تجليات الشعر والموت فى قصائد جنوبية (2)

مسعود شومان

  • دال “النور” بين مواجهة الظلام والكشف

     إن القارئ لديوان “هلال ” سيجد انتشارا لدال “النور”، وما يتحلق حوله من مفردات وما يشعه من دلالات تتنعلق بالعطاء ، والفيض وقد تصل إلى نور الكشف والوصول إلى اختراق الحجب الأرضية لنرى الملمح الصوفى ممثلا فى النور حين يتجلى على المريدين ، كما سنرى النور بوصفه العنصر / الضد الذى يواجه كل قبح وظلام ، لذا سنرى النور متعالقا دوما بنقائضه وهما فى محاولة مواجهة مستمرة ، ولا يخفى على القارئ أن النور هنا يتعالق بالشعر أيضا وبقدرته على الكشف والوصول لرؤية الذات لوجودها، ولعل السياقات المقتطفة من الديوان ستكون فائضة على هذه القراءة إذا عايناها جميعا ، فالنور هو أول خيوط الرؤية التى تدخل الشاعر/ الولد فى التجربة ” هذا الحكي عن ولد  في النور.. هلت عليه التجربه قام بص”

إن النور ليس طيعا دوما وليس ممسوكا بالقلب كى يستخرجه الشاعر فى كل وقت، لكنه منحة من مانح النور لذا سنجد الشاعر يقف مبتهلا داعيا الله منحة العودة إلى طبيعته قبل أن يصل إلى قلقه الوجودى الذى قد يوصله للعدم، لأنه يعى أن “الطريق” قد لا يقوى عليه النور:    

امنحني طيارة رجوع 
لزمن ماقبل اللحظة دي
قبل الطريق الضلمة والنور العَصي

ويتناص الشاعر مع جملة أحمد فؤاد نجم الشهيرة ” صباح الخير على الورد اللى فتح فى جناين مصر” لنراه يكتب ” هنا الورد اللي نوَّر فجأة ف كعوب الليالي السود، ويعتمد الشاعر الثنائيات الضدية ليؤكد أن عالمين يصطرعان داخل القصيدة، لنرى (الطريق الضلمة # النور العصى – النور # الليالى السود – الغياب # الحضور).

إن حضور الأنثى برمزيتها يتسع ليشمل القصيدة و كل قيمة يسعى الشاعر لاقتناصها، وهى بمثابة المعجزة حين يُختلس النور الذى يجعله قادرا على الرؤية، ويتأكد ذلك بحضورها فى “كأن” التى تستدعى الأضداد من جديد (النور- الظلام):

  • يا ام الغياب / الحضور
    بتطلعي من فين 
    بشوفك المعجزة وقت اختلاس النور 
    وكإنك الضدين

إن الشاعر هنا يتجلى بوصفه صانع النور، لذا سنراه وهو يمارس فتل وقص العتمة ويجعل منها شيئا ماديا قادرا على التحكم فيه ، و تتجاوز الصورة هنا معنى الظلام الذى يحجب الرؤية ليصل إلى العتمة وهى درجة تمنع الرؤية أصلا خاصة أنها ترتبط هنا بالعدم الذى يمثل مصدرا جوهريا فى وجدها، ولا يوقف الفعل على مواجهة العتمة لكنه من يقف ليجعل النور يعبر إلى الحياة والناس ، حيث نرى صورة الأنا وهى تمنح “ختم” الجواز للنور، ورغم كاريكاتيرية الصورة إلا أنها تتساوق مع مفهوم المفارقة التى يتبناها الديوان على مستوى معظم القصائد ” أفتل وأقص العتمة من ضهر العدم .. وأختم جواز النور”

إن أمنيات الشاعر لا تتوقف عند مواجهة العتمة ومقاومة العدم ، لكنه يتمنى أن يكون مصدرا للنور، ويجعله مثل الماء يُشرب ” زير متعبى نور” ليكون “زيره / قلبه / كيانه” منذورا للأحبة، فالنور يليق بحبيبين والنور يليق بالشاعر، والارتواء من النور هو النذر الذى يتمناه حتى لا يعرف الظلام قلب الحبيبين :    

  • ياريتني زير

متعبِّي _ نور _

منذور لأي اتنين يحبّوا

يشربوني .. ماينطفوش

    ويستدعى النور بموسيقاه الجسور ليمهد الطريق أمام الذات ، هكذا سنرى النور وقد هيمن على سطور القصائد ، لكنه لم يبرح مكانه الدلالى ليصبح نغمة مكررة تتردد بين تضاعيف القصائد ، فالنور يأتى دوما مع مفرداته القريبة أو الضد ليعكس رؤية الشاعر التى ترى المفارقة بين عالمين متواجهين ، ويكفى لتأكيد ذلك الاستشهاد بعدد من سطور القصائد التى تعمق هذه الدلالات :   

