بلاغة التفاعلات النصية في المتخيل الشعري (5)

 د. هويدا صالح

الاشتغال الزمني  في ديوان”كلانيت”

إن الرؤية ومسيرة الزمن  التي يقدمها الشاعر في الديوان هي رؤية جدلية بين الذات الشاعرة والآخر تتبدى من وشائج وعلاقات “تجعل الشاعر يطمح إلى ما هو خارج هذا العالم، أو إلى ما ورائه”(28).

تَتَأَسَّسُ مساراتُ الدلالة في نصوص الشاعر  وفق مسار هندسيٍّ خطيٍّ مَوْسُومٍ بالمفارقة، فيبدأ كل قصيدة بتأطير زمني يحدد التاريخ واليوم والشهر والسنة.وكأنه يملك وعيا مسبقا بفلسفة الزمن وموقف الذات الشاعرة من العالم والذات والوجود، سعيا إلى  مجابهة أسوار اللحظة الزمنية الراهنة، في “نبرة تفجعية درامية، وتحاول أن تستوعب كل دلالاتها وفق رؤى الشاعر وحركة النص الشعري المدفوع بفعل الانشطار الذاتي”(29).

لا شك أن “كل نص شعري جيد فضاء جيد لا متناهي من الرؤى، والإيحاءات والصور التأويلية الغزيرة التي يصب معظمها في بؤرة الصراع الدرامي، والتشظي النفسي”(30).وهذا الصراع الدرامي يمكن رصده من خلال وعي الشاعر بحركة الزمن في نصه.

ينهض الزمن بتجلياته في النص كإطار دلالي يجعل القارئ مشتبكا وفاعلا في إنتاج الدلالة؛ مما يثري الصراع الدينامي بين دلالة النص والزمن بأشكاله المتنوعة، بدءا من الزمن الذاتي والنفسي، ذلك أن  الزمن الذاتي هو ما يدفع الشاعر إلى خوض تجربته الشعرية، أما الزمن النفسي فهو كامن في طبقات النص، فثمة صراع بين الذات وتشظيها والزمن وحركته الدرامية.

وعلى هذا الأساس تكون التجربة الشعرية قائمة على أساس اختزال الزمن وتكثيفه في الإطار الذي يضعه الشاعر لقصائده كمفتتح للنصوص من ناحية وكبنية   تعبر عن  ظواهر الزمن وما تنتجه من فضاءات مفتوحة، ومتعددة المعنى والتأويل.

هل يعي الشعراء أن “الروح والزمان معا يكونان التاريخ العام، وما التاريخ بمعناه الأسمى إلا الروح، وهي تعرض نفسها في الزمان، كما تعرض ” الصورة” نفسها على هيئة الطبيعة في المكان . والزمان بهذا المعنى ليس بعد ذلك الزمان الفيزيائي الذي عرفناه من قبل على هيئة تخرج ذاتي وانفصال”؟(31).وهل ينعكس ذلك على تشكيلهم للزمن داخل متخيلهم الشعري؟

إن الذات الشاعرة غالبا ما تدخل صراعات مع مفردات الوجود وتواجهها، فيحدث صراع حتمي بين الزمن الذاتي والزمن النفسي والزمن التاريخي، بحيث يغدو النص الشعري منطلقا للخارج، لوصف حركية الزمن وعلاقته بثنائية الداخل والخارج.

تنهض سردية الزمن في النص لدى كرم عز الدين على الإطار الزمني الذي حدده لنصوصه منذ المازورة الأولى وحتى المازورة الخامسة والثلاثين والأخيرة، فالنصوص الشعرية الثرية هي تلك التي تدرك حركية الزمن وتحاول أن تصل لفلسفته الخاصة التي تنتج من صراع الذات مع ما هو خارج الذات؛ مما يجعل النص أكثر انفتاحا على الصراع الدرامي الناتج عن حركية الزمن.

يبدأ الزمن الإطار في النص منذ السادس من ديسمبر من العام 2018، وينتهي في السابع من أبريل في عام 2019، فما الذي يمثله هذا التاريخ بالنسبة للنص؟ هل يمثل زمنا سياسيا واجتماعيا يناسب ما طرحه الشاعر من قضايا فكرية وسياسية واجتماعية داخل متخيله الشعري؟ أم هو زمن يعبر عن تجربة الذات الشعرية الخاصة، فربما بدأت فيه العلاقة بينها وبين الحبيبة / الآخر(المازورة الأولى ـ السادسة مساءً ـ ٦ ديسمبر ٢٠١٨  م). وانتهت في ذات التوقيت(المازورة الأخيرة ـ الخامسة والثلاثون ـ الرابعة صباحا ـ ٧ أبريل ٢٠١٩ م).

