكن هناك موقع واحد تتجمع فيه هذه الأوجه المتعددة من الكتابة، وهذا الموقع هو القارئ وليس الكاتب، والقارئ هو الذي يجمع هذه النصوص التي تكون كتابة ما دون فقدان واحدة منها، ووحدة النص لا تكمن في أصله بل في اتجاهه(18).

ولقد نادت نظريات التلقي وموت المؤلف(19) إلى سلطة أدبية وفكرية للقارئ للنص ونصوصه الغائبة والماثلة والتي قد تظهر بشكل مباشر في التناص المباشر أو تكون كامنة في طبقات النص ولا وعيه ولا يصل إليها إلا القارئ الذي يحفر في هذه الطبقات أحفورات معرفية تمكنه من الوصول إلى النصوص الغائبة.

وقد تعددت المسميات التي تطلق على تداخل النصوص بداخل النص الأدبي وأعطوا هذه الظاهرة مسميات متعددة مثل :” الحوارية” التي نادى بها باختين حيث يرى تودروف أن باختين يرى أن :” كل خطاب عن قصد أو عن غير قصد يقيم حواراً مع الخطابات السابقة له، الخطابات التي ستأتي يتنبأ بها، ويحدس ردود فعلها”.(20).

كذلك أُطلِق على تداخل النصوص تعدد الأصوات” أو ” التضافر” و” الاقتباس” أو “تداخل النصوص” أو ” التناص ” أو ” التحول”، لكن يشترط في القارئ القادر على إعادة الإنتاج للدلالة التي يراها كامنة وراء التفاعلات النصية أن يكون وعيه منبنيا على أبعاد فكرية وفلسفية وجمالية أكثر عمقا وقدرة على إيجاد العلاقات وتحليلها.

وتداخل النصوص وتأثيرها في النص الشعري الماثل وعاه دي سوسير (1857 ـ 1913) في فترة مبكرة جدا قبل جوليا كرستيفا، حيث يرى أن ” سطح النص مكوكب تبنيه وتحركه نصوص أخرى، حتى ولو كانت مجرد كلمة” (21).

ولم يكن تداخل النصوص شاغل النقاد فقط، بل وعى المبدعون دور النصوص التي يجلبونها لفضائهم النصي في صناعة الدلالة الأخيرة للنص، فها هو لورنس داريل يشير إلى تأثير التراث على الفنان حين يستلهمه أو يأتي به إلى نصه كتجلٍ من تجليات التناص، فيقول:” كل الكتابة اقتبستها عن الأحياء والأموات، حتى غدوت أنا نفسي حاشية فوق رسالة لم تنته أبداً ، ولم ترسل أبداً”(22).

كذلك يرى جعفر العلاق(23) أن هناك  شعراء وصفهم بشعراء الحداثة  يرون أن النص  في مجمله هو رموز مفتوحة لا حدود لها معتمدين على كثافة التصوير والتخييل، فيصبح النص مركزا لاكتشاف مرايا الواقع وظواهره.

والنص في علاقته بالنصوص الأخرى يصير نصا مكونا من طبقات معرفية تحتاج إلى قراءة عميقة ومتأملة، فالطبقة الأولى من المعنى التي قد يصل إليها قارئ ما تختلف عن الطبقات الكامنة في تلافيف النص التي تحتاج إلى مزيد من التفكيك والتفسير والتحليل.

إن التفاعلات النصية لمختلف النصوص في النص الواحد هو من إنتاج البنية الفكرية لموجهات نقد ما بعد الحداثة وتحديدا استراتيجيات التقويض الدريدي، ومنذ ظهورهما في النصف الثاني من القرن العشرين فإنهما شغلا مساحات واسعة من العمل النقدي شرحا وإفاضة وإضافة ولا يزال الدرس النقدي العالمي مستمرا في اقتراح مقاربات جادة لقراءة هذه المفاهيم من خلال النصوص الشعرية والسردية المختلفة.

إذن “جامع النص”  هو شكل أجناسي جديد تتداخل فيه مختلف الأجناس والأنماط لتشكله، بينما” النص المفتوح” هو كل نص مهما اختلف جنسه شعرا كان أم نثرا يمتلك قابلية تأويل القاريء.

ومن خلال دراسة نص”الإلياذة” لهوميروس ونص”الإنيادة”لفرجيل قسّم جينيت المتعاليات النصية إلى خمسة أنواع هي:

التناص(intertextuality)، وهو الحضور الفعلي لنص في نص آخر سواء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، وبوعي من الكاتب أو بغير وعي.والميتانص(metatextuality)، ويراه جينيت ” العلاقة التي توحد بين نصين يتحدث أحدهما عن الآخر دون ضرورة ذكره” (24).ويعتبر الخطاب النقدي الذي يفسر عملا إبداعيا ميتانص، وبهذا يعتبر هذا الشكل من المتعاليات النصية قديم  قدم النصوص، فكل نص ولا شك دخل في علاقة ميتانصية مع نص آخر سواء تفسيراً وشرحاً، أو تعليقاً، أو نقداً.