  • أكيد راح ينفرد لك نور …

أكيد يا بو قلب صاحي جسور هتتعدلك السكَّه

  • في العتمة قلبي يثور .. تشربني نور أسمر

  •  نوري ساطع بين عيونك
    وإنتِ عينك قافله لكن حاويه نور

  • ودموعي الكتير دِيَّا ، ده مش علشان انا مغلوب
    فدا تعريف قديم للنور
    أخاف اطلع بأول دمعه  .. واتسرَّع
    تغيب الدهشه م الجمهور 

  • من سواد داكن بنطلق للنور
    وادور 
    زي اللي جسمه محركاه السما

زي عصفور يملك الطيران وسيلة

والوصول ..للعش غاية

بمسك التفاعيل ف يدّي .. لا قصيدة

إنما فكرة ..

تنوّر للي جايين بعدي ..فتقل الغواية

  • ل جين خزين الروح ابويا .. اللي ساب النور ف كفّي

للي مالت .. لما كان الكل ضدي

كات ف صفي

  • إرسموا المفاتيح ف اطراف الشفايف

أتركوا نوركم .. يسيل

يرشفه العابر .. ف ينجي

او يكون …

 سلمة نحو الهداية

  • وفي الأفراح بجرد نفسي من حزني واكون قدّك
    ولد ببراعة يخطف دمعه م الحيرة
    ويغمرها في كاس من ضي
    بغمِّز ضحكتك في الحزن ، واطلع حي

     

   إن الشعر والنور والحزن والحلم مفاتيح ديوان “هلال” للشاعر أحمد الجميلى، وكل مفردة لا تقف عند حدودها ، لكنها تشتبك جميعا صانعة “هلالا” شعريا يبدأ نوره فى البزوغ، نعم يبزغ حزينا ، لكنه لا يعدم النور الذى يكشف عن شاعر موهوب عليه أن يتخلص من الخلط بين التفاعيل أحيانا، وعدم الانسياق وراء صوت بعض المفردات التى تتشاكل لتستدعى بعضها بعضا لتحيل على ذهنية تأليفية، فضلا عن الاجتهاد فى ضبط التدوين الخاص بالنصوص ، فالتدوين لم يعد مجرد وسيط لتوثيق النص، لكنه أصبح جزءا من تشكيل القصيدة وحركتها فى فضاء الكتابة، كما أن تدوين بعض المفردات بشكل خاطئ قد يحدث لبسا فى قراءة النصوص على المستوى الدلالى والإيقاعى ، الأمر الذى سنشير إليه فى نهاية القراءة .

  • حامد عامر من الجموع إلى دلالات الشعر والموت

إن ديوان “أخر صلاه” للشاعر حامد عامر تهيمن على فصائده ثلاثة دوال ، ترتبط جميعها فى عقد واحد ، تتصل فيه هذه الدوال لتنتج شعرا منحازا للجموع وإن لم يهمل الذات فى علاقتها بالعالم ورؤيته ، كما يسعى إلى رسالة إيصالية فى عدد من القصائد تنحاز إلى الكلام بوصفه الفعل الجوهرى للشعر ، لذا سنتسمع فى كل قصيدة لأصداء التشاكلات الصوتية من موسيقى الشعر متمثلة فى الأوزان والسعى لاصطياد القوافى ، فضلا عن الاستدعاء الموسيقى الذى يجتذب المفردات وصويحباتها من آبار لغوية قريبة ليصل إلى جمهوره الذى يدرك أنه يكمن فى الناس (الغلابة – المقهورين – المهمشين )، أما الملمح الثانى فيتمثل فى دال الشعر وما يعكسه من مفاهيم وأطر توجه قصائد الديوان لتنضم إلى المتلقين من أبناء جماعته ، كما سنرى دال الموت مرتبطا ارتباطا وثيقا برؤية هذه الجماعة وحزنها المكتنز فى عبارات وجمل ومفردات هى ابنة للشجن المصرى الشفيف الذى يرى فى الموت وجودا جديدا للراحلين ، والديوان لا يتوقف عند هذه الملامح لكنها الأكثر إشعاعا على مدار الديوان لذا آثرنا أن نقصر قراءتنا له من خلال معاينتها.

  • جدل الذات والجموع

بداية من الإهداء يعلن حامد عامر عن وجهته “للناس والبيوت الطين فى بلدنا ” حيث انحياز الشاعر وتوجهه  للناس وأماكنهم الفقيرة والبسيطة فى آن واحد وبالتالى للذكريات المتعلقة بالناس والأماكن الحميمة التى عركتها الذات بوصفها مكمن الأمان ومصدر الفرح والألم ومصدر الشعر ومصدرة الأحزان حين تذكرنا ببصمات من رحلوا منها ، والقارئ للديوان بداية من أولى سطوره سيلمح روحا حزينة بين السطور تجرب الشعر بين الناس وفيهم ، فى هذا السياق  يبدأ حامد عامر ديوانه “أخر صلاه ” بموال خماسى أعرج يؤكد معرفته بقواعد الموال بداية من العتبة ؛ عتبة الموال وانتهاء برباط أو غطاء الموال الذى يصيد فيه حكمة النهاية المستلهمة من التعبير الشعبى “الغريق يتعلق بقشه”