بإدراك الباحثة لأهمية الزمن السياسي والاجتماعي لم تجد ما يشير إليه ذلك التحديد الزمني الدقيق، بتحديد اليوم والتاريخ والسنة والشهر والساعة. لذا تتصور الباحثة أن ذلك التحديد لبداية الزمن ونهايته إنما يشير إلى بداية علاقة الذات الشاعرة مع الآخر /الحبيبة، وهو ما تبرره متواليات القصائد التي تصور صراع الذات مع العالم.

يشتغل الشاعر على الزمن النفسي، حيث “الانتقال من الزمن المغلق للحدث إلى الزمن المشرع على الرؤية للصورة الشعرية .الفضاء العابر للنص وإشكالية فض الاشتباك بين المشهد بثقله الواقعي وبين اللغة المتفتحة على ذاكرتها .التقاط اللحظة المتوهجة وإدراجها في الحالة الشعرية لإخراج الصورة من رتابة المشهد إلى أبعادها المتمثلة في الدهشة المشوقة”(32).

في سردية من السرديات التي تصور قصة الحب التي استدعت ذلك التقسيم الإطاري للزمن بداية من اللقاء ونشأة قصة الحب وانتهاء بالفراق وانهيار قصة الحب، وفي سردية عنونها بـ “على حافة ديسمبر” نرى الشاعر يرصد الزمن النفسي الذي تعيشه الذات الشاعرة وكيف يعايش هذا الزمن النفسي ويعاني من صراعه القاسي على الذات:”

انتظرت ُ

وساعةُ حائطِنا تتلوَّى

من الوجَعِ المستمرِّ

وتبكي حنينًا كقلبي

وتمضي بطيئًا بطيئًا كطيفِك ِ

في كلِّ شبرٍ يروحُ ويأتي

ويرمي على رمشِ عينيَّ نورَكِ

حتى غَدا مثلَ نوَّارِ شمس ٍ

تعبَّدَ ثمَّ استحى وانطوى حَزَنًا

حينَ تبتعدين قليلاً قليلاً”.

الخاتمة

إن نصوص الشاعر تؤكد على وجود مغامرة شعرية نثرية، حيث يكتب نصوصه بعيدا عن آفاق العروض الخليلي الضيق متمسكا  بقدرة النثر على إقامة جدل جمالي وفكري مع المتخيل الشعري والعالم بعيدا عن زخرفات الشعرية القديمة وبلاغتها النمطية. فالمتخيل الشعري هنا يسعى إلى لملمة تشظي الذات في زمن انهارت فيه قيم اليقين وسيطرت قيم اللايقين، وما على الشاعر سوى الإنصات العميق للذات وهي تختبر الحياة وتصارعها من أجل وجود إنساني يتوافق مع تصورات هذه الذات عن الأنا والعالم؛ لذا يحتفي المتخيل الشعري بمعاني الوجع والفقد والتشظي والحلم والرغبة والمغامرة؛ لذا يتخلص الشاعر من الزخرفات اللغوية والمجاز القديم؛ مما يفتح أمام القارئ آفاقا للتأويل والتحليل وإعادة بناء الدلالة وإقامة تصوراته الخاصة عن جدلية الصراع بين الذات الشاعرة والعالم.

يتشكل مستوى التفاعل النصي في هذا الديوان مركباً وعلى محاور متعددة ، حيث يجيد الشاعر الإفادة من التعالق النصي بين نصوصه والنصوص الغائبة التي استجلبها من التراث الإنساني والقومي ومن الميراث الأدبي لبعض شعراء العربية، كما  يوظف الشاعر أكثر من نص في تفاعل وحوار ومجادلة في المتخيل الشعري لديوان “كلارنيت”.

وكما يعبر الشاعر الأمريكي عذرا باوند عن مفهوم الصورة الشعرية بأنها” تلك التي تقوم على تركيبة عقلية وعاطفية في لحظة من الزمن والصورة لا تنفصل عن اللغة لأنها انبثاق عن اللغة، ومعنى هذا أن الصورة لا تتقرر بمحض الصدفة بل تولد من جهد الشاعر الفنان على وفق انتقائية دقيقة تقررها الخصال الشخصية؛ لأنها عميقة الجذور في التجربة المحسوسة”(33). لذا تمكن كرم عز الدين من  اللعب بالزمن وتشكيل عوالم نصية مفارقة للميراث الشعري القديم، فالشاعر صاحب  الصورة الفنية الرؤيوية يستطيع أن يكون صوره التي تتسم بالحيوية والقدرة على التأثير في المتلقي.

إن الزمن النفسي في النص يعبر عن الواقع الميلودرامي الذي يُمَوْقِعُ تفاعلات الذات الشعرية، ويبني مساراتها الوجودية والتفاعلية مع الأنا والآخر.

