بنية القصيدة العمودية المعاصرة

بنية القصيدة العمودية المعاصرة… بدايات الألفية الثالثة..دراسة في الرؤى والتشكيل

د. إكرامي فتحي

مر الشعر العربي – خاصة في عصرنا الحديث – بمتغيرات وتطورات عدة، بداية من “عصر النهضة”، وصولاً إلى تيارات الرومانسية، حتى بلغ المرحلة الفارقة بقوة في تاريخه مرحلة الشعر الحر أو الشعر التفعيلة، فهذه الحركة “تعد انعطافة شعرية لم يعرف الشعر العربي مثيلاً لها في مسيرته من قبلُ؛ ذلك أنه لم يتغير على مستوى المضمون فحسب، بل على مستوى الشكل أيضاً”.([1]) يتأكد هذا الحكم عبر عدد من المنطلقات، التي بلورت منجز هذه الحركة، سواء على مستوى “الغلبة الكمية التي أضحت تستأثر بها القصيدة الحرة، أم المساحة الواسعة التي أصبحت تحظى بها من رقعة شعرنا المنشور، بل أيضًا يعود كذلك إلى أن إمكانيات الشكل الجديد كانت من الوفرة والتنوُّع؛ بحيث سمحت للشاعر المعاصر باستغلال طاقاته التعبيرية والتصويرية والموسيقية في سخاء وحرية”.([2])

تلك المرحلة التي كانت تحولاً غير مسبوق في تاريخ الشعر العربي على مستوى الشكل والمضمون، ولعل أبرز ما قدمته ما كان من خروج محوري على موسيقى الشعر العربي فيما سبقها، أو ما عرف بأوزان الخليل، أو موسيقى القصيدة العمودية، ذلك الخروج الذي كان في أحد وجوهه إعلانًا بنزول القصيدة متحدة الوزن والقافية عن عرشها الذي استقر عليه عقودًا طويلة.

وقد مر على ميلاد قصيدة التفعيلة الآن ما يزيد عن نصف قرن منذ أن ارتادت نازك الملائكة مع مجايليها “بدر شاكر السياب، وصلاح عبد الصبور، وعبد الوهاب البياتي” وغيرهم هذا اللون الشعري مؤسسين له، فاتحين الباب لانطلاقة لم تتوقف حتى الآن، ومقدمين رؤى شعرية وتقنيات متعددة، تجعلنا نتساءل: هل كان ميلاد الشعر الحر وتسيده المشهد الشعري إيذانا بموت القصيدة العمودية واختفائها تمامًا؟ واقع الإبداع الشعري يجيب بالنفي؟ فلقد بقيت القصيدة العمودية، وظل بعض مبدعيها متمسكين بها. فما عن فاعلية “التأثير والتأثر” بوصفها الفاعلية الأكثر حضورًا في الشأن الإنساني عامة والأدبي منه على وجه الخصوص؛ هل هذا الجوار الذي دام ستة عقود حتى الآن بين الشكلين الحر والعمودي لم يترك أثرًا وتأثرًا من الأول الوليد في الثاني المتجذر؟

فليس معنى تسيد شكل أدبي المشهد الكتابي أن الأشكال الأخرى ليست جديرة بالالتفات النقدي، وإذا كان بعض الباحثين يدفعون عن حق “قصيدة النثر” في شريعة الوجود النقدي فإن أقصى اليمين الذي تمثله القصيدة العمودية هو الأجدر بهذا الحق الذي يمتلكه عبر تاريخ مديد من الحضور؛ حيث إن أن رفض شكل أدبي دون مبرر فني هو حكم إقصائي مستبد وسلطة لا يحق لدارس منصف امتلاكها. وذلك انطلاقًا من مقولة أ.أ ريتشاردز “إن الشعر كالحياة شيء واحد.. فهو في جوهره مادة واحدة متصلة، أو حلقة واحدة مستمرة، ومن الوجهة التاريخية هو عبارة عن حركة واحدة متصلة، أو حلقة من المظاهر المتكاملة المتتالية”([3]).

هذا رغم صدور بعض الأحكام العامة حول القصيدة العمودية المعاصرة، التي وصمت مبدعيها بأنهم “يرون الشعر كلامًا موزونًا مقفَّى، دون أن يعكس هذا الفهم إدراكًا مميزًا للواقع، ويمكن تصنيف جل تجاربهم في إطار الاسترجاع المقلِّد للسلف، ويعني ذلك أنها تجارب تعبر عن ردود أفعال مباشرة سطحية للأحداث، ولا ترى في الكلام الموزون المقفى سوى هيكل موسيقي تتحدد به الشاعرية، ويُخْرِج ما عداه من الشعر، دون أن يكون لها ثقل تجارب السلف الوجودية المعروفة”.([4])

فمثل هذا الحكم يتسم بالعمومية فضلاً عن مخالفة الواقع الشعري، فلا شك أن قصيدة التفعيلة استطاعت أن تحقق خطوات كبيرة في مدارج التطور، وابتعدت بشدة عما كان من نظيرتها العمودية، لكن ليس معنى هذا على مستوى الدراسة الحالية تبنِّي موقف الإهمال التام للقصيدة العمودية؛ حيث إن لها حضورًا نصيًا واضحًا، كذا لها رؤيتها الخاصة على مستوى البحث الحالي، وهي رؤية – وإن اتسمت بالمخالفة – جديرة بالرصد، من باب تقديم صورة أكثر شمولية لواقع الظاهرة في الفترة الزمنية المحددة.