عمرك سجاير زمن والقلب طفـــــايــه

يعصر دموع ضحكتك علي نص كبايه

الحزن غوط فيك والفرح ليه مُــــــــلاك

غرقان يا واد جواك والخـــلق قشـايــــه

والموال كما نرى يقدم إشارات إلى العمر والحزن وحالة القرف التى تعتمل فى الذات جراء ما يقع عليها من قهر ، لكنه يوجه رسالته مؤكدا أن المنفذ من هذه الحالة التى وصلت حد الغرق هو الخلق / الناس فهم بمثابة “القشة” التى يتعلق بها الغريق، والغرق هنا ليس غرقا فى بحار نعرفها لكنه الغرق فى بحار الحزن والوحدة ، والشاعر يراوح بين حلم الأنا بالتحقق و حلم الجموع الذين يمثل لهم بــ “الغلابه” / الناس، لذا فإن القارئ لديوان أخر صلاه سيلمح إيمانا بجماعته التى تنتمى طبقيا للفقراء واجتماعيا للمهمشين والمنسيين من أبناء الوطن ، ويتجلى ذلك فى سياقات وبنى القصائد، فضلا عن الاستلهامات التى تؤكد هذه الروح ،  فالقارىء للديوان  سيتأكد أن حامد عامر شاعر منحاز لهم أيديولوجى ، لكنه ليس الهم الكلى / الجمعى الذى كان سائدا فى قصائد الشعر فى الستينيات؛ ومن مشى فى ركاب قصائدهم ـ بل يصح أن نقول العنصر المؤطر لجماليات تجربة معظم شعراء الستينيات بوصفهم أبناء الأحلام الكبرى ، والانشغالات بالجموع، والهموم السياسية المرتبطة بفكرة القومية العربية ، وبعيدا عن الدخول فى قضايا إشكالية تقتضى نقاشا طويلا ، وجدلا واسعا حول تبعية الشعرى للسياسى ، وتآزرهما لتثبيت “المقولة”، كذلك حول “تقنيع” السياسى بالجمالى، أو ما يمكن تسميته بـ “تكنيك اللحية المستعارة” (3) نرى أن هم “أخر صلاه” يتخفى دوما فى سياقات شعرية، غير مستسلم تماما للشعار، ونرى أن الانحياز الأيديولوجى من أسباب تخلى قصيدة بعض شعراء الستينيات عن اصطياد الحس الإنسانى، حيث كانت تصورات بعضهم  ـ خاصة الذين تبعوا السياسى رافعين الشعار ـ  دوجمائية بكل ما كرست له من مقولات نحَّت الشعر جانبا لتستسلم للشعار، وجنبت الإنسان لصالح “المقولة”، ولم تكن هذه السمات عامة عند كل الشعراء، وكل الشعر آنذاك، ونرى أن جميع الشعراء الذين كتبوا قصائد عامية ـ منحازة لتصورات، أو أفكار أيديولوجية سادت انتصارا للسياسى على الشعر ـ كانت نظرتهم للبشر كتلية (العمال الفلاحين الناس الغلابه المقهورين الغلابه الفقراء)، هذا الانحياز الطبقى بالمفهوم السياسى ، لم يكن ليجعل الشاعر المدفوع ، والمندفع وراءه أن يميز بين عناصر هذه الجموع، بما لكل فرد فيها من خصوصيات ، وبما فى كل نموذج من نزوع نحو الفرادة فى المكان، أو فى الحلم، حتى لو كان هذا الحلم يمثل كابوسا للآخر، أو خروجا على أعراف الحلم الجمعى الذى ينطوى على تصور سياسى صدره السياق العام، وإذا كانت هذه الفترة /المرحلة قد انشغلت بهذا النوع من القصائد إلا أنها لم تكن خلوا من قصائد عظيمة ومهمة عند بعض شعرائها (4)

موضوعات متعلقة:

تجليات الشعر والموت فى قصائد جنوبية (1)

تجليات الشعر والموت فى قصائد جنوبية (3)

تجليات الشعر والموت فى قصائد جنوبية (4)

 

شارك المقالة عبر

تعليقات القراء

أضف تعليق

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تابع صفحتنا على فيسبوك

لأحدث أخبار فعاليات وندوات بيت الشعر بالأقصر

أحدث أنشطة البيت

أحدث المقالات

شعراء البيت

إنضم الى القائمة البريدية

إشترك في القائمة البريدية لبيت الشعر بالأقصر لتصلك أحدث الأخبار و المقالات عبر البريد الإلكتروني

الكلمات الدلالية الأكثر بحثا

spot_img