لا يقيم كرم عز الدين  حدودا فاصلة نهائية بين الذات الشاعرة من جهة، والحياة من جهة أخرى، أي لا يعري حالة الاصطدام بما هو خارج الذات، بل تسعى الذات الشاعرة إلى “إقامة صلح دائم وانسجام بين الروح والعالم، إذ ليس هناك، في حدس الشاعر، فاصل أساسي بين العالم الذي نراه والعالم والآخر”(34).

إن القلق الوجودي الذي يسيطر على الذات الشاعرة في النص يسهم في تشكيل المتخيل الشعري بوصفه شكلا”مـــن أشكال ترميز هذا الوجود وتكثيفه”(35).ويتجلى ذلك في موقف الشاعر من العالم بوعي أو بلا وعي، ينكشف اللاوعي في بناء متخيل شعري يبدو غامضا، لكنه ينطلق من مناطق كامنة في لاوعي النص، كما هي كامنة في لاوعي الشاعر، وتعبر الصور الشعرية عن تلك المناطق اللاواعية، سواء في الحلم أو في الواقع الضبابي، وبما أن”الصورة هي المنطقة الإيحائية الشعرية المشعة التي توجه المتلقي عاطفيا وشعوريا بالإقناع النفسي والعقلي”(36).

المراجع

1ـ بول ريکور ، النص والتأويل، مجلة العرب والفکر العالمي عدد3، 1998م،ص37.

2ـ جوليا کريستيفا، علم النص، ت: فريد الزاهي، مراجعة عبد الجليل ناظم، دار توبقال للنشر، المغرب طبعة أولي، 1991

3ـ رولان بارت، من العمل إلى النص،ضمن كتاب آفاق التناصية،مجموعة من المؤلفين، تقديم  محمد خير البقاعي، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1998ص13.

4 – أسمية درويش، مسار التحولات، قراءة في شعر أدونيس، دار الآداب، بيروت: ، ط1، 1992م، ص58.

5ـ عاطف جودة، النص الشعري ومشكلات التفسير، الشركة المصرية العالمية للنشر،القاهرة، ط1، 1996م، ص95.

6ـ  عبد العزيز موافي : الرؤية والعبارة، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة ، 2008م ، ص348.

7ـ جوليا كريستفيا : علم النص، مرجع سابق، ص9.

8ـ تزفيتان تودوروف، في أصول الخطاب النقدي ،ترجمة المديني ، دار الشئون الثقافية العامة، بغداد 1987م،ص108.

9ـ صلاح فصل : بلاغة الخطاب وعلم النص، عالم المعرفة، الكويت، 1644، ص137.

10ـ لسان العرب: دار المعارف بمصر / ج6 مادة ” ن ص ص”.

11ـ سيزا قاسم ونصر حامد أبو زيد”إشراف”: أنظمة العلاقات في اللغة والأدب والثقافة، شركة دار إلياس، القاهرة، الدار البيضاء، ط2 1986، ص18.

12ـ جيرار جينيت، مدخل لجامع النص، ترجمة عبد الرحمن أيوب ،دار طوبقال ، المغرب،  1986،ص92.

13ـ محمد عناني، المصطلحات الأدبية الحديثة، الشركة العالمية للنشر، لونجمان، 2003،ص44.

14ـ سعيد يقطين، انفتاح النص الروائي، النص والسياق، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء/ بيروت، ط2، 2001، ص 96-97.

[2]- 15ـ سعيد يقطين، من النص إلى النص المترابط: مدخل إلى جمال اٌت الإبداع التفاعل، المركز الثقافي العربي، بيروت / الدار البيضاء، ط 1، 2005, ص95

16ـ جيرار جينيت، مدخل لجامع النص، مرجع سابق،ص81.

17ـ حسن ناظم، مفاهيم الشعرية ،دراسة مقارنة في الأصول والمنهج والمفاهيم، المركز الثقافي العربي، بيروت،لبنان،الدار البيضاء،المغرب،ط1،1994،ص33.

18ـ انظر: محمد شاهين، الأدب والأسطورة،المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ط1، 1996م، ص31.

19ـ نظرية موت المؤلف، تذهب إلى عزل المؤلف تماما عند النظر إلى بنية النص وفضاءاته. انظر: كمال أبو ديب، جدلية الخفاء و التجلي،: دار العلم للملايين، بيروت،ط3، 1984م.