ثم تحدث جينيت عن التعالق النصي(hypertextuality ) وهو يدل على علاقة نص لاحق بنص سابق، وتقوم هذه العلاقة على إعادة إنتاج الثاني للأول بطريقة جديدة.كذلك تحدث عن جامع النص( Architextuality)وهو  يتعلق بالأنواع الأدبية، فكل نص ينتمي إلى نوع أدبي معين انطلاقاً من خصائص تميزه. رغم أننا تجاوزنا فكرة الحدود الصارمة بين الأجناس الأدبية، بل هي ميزة من ميزات الشعرية ، فالقارئ قد يلعب دورا جوهريا في تحديد الجنس الأدبي، فـ “تحديد قانون أو معيار النوعية لنص ما ليس من شأن النص وإنما من شأن القارئ، من شأن النقد والجمهور”(25).

وأخيرا النص الموازي ( Paratext)ويقصد بها العتبات النصية التي تحيط بالمتن كالعنوان والمقدمة والخاتمة.

وما يهمنا من تقسيم جينيت الخماسي للمتعاليات النصية هو مفاهيم التناص والتعالق النصي والجامع النصي، فهي مفاهيم تكشف التفاعلات النصية والنصوص الغائبة التي يمكن لشاعر أن يفيد منها في نصه الماثل.

تقنيات البناء  في ديوان كلارنيت

ولكي نختبر تلك الفرضيات عن النصوص الغائبة والتفاعلات النصية وتداخل الخطابات داخل الفضاءات النصية نعمد إلى قراءة تجربة شعرية تحت الطبع للشاعر كرم عز الدين بعنوان” كلارنيت ”

في ديوان”كلارنيت” منذ العتبة الأولى للديوان(النص المصاحب) تحضر الموسيقى كحقل معرفي مغاير للنص الشعري، والموسيقى هنا لا أقصد بها الإيقاع والموسيقى الشعرية، وخاصة أن المجموعة الشعرية تنتمي لقصيدة النثر التي تخلصت من عبء موسيقى الشعر القديم، إنما أقصد الموسيقى كحقل معرفي له عوالمه وخصوصيته الفنية. تحضر الموسيقى لتتفاعل نصيا مع المتخيل الشعري، وحضور الموسيقى لم يقتصر على اللغة  الموسيقية (الكلارنيت ـ العازف ـ يعزف ـ يستمع ـ المازورة) إنما الحضور الجلي في النص الإيقاع الداخلي الذي حضر هامسا وبطيئا لكنه مستمر حتى نهاية النص.

يقسم كرم عز الدين الديوان إلى وحدات  قياس خاصة بالموسيقى “المازروة”، المازورة الأولى ..المازورة الثانية ..وهكذا حتى نهاية النص، لكن المازورة ليست عنوانا للقصائد، بل عنوان للوحدة البنائية التي بنى عليها النص، فلم يمنعه ذلك من أن يمنح القصائد عناوين منفصلة.

كما يستخدم الشاعر تقنية بنائية ثانية تستمر معه طوال الديوان، وهي تقسيم القصيدة نفسها إلى مقاطع سردية، كل مقطع بمثابة الكادر السينمائي الذي يضيف لبنة في بناء الحكاية التي يحكي عنها في قصيدته.

أما التقنية البنائية الثالثة فهي الإطار الزمني الذي يفتتح به النص ودلالته في الفضاء النصي، وسوف نتوقف مليا نتأمل دلالات الزمن في النص.

. موضوعات متعلقة:

بلاغة التفاعلات النصية في المتخيل الشعري (1)

بلاغة التفاعلات النصية في المتخيل الشعري (3)

بلاغة التفاعلات النصية في المتخيل الشعري (4)

بلاغة التفاعلات النصية في المتخيل الشعري (5)

 

شارك المقالة عبر

تعليقات القراء

أضف تعليق

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تابع صفحتنا على فيسبوك

لأحدث أخبار فعاليات وندوات بيت الشعر بالأقصر

أحدث أنشطة البيت

أحدث المقالات

شعراء البيت

إنضم الى القائمة البريدية

إشترك في القائمة البريدية لبيت الشعر بالأقصر لتصلك أحدث الأخبار و المقالات عبر البريد الإلكتروني

الكلمات الدلالية الأكثر بحثا

spot_img