* * * * *

هذا على مستوى العام، أما على المستوى الخاص فقد قدم لي “بيت الشعر بالأقصر” مشكورًا ثمانية دواوين لمجموعة متميزة من الشعراء  الشباب يمثلون ثماني محافظات مصرية مختلفة لكتابة دراسة نقدية عن ملمح من ملامح تلك التجارب الشعرية. ومع محدودية مساحة النشر كانت حتمية اختيار ظاهرة مفردة جديرة بالدراسة، وقد لحظت حضور القصيدة العمودية في خمسة دواوين من هذه المجموعات الشعرية الثمانية، وهذا الحضور الكمي يتسم بسمتين تجعله جديرا ومناسبة للدرس هنا، هو التميز ومحدودية الكم. وكان هذا الحضور متفاوتة في عدد  القصائد على النحو التالي:

الشاعر والديوان القصائد العمودية
محمود شريف: دم على شفة الناي 12
يوسف عابد: رحيل إلى المجاز 8
محمد طايل: انطلاق النور 4
يونس أبو سبع: أعتاب العودة 3
روضة شاهين: قصائد 1

وثمة عدد من التساؤلات تحدو هذه الدراسة منذ بدايتها، منها: ما طبيعة البنية الفنية التي جاءت عليها هذه القصائد العمودية؟ وما الرؤى التي انشغل بتقديمها الشاعر عبر الشكل العمودي في وقتنا الراهن، بدايات الألفية الثالثة؟ وهل كانت الأدوات التشكيلية التي جاءت من خلال هذه القصائد متماثلة أم مخالفة لنظيرتها التي صاحبت هذه القصيدة في تاريخها الطويل الذي يربو على خمسة عشر قرنًا؟ في ضوء هذه التساؤلات وغيرها جاءت هذه الدراسة على هذا النحو

* * * * *

* الرؤى الشعرية في القصيدة العمودية المعاصرة

لم يكن الشعر يومًا من الأيام بمعزل عما أو عمن حوله، بل كان شديد الصلة بكل الدوائر المحيطة به، بدءًا بمبدعه وصولاً إلى العالم فالكون؛ وذلك نابع من عمق المخزون الثقافي لدى الشاعر عامة؛ من ثم كانت القصيدة المعاصرة حقلاً ثريًا بالكثير من الرؤى الموجَّهة إلى العالم المعاصر، تلك الرؤى قد توزعت بداهة عبر الثنائية الشهيرة: الأنا والآخر، بحيث يأتي التساؤل بأيهما كان الشاعر المعاصر أكثر انشغالاً: بالآخر أو العالم الخارجي المحيط به، أم الأنا أو الذات، يُسْتَكشف كنهها ويُعَبَّر عن دواخلها؟ وأي أشكال هذه الأنا المتعددة الصور؟

وهذه الثنائية “الأنا/ الآخر” شديدة الحضور في عالمنا المعاصر، وهي أكثر حضورًا في جانبه الشعري، فقد نشأ الشعر الحر أو الجديد كما رأى شكري عياد “في ظل مجموعة من الثنائيات…: ثنائية التقدم الشامل أو الدمار العالمي، ثنائية الأخوة الإنسانية أو الاستغلال البشع، ثنائية القومية والعالمية، ثنائية الحرب والسلام، ثنائية الغنى والفقر… ونستطيع بشيء من التأمل أن نُرْجِع هذه الثنائيات، ما ذكرناه وما لم نذكره، إلى أصل واحد، وهو ثنائية الأنا والآخر، أو الذات والعالم، وهي الثنائية التي تكمن وراءها المدارس الفكرية المعاصرة على اختلافها”.([5])

وتجدر الإشارة هنا إلى أنه لا تَعْنِي دراسة الرؤى التي تناولها الشاعر المعاصر عبر استلهامه نظيره القديم – الوقوع في مزلق التعامل مع النص الشعري بوصفه وثيقة فكرية، بل تعني محاولة قراءة النص الشعري قراءة صارت نابعة في المقام الأول من قارئها لا مقصدية مبدعها، حيث تجاوزَ الشعرُ المعاصر بحداثته تلك الرؤيةَ الواضحة المباشرة، التي تُقدِّم وجهها ظاهرًا لا خفاء فيه، وصار الشعر ضربًا من المعاني التي تتنوَّع بتنوُّع قُرّائها؛ من ثم تصبح أي محاولة لقراءة هذا الشعر رؤيةً خاصة بقارئها، لا تفسيرًا واحدًا لا ثاني له لما يقول الشاعر. لا سيما مع تعقُّد الرؤية الشعرية الحداثية، وعمق مخزون الشاعر الثقافي، ذلك المخزون الذي يسترب إلى نسيج الشعر غير واضح المعالم.

