ثورة الغناء: غناء الثورة قراءة في أشعار بيت الشعر (2)

أ.د عباس قرشي دندراوي

(1) محمد إسماعيل

          من البدهي أن يضع “محمد إسماعيل ” نفسه بما اتسع تعبيره (أنا نفس /وما حولي رئات ) من دلالات ضافية ، ومن حقه علينا – نحن فيلق النقاد”- أن نبايعه صوتا تجلى على ترجيعه الشعر ، وشاعرا كلم القصيد تكليما ،حيث كتب أو كتب له الشعرُ – بلسان عربي مبين – ديوانا لافتا مدهشا ،مستحكم الرؤيا والرؤى التي نقشت على الألواح/ الشاعرية/ لِيُخرِجَ شعبه من حالة السكونية والموات والتشظي إلى الحركية والحياة والتحقق بما قدم من كل شيء موعظة وخطط لكل تغير فصلت تفصيلا .

           ومن الألمعية الثاقبة الماس والشعر معا أن يتناص “محمد إسماعيل” (وله فى اسمه أنصبة ) وسيرة النبي موسى بن عمران عليه السلام ورسالته والأرض التي تجلى الله فيها وكلمه فيها موسى عليه السلام تكليما ،وإن كانت سيناء أرض عبور لموسى ولكنها هي أرض محمد إسماعيل أو هو هي ، ومن ثم يتخذ الشاعر البدوي العارج ببراق محلية ألفاظه (سيناء – النخيل –زيت زيتونها – الثريد –البلح – الخيام – الجبال –التلال – الجمال – القوافل – الريح )إلى أن دنا إلى سدرة منتهى رسالته العالمية ، يتخذ من “سيناء” التى أبى الشاعر ألا يذكر معها اسم مكان آخر مفتتح ألواحه ومختتمها . وما بين المفتتح والمختتم نراها “أيكو” الجميلة أو ما صارت إليه “أيكو” وفق الأسطورة الأغريقية من مآس  على نحو ما هو معروف في أدبيات تلك الأسطورة .

          لم تكن تلك الرؤيا التي نقشها ذلك البدوي المحمل بالرمل والسعف الأخضر على ألواحه قاصرة على خصوصية المشهد : إنسانا ومكانا وزمانا إنما مجاز تتوحد فيه أقانيم (الانسان/المكان/الزمان) وتتعانق فيه الى درجة الذوب رسالة الشاعر وشاعرية النبي .

        كان من البدهي أن يقوم من يخشاه كل ” فرعون ” نقش لوحه الأول (الشتاء بسيناء /أصفر، أزرق /أبيض حينا وأسود  /لكنه ليس أخضر /نعرف هذا كما يعرف الرب أبناءه /والكواكب أقرب / والشمس فى الصبح  أقرب / والحب أقرب / لكن صاحبتى :بنت روحي / وأخت دمى فى النزيف / تغيب كعادتها ) ، ويختم لوحه السابع ، وقل فى تحديد الألواح بسبع ما شئت ، يختتمه ببوح ليس غضبان أسفا وإنما بوح اشتعل صدى نفر منه رعبا  ( سيناء تنزف / تاريخها يتبخر / في كف هذا الزمان الغريب// التي احترفت / فى البداية أن تنجب الأنبياء / استحالت رمادا / تسلَّم أعضاءها الطيبات / إلى العُقْم شيئا فشيئا …..)

       ونعتقد أن الشاعر لم يرد هذه النهاية البائسة لمشهد هذا الاصطدام ل” فتى وبلاد تخافان الضوء ” إنما أراد إحداث التأثير العكسي /الغناء / الثورة  ، ولم يرد أن يجعل ذروة معركة الشاعر مع الظلام ما يحدث لسيناء إنما يمتد الأمر مذ اتخذنا القرآن ونور الله مهجورا إلى وطنه (مصر)وأوطان أمته التي هي خير أمة أخرجت للناس فحولها الفراعين إلى غثاء أحوى سيان كان ذلك قبل 25/1 بقرون عديدة أم بعده .

        الغناء يتخذ في نهاية الألواح ما عبر عنه في ” النقش ” أنه الأمر “بالحرب” ، وقد أنزله الشعر حلم الضعفاء ، ذلك الحلم الذى أبكانا – نحن التماسيح –  وهو إثبات “مصريته ” أو ” إسلاميته ” أو ” إنسانيته ” لنجعله ب ” دون ” “جاعل في الأرض خليفة ” وقتلناه إنسانا ومكانا وزمانا ، وقتلنا حتى غرابه الذى يداري سوءة  كل فرعون وجنوده ( منذ أول أنشودة / وأنا فاشل في ممارسة الموت / وهو المراوغ إذ يتلفت مثل الثعالب / جاء الجنود بما فاض عن حاجة الموت  / كي يقتلوني / (وما زلت حيا ) / ثلاثين دبابة / والمدافع كانت تطل كأفعى / على ظهرها الصلب  / طائرتين كنسرين / ينتظران الفرائس في الجو / والجند قطن / وكنت أراقب من فوق زيتونة لا تميل / وأضحك / يهتز فرع فأضحك / يسقط قتلى فأضحك / يبصرني قاتل لا يجيد الرماية / أضحك !! / مر على الارض دهر / وما زالت الحال لا تتغير / جند يجيئون وجند يروحون / والموت هامش أرواحنا / وأنا فوق زيتونة /ما يزال الذين يغضون طرفا عن النور / ينتظرون هلاكي /  ولا يجرؤ الناس / أن يثبتوا للطبيعة مصريتي  ………………)

        ومن البداهة أن يترسم الفتى السيناوي أطوار خلق الغناء / الثورة ، حتى صار آية أخرى ، وقد خرجا من رحم “سيناء” إلى سيناء / الوجود كله ، فيفرد للغناء / الثورة تكوينا وملامح وملاحم أول نصوص ألواحه ” صوتي رئة للريح ” والريح التحقق / التعين /خلافة الإنسان على الأرض / الرمل ( تلوَّن وجهى بلون الرمال / وكفاي دوامة / ودمى يتخلله زيت زيتونها / وعلى كتفيَّ ينام النخيل / غنائي امتداد لمعزوفة الريح /  حين تمرر إصبعها الريح في وتر الرمل / تنتفض الكائنات غناء / وتثبت للآدميين بين الأصابع آلات عزف / هنا الأغنيات تسير على قدمين ………… )

       إن هذه ” الأغنيات التي تسير على قدمين ” لم يسطع أكثرها صبرا حين رأى أو سمع عن الموت حين يصير حياة ( عن العمر حين يجف) لكن هذا البدوي الذي تجلت عليه ” الرؤيا ” تحط على كتفيه الرياح / الرسالة / الشاعرية ( إذا أنهكتها المسافات كي تستريح ، فإن الرياح لها  رئة / سوف يتبعها الركض في البيد / سوف تجف على حلقها الأغنيات )، تحط الرياح على كتفيه لكي تتنفس صوته ليستعيد سيناء المحتلة مؤيدا بوصايا الجد الذي يخاطبه قائلا ( لا تبعدوا يا صغار السماء / اتبعوا النجم إن ضللتكم طريق / وخان خطاكم طريق / وعودوا إلى خيمة في الدماء / لكم في الخيام حياة / يحاصرها الطوب والتكنولوجيا )

       ولم لا يرينا المتحمل وحده نشيد الانشاد ” نزيف البلابل ” ؛ضجرا من رخاوة ذلك الغناء أو حقيقة هذا الغناء الباكي؛ داعيا أن يصلي الدرب لرب السما (لا إله القبائل ) وأن يصير الغناء حربا ضروسا :

                                   – أغنى لمن يا نزيف البلابلْ … وأبكي لمـــــــــــــــــن والضــــــــحية قاتلْ

                                  – وأعمى يقبّل جلاده … وصــــــــــــــــبح الحقيقة في الليل راحـــــــــــــــــــــــل

-ألم تكف هذى الدما لنضيء … ونحمل أجسادنا كالمشاعلْ

                                 – فَمُرُّوا على أرضنا واقلعونا … بلا رحمة  وازرعوها قنــــــــــــــــــــابلْ .

        ويقدم إلينا الشاعر وهو جوهر المكان / الزمان ، وهو غريب الأغنيات / الثورات حصاد الماء والتمر / تجليات الثورات / الغناء حقيقة أسطورية أو أسطورة حقيقية :

– هربت من المعنى البعيد مجازه …وجئت أسمى كل رمانة شعرا

–  وأزرع في قَلْبَيْ حبيبين نخلة … وأحصد من عينيهما الماء والتمرا

– وإني غريب الأغنيات ولهجتي … كبئر مياه عذبة لم تزل بكرا

– لأن الصحارى استوطنت في ضلوعنا … سيدخل موسى تيهه مرة أخرى

– ستعبرنا بالتكنولوجيا جماعةٌ … وتخرج لاتدري لأحلامنا سرا

– طفونا على التاريخ أغرب أمة … نعلمه السر أن يصنع الفجرا

– وأن يتمشى في تفاصيل روحنا … ويأخذ روح المستحيل بنا جسرا

– حفظنا السما عن ظهر قلب وفطرة … وكل بلاد الله لانت لنا مسرى

– مشينا على الإيقاع في دمع نبتة … رمتها رياح في نهاراتنا غدرا

– بقلب حوى في نبضه سِرَّ  وردةٍ … وإن لم يرَ المارون في دمه العطرا

      ولم ير المارون كنه دمه أو (العطرا )الذي حواه دمه ، ذلك الدم الذى سوف يراه العاشقون ويؤمنون به :

– وليس لي أن أقول الشعر في امرأة … أو أن أعلقها حسا بقافيتي

– سيؤمن الشعراء العاشقون على … فتات أسطورة بالله في لغتي

     أنه جوهر مفهوم الشعر / الرسالة عند ذللك النبي / الشاعر ، ذلك المفهوم الذى تتسع تجلياته كما وضع في نصه ” أغنية للرماد ” وللنار أغنية :

– أهجس للواقفين في لغتي … مروا بطيئا على دمي اتحدوا

– بظل أنشودة يمزقها …رجع الصدى والحنين والبلد

– كونوا ضحايا لمائها انطفئوا … كالشعر إن مس نزفه جسد

– بين ضلوعي كواكب نزفت … حيرتها فيَّ مالها عدد

– وإخوتي كلما رأوا قبا … من نورها في قصيدتي سجدوا

– مشتت كالسؤال غامضة … هواجسي كالضباب مستند

– على جدار المجاز منسكب … في روح أنشودة ومتقد

      وحده هو الشاعر المرسل بالشعر / النور / التغيير / الثورة  في أعصر الارتباك والفوضى الخلاقة !!  كما عبر عنها في مجاز خلاق في نصه ” أجئ حين أجئ ” :

– الأفق أسود والدرب انتهى وعلىَّ … الآن وحدى أن اجتازه وأضئْ

– وثم طائر اجتاح الفضا ضجرا .. من صمت أرواحنا بالأغنيات ملئْ

       وقد نراه كما قال في نصه ” فم يابس الصوت ” مرتبكا يتخبطه مس من الحيرة والكبت، فيكف عن الغناء

– قلبي كلام بلا معنى يدي خشبية فمي حجري يابس الصوتِ

-تحت الثرى أتمشى فوق جمجمتي الملقاة أهذى قليلا وأحتسي صمتي

– أحدث الجثث / الدود اللطيف / حجارة القبور إذا أحسست بالكبت ِ

– ولا أغنى فقد خليت حنجرتي … تشدو لبنت على الدنيا ” أنا أنت “

        وما يلبث أن يتعوذ من هذا الكبت لا ليغنى الثورