بلاغة التفاعلات النصية في المتخيل الشعري (1)

د. هويدا صالح

لكل نص شعري رؤى جمالية وعوالم تخييلية تنهض من وعي الشاعر الخاص باللغة الشعرية وخصوصية النص الشعري من ناحية ومن ناحية أخرى من قدرة الشاعر على تصوير صراع الذات الشاعرة مع العالم والأشياء والرؤى الفكرية التي ينبني عليها هذا العالم؛ وهذا ما تتيحه التفاعلات النصية التي تقيمها النصوص الغائبة في الفضاء النصي، لذا ثمة وشائج وارتباطات بين الرؤى الجمالية والرؤى الثقافية التي تكوّن العوالم النصية لدى الشاعر؛وتمنح متخيله الشعري خصوصيته وبلاغته. ومما يتيح للشاعر أن يكوّن صوره الشعرية في متخيله الشعري.

وتتداخل التفاعلات النصية في تعالقها وحركتها الدرامية  في تكوين المتخيل الشعري، عن طريق الإفادة من طاقات اللغة في خلق صور شعرية لها بلاغتها الخاصة، حيث يتجلى تشظي الذات الشاعرة من خلال صراعها مع العالم.ويعمد الشاعر إلى بناء معجم لغوي يكشف عن هذا الصراع ، كما يكشف تشظي الذات.

ينتمي مفهوم”التفاعل النصي” و”النص الغائب” إلى حقل الدراسات النصية الحديثة (text logy   ) مستفيدة من دراسات لرولان بارت وجوليا كرستيفا وتزفيتان تودروف وبول ريكور ويوري لوتمان وغيرهم  من الذين اتخذوا من النص بؤرة للدراسات النقدية. وقد تركزت جهودهم حول نظرية للنص الأدبي بهدف الاشتغال عليه واستنطاقه ومعرفة مقولاته وخطاباته الجمالية والثقافية. وقد عُرّف النص بأنه:” کل خطاب ثم تثبيته بواسطة الکتابة.”(1).

كذلك عرفته  “جوليا کريستيفا” تعريفا شاملا، حيث ترى أن” النص بأنه جهاز نقل لساني يعيد توزيع نظام اللغة واضحاً الحديث التواصلي؛ نقصد المعلومات المباشرة في علاقة مع ملفوظات مختلفة سابقة أو متزامنة”(2).

ويرتبط بمفهوم النص مفاهيم عدة منها التناص والنصوص الغائبة والتفاعلات النصية والتعالق النصي وكلها مفاهيم تتحدث عن تداخل النصوص وانفتاحها على حقول معرفية عديدة، فلم يعد النص بنية لغوية مغلقة مثلما رأي البنيويون إنما هو تداخل وتفاعل للنصوص، حتى أن ميشيل فوكو يرى أنه ه لا يوجد تعبير  لا يفترض تعبيراً آخر ولا وجود لما يتولد من ذاته بل من تواجد أحداث متسلسلة ومتتابعة ومن توزيع وظائف الأدوار.

ولقد عانى مصطلح التناص في النقد العربي الحديث، حيث ترجم بعدة صيغ مختلفة منها : التناص والتناصية والنصوصية وتداخل النصوص والنص الغائب والنصوص المهاجرة وتضافر النصوص والنصوص الحالة والمزاحة والتفاعلات النصية والتعالق النصي وغيرها من المفاهيم التي تعتمد على البنية النصية وعلاقتها بالنصوص التي ترتحل إليها من حقول أخرى معرفية أخرى.

وحين تتداخل هذه النصوص مع النص الماثل فإن هذا لا يعني المحاكاة أو التضمين إنما تفاعل وجدل النصوص داخل النص الواحد،  بل قد يمنح النص  النصوص التي يتم الإفادة منها معنى وتفسيرات جديدة لم يكن من الممكن رؤيتها إلا من خلال التناص.

وأهم ما يميز تلك التفاعلات النصية هو” التحرك اللامحدود للمدلولات من خلال التحرك اللامحدود  للدال الذي يفلت بطاقة لا تحد، ولذا فهو غير قابل للانغلاق أو التمركز”(3).