أما نظرية التلقي فهي نظرية تهتم بالقارئ، وما يكونه من رؤى وتصورات حول النص، بعيدا عن كيان النص نفسه، أو حضور المؤلف، باعتبار القارئ هو الركيزة المقصودة لمحاورة النص، و الدخول في عوالمه، و يتحول فعل التلقي إلى بنية نصية أخرى، نستطيع أن ندركها عبر المكاشفة و التأويل و “عند قراءة تراثنا النقدي و البلاغي بفرضيات حديثة ينبغي أن يراعي خصوصية هذا التراث؛ لأنه نتاج واقع اجتماعي وحضاري وثقافي متميز، وهذا بدوره يؤدي إلى مسلمة مفادها عدم توقع التطابق الكربوني بين هذه الفرضيات و المعطيات التراثية . فالمنهج الجديد كما يرى ياوس – أحد أقطاب نظرية التلقي – لا يسقط من السماء، ولكن له جذور في التاريخ”. انظر: شعبان عبد الحكيم محمد، نظرية التلقي في تراثنا النقدي والبلاغي، دسوق: دار العلم والإيمان للنشر والتوزيع، ط1، 2009م، ص7.

20ـ تزفيتان تودروف،ميخائيل  باختين، المبدأ الحواري، ترجمة فخري صالح، ط الهيئة العامة لقصور الثقافة،القاهرة، سلسلة آفاق الكتابة،  رقم 14 سنة 1996، ص27.

21ـ محمد مندور، النقد المنهجي عند العرب،دار نهضة مصر، القاهرة،د.ت،ص402.

22ـ جابر عصفور : ذاكرة الشعر، مكتبة الأسرة، الهيئة العامة للكتاب،القاهرة، 2002م ، ص 38.

23ـ علي جعفر العلاق، في حداثة النص الشعري، دار فضاءات، عمان، ط3، 2013، ص5.

24ـ المختار حسني، أطراس، مجلة فكر ونقد، المغرب، ع16، فبراير 1999،ص33.

25، المرجع سابق، ص33.

26ـ عبد الرحمن القعود : الإبهام في شعر الحداثة ، عالم المعرفة ، الكويت 2002، ص25

27ـ عبد القادر الغزالي، قصيدة النثر العربية، الأسس النظرية والبنيات النصية، ط1، مطبعة تريفة، بركان، 2007، ص353.

28 ـ عبد العزيز موافي، تحولات الشعر العربي المعاصر، مجلة علامات في النقد، مج 18،ج 70، نوفمبر 2010، ص: 168

29 ـ رشيد الخديري، المعنى الشعري، الأفق الجمالي وشعريات الرؤى، ط1، كتاب الرافد، العدد 126، الشارقة، الإمارات العربية المتحدة، 2016، ص: 82

30ـ بهاء نوار، الكتابة وهاجس التجاوز، ط1، فضاءات للنشر والتوزيع، عمان، الأردن، 2012، ص: 217

31 ـ عبد الرحمن بدوي، الزمان الوجودي، (بيروت: دار الثقافة، ط1، 1973م، ص21.

32 ـ جهاد الترك، مقاربات مبتكرة في اللغة، والمشهد لثلاث مجموعات شعرية جديدة من الزمن المغلق للحدث إلى الصورة العابرة للنصوص، مجلة المستقبلwww.almustagbal.com

33ـ عطاف سالم، أبعاد الصورة الشعرية في قصيدة (النسر) لعمر أبي ريشة، منتدى القصيدة العربية www.a/qaseda.net.

34ـ أدونيس، سياسة الشعر، ط1، دار الآداب، بيروت، لبنان، 1975، ص:32.

35 ـ أحمد الطريس أعراب، الرؤية والفن في الشعر العربي الحديث بالمغرب، ط1، المؤسسة الحديثة للنشر والتوزيع ، الدار البيضاء، 1987، ص: 5

36ـ محمد الديهاجي، الخيال وشعريات المتخيل، ط1، كتاب المجلة العربية، العدد 226، الرياض، السعودية،1436، ص: 61.

المصادر

كرم عز الدين ـ ديوان كلارنيت ـ تحت الطبع ـ  إصدارات بيت الشعر بالأقصر

موضوعات متعلقة

بلاغة التفاعلات النصية في المتخيل الشعري (1)

بلاغة التفاعلات النصية في المتخيل الشعري (2)

بلاغة التفاعلات النصية في المتخيل الشعري (3)

بلاغة التفاعلات النصية في المتخيل الشعري (4)

 

شارك المقالة عبر

تعليقات القراء

أضف تعليق

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تابع صفحتنا على فيسبوك

لأحدث أخبار فعاليات وندوات بيت الشعر بالأقصر

أحدث أنشطة البيت

أحدث المقالات

شعراء البيت

إنضم الى القائمة البريدية

إشترك في القائمة البريدية لبيت الشعر بالأقصر لتصلك أحدث الأخبار و المقالات عبر البريد الإلكتروني

الكلمات الدلالية الأكثر بحثا

spot_img