هذا فضلاً عن أهمية الموضوع الشعري في القصيدة المعاصرة، خاصة مع شدة ارتباطها بالجانب الفكري، وهو ما يتأكد من خلال رؤية الشعراء المعاصرين العميقة للعلاقة الحميمة بين الشعر والفكر، فهم بداية “لم يفصلوا بين الشعر والفكر، القلب والعقل؛ لأن الشعر عندهم كشف للحقائق وبحث عن المجهول…”([6])، وذلك في إطار من بنائية التكامل بين الفني والفكري في الشعر، وهذا ما يتبلور بقوة عبر رؤيتهم للوظيفة الشعرية؛ فقد “أكد رواد الشعر الحر أن للشعر وظيفته المتميزة عن الوظائف التي يقدمها العلم والفلسفة والدين، إنها وظيفة جمالية تمتاز بالشمولية والبقاء، ولها تأثيرها الكبير في الذات الإنسانية”.([7]) وهذا يوضح ثنائية الفكر والفن عبر الوظيفة الشعرية.

ومما يؤكد أهمية الموضوع في القصيدة المعاصرة ذلك الجانب الواقعي، الذي التصق بقوة بالقصيدة العربية منذ النصف الثاني من القرن العشرين، فالشاعر هنا “لا يبسط أمام سامعيه شئونه وشجونه، بل يتحدث إليهم عن قضايا عامة، مشتركة أساسًا، محملة بمواجع واحدة، يتعرف فيها على نفسه”.([8]).

إضافة إلى ذلك يعد تناول “الرؤية الشعرية” زاوية من زوايا تحليل القصيدة، وبخاصة مع ما تمثله هذه الرؤية من جزء – وليس كلاً – من البناء الشعري، فالرؤية لا تحمل قيمة فنية في ذاتها، وإنما تكتسبها بعد تحوُّلها إلى خيط في نسيج القصيدة. إنها مجرد عنصر من عناصر مختلفة؛ من ثم لا تستطيع أن تكون بذاتها قصيدة، “فالشعر ليس موضوعًا، وإنما هو نظرة إلى الموضوع ورؤية خاصة له واكتشاف دلالات جديدة فيه”([9])؛ لذا سيسعى التحليل هنا إلى الوقوف على رؤيته لهذا الموضوع، وكيفية تشكُّله الفني عبر أدوات القصيدة الجمالية.

وأخيرًا ليس معنى تناول تلك الرؤى أن الدراسة تدعي أن ما تراه هو بالقطع ما تعنيه القصيدة، بل هي مجرد محاولة للقراءة، فغير خفي على أحد “أن معنى القصيدة (إلا إذا كانت بسيطة بصورة استثنائية) مراوغ وغامض غالبًا؛ مما يوحي إيحاءً قويًا بأن ما تقوله القصيدة ليس بالضرورة ما تعنيه”([10]).

([1]) د. فاتح علاق: مفهوم الشعر عند رواد الشعر العربي الحر، اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 2000م، ص7.

([2]) د. محمد فتوح: واقع القصيدة العربية، دار المعارف، القاهرة، ط1، 1984م. ص51. وانظر ما بعده من تبرير لذلك: ص52-53. وانظر أيضاً محمد علي كندي: الرمز والقناع في الشعر العربي الحديث (السياب ونازك والبياتي)، دار الكتاب الجديد المتحدة، بيروت، ط1، 2003م، ص249-250.

([3]) أ.أ رتشاردز: مبادئ النقد الأدبي العلم والشعر، ترجمة محمد مصطفى بدوي، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، 2005م، ص69.

([4]) د. صلاح فاروق: تحولات القصيدة العربية، ص 42.

([5]) د. شكري عياد: أزمة الشعر المعاصر، أصدقاء الكتاب، القاهرة، ط1، 1998م، ص62.

([6]) د. فاتح علاق: مفهوم الشعر، ص120.

([7]) المرجع السابق، الصفحة نفسها.

([8]) شربل داغر: الشعرية العربية الحديثة تحليل نصي، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، ط1، 1988م، ص83.

([9]) د. فاتح علاق: مفهوم الشعر، ص 182.

([10]) ديفيد بشبندر: نظرية الأدب المعاصر وقراءة الشعر، ترجمة عبد المقصود عبد الكريم، الهيئة المصرية العامة للكتاب، مكتبة الأسرة، القاهرة، 2005م، ص17.

شارك المقالة عبر

تعليقات القراء

أضف تعليق

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تابع صفحتنا على فيسبوك

لأحدث أخبار فعاليات وندوات بيت الشعر بالأقصر

أحدث أنشطة البيت

أحدث المقالات

شعراء البيت

إنضم الى القائمة البريدية

إشترك في القائمة البريدية لبيت الشعر بالأقصر لتصلك أحدث الأخبار و المقالات عبر البريد الإلكتروني

الكلمات الدلالية الأكثر بحثا

spot_img