كذلك يؤكد باختين أن “النص هو بنية قائمة على التداخل والتفاعل بين أصوات وأساليب وخطابات”(4)، وهذا التداخل يحدث حينما يحتشد النص بمجموعة من النصوص المصاحبة التي تُحدث تفاعلات نصية وتقيم جدلا داخل الفضاء النصي الشعري.

وهذه النصوص التي تقيم تفاعلات نصية تنهض على جملة من المؤثرات الثقافية التي تتقاطع وتتجادل لتقدم للقارئ الدلالة الكلية التي يستهدفها الشاعر، حيث “أن تفسير النص حوار نجرب من خلاله انصهار الآفاق والتحامها، وذلك أن أفق المعنى غير محدود، وانفتاح النص والمفسر كل منها على الآخر يؤسس العنصر البنيوي في اندماج الآفاق، وفي هذا الفهم الحواري نكتسب من جديد التصورات التي يستخدمها الآخر لأنها تصير متضمنة في إدراك المفسر.إننا إذ نفهم ما يطرح النص نسأل أنفسنا، وبذلك تتيح للمعنى أن يتفتح ويفصح عن إمكاناته”(5)

والتفاعلات النصية أو تداخل النصوص داخل المتخيل الشعري تُمكن الشاعر من الإفادة من جملة من النصوص التراثية والمعاصرة وكذلك تمكنه من الإفادة من الفنون المختلفة، حيث تتسع الرؤية حينما تتجادل هذه النصوص وتترافد في صناعة الدلالة التي يهدف إليها الشاعر.

وهذا التفاعل النصي في المتخيل الشعري ينهض على “الوظيفة الاسترجاعية” للغة التي تجعل الشاعر” التي تستعيد نصاً سابقأ ، لتعيد إنتاجه- مرة أخرى- داخل نص لاحق – وتهدف تلك العملية أساساً إلى استثمار الرصيد التاريخي والعاطفي للنص الأول، وهي في الغالب تتم بهدف توظيف النص السابق لتكليفه بدورٍ ما”(6).

وتلك  التفاعلات النصية  تصنع لوحة فسيفسائية من نصوص عديدة ودمجها في المتخيل الشعري وهذا ما أطلقت عليه جوليا  كريستيفا مصطلح ” التناص” فهي ترى أن :” كل نص يتشكَّل ” يُبْنَى” من فسيفساء من الاستشهادات. هو : امتصاص ” تَسَرُّب” أو تحويل لنصوص أخرى، وهو فسيفساء من نصوص أخرى أدخلت في النص بتقنيات أخرى”.(7).

ولا يقف التناص عند  جلب نص غائب في نص حاضر أو ماثل، بل:” إن التناص هو عمل تحويل وتمثيل عدة نصوص يقوم بها نص مركزي،يحتفظ بزيادة المعنى”(8).

وهذه التفاعلية النصية تقوم بدور هام في إنتاج معنى جديد من تفاعل نصوص غائبة(يتناص معها الشاعر ويستحضرها)  في النص الماثل(المتخيل الشعري) مما يحدث ” إنتاجية” بتعبير كرستيفا وتعني: أن الدلالة التي تنتج عن التقاء هذه النصوص وتفاعلها يصل إليها القارئ، فالنص ينتج دلالته عبر وعي القارئ بجدلية النصوص وتفاعلها، لكن  مفهوم ” النص” الذي تتناوله الدراسات العربية الحاليةـ مأخوذ من الثقافة الغربية بمعنى” القول المكتفي بذاته، المكتمل في دلالته” والذي تم تثبيته بواسطة الكتابة(9)، وهذا يخالف ما تقصده اللغة العربية من مفردة النص، حيث يرد في لسان العرب معنى النص هو ” الظهور وأقصى الشيء وغاياته”(10).

وترى سيزا قاسم أن النص هو ” نظام له خصوصيته ومقوماته، ولكنه ليس بمعزل عن غيره من الأنظمة الأخرى” (11).

وهناك مصطلحان يتقاطعان ويقتربان من مفهوم التفاعلات النصية هما : “جامع النص” و”النص المفتوح”، حيث يشير “جامع النص إلى النص العابر للأجناس، حيث يرى جينيت أنه “أخيرا أضع ضمن (التعالي النصي) علاقة التداخل التي تقرن النص بمختلف أنماط الخطاب ، ولنصطلح على المجموع ،حسبما يحتمه الموقف، ؛جامع النص؛ و ؛الجامع النصي؛ أو؛جامع النسج”(12).

والنص الجامع ـ بحسب جينيت ـ يشهد تداخلا ليس بين النصوص فقط، بل بين أجناس أدبية مختلفة من تاريخية وسردية وفلسفية وميثولوجية  وسواها من السرديات الكبرى والصغرى، وأتصور أن هذا الوعي بأهمية تداخل النصوص إنما نتج عن التحولات الاجتماعية الكبرى التي حدثت في أوربا ـ منشأ النظريات النقدية الحديثة ـ في الستينيات بعد التغيرات الأيديولوجية التي أحدثتها ثورة الطلاب في فرنسا عام 1968 وما بعدها من تحولات اجتماعية وسياسية استدعت بالضرورة تحولات كبرى في أشكال الكتابة الإبداعية من ناحية والفلسفات والنظريات النقدية من ناحية أخرى.

وجامع النص يراه جينيت أنه مجمع الشعرية في النص وملتقى التفاعل للإشارات الحرة، “فليس النص هو موضوع الشعرية، بل، جامع النص، أي مجموع الخصائص العامة المتعالية التي ينتمي إليها كل نص على حدة”(13).

وجامع النص لم يكن هو طرح جينيت الوحيد فيما يتعلق بالنصوص التي تتنافذ وتتداخل في فضاء نصي واحد، فقد ناقش جينيت مفهوم المتعاليات النصية (transcriptstext ) وهي

“كل ما يجعل نصاً يتعالق مع نصوص أخرى، بطريقة مباشرة أو ضمنية”(14). وهذا المصطلح  يتسع ” لمختلف العلاقات النصية التي ليس التناص سوى واحد منها، وبذلك يغدو التناص مفهوماً فرعياً يشكل مع باقي المفاهيم التي أدخلها جينيت أنواعاً وأشكالاً من المتعاليات النصية”(15).

.أما النص المفتوح، فهو “النص الذي ينفتح على كل احتمالات التفسير، أي أنه النص الذي يقبل كل تأويل محتمل”(16).

فهل يقترب مفهوم جامع النص مما يسميه تودروف بـ ” الخطاب الأدبي” فهو”الخطاب الأدبي نفسه كأصل مولد لعدد لا نهائي من النصوص”(17).والأعمال الأدبية تنبثق من الخطاب الأدبي، فهو ملتقاها النصي، ومانحها شعريتها.

إن التداخل بين هذه النصوص التي يجلبها الشاعر إلى متخيله الشعري تتحاور وتتجادل وتقيم في النهاية دلالة قد يقصدها الشاعر حين استجلب هذه النصوص إلى فضائه الشعري وقد لا يعي بها الشاعر إنما يتوصل إليها القارئ وهو يقرأ العلاقات بين النصوص المتفاعلة والمتجادلة في متخيل شعري واحد ويصل إلى دلالة نهائية تخصه هو وتخص وعيه بقراءة النصوص في تفاعلها.

موضوعات متعلقة:

بلاغة التفاعلات النصية في المتخيل الشعري (2)

بلاغة التفاعلات النصية في المتخيل الشعري (3)

بلاغة التفاعلات النصية في المتخيل الشعري (4)

بلاغة التفاعلات النصية في المتخيل الشعري (5)

 

شارك المقالة عبر

تعليقات القراء

أضف تعليق

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تابع صفحتنا على فيسبوك

لأحدث أخبار فعاليات وندوات بيت الشعر بالأقصر

أحدث أنشطة البيت

أحدث المقالات

شعراء البيت

إنضم الى القائمة البريدية

إشترك في القائمة البريدية لبيت الشعر بالأقصر لتصلك أحدث الأخبار و المقالات عبر البريد الإلكتروني

الكلمات الدلالية الأكثر بحثا

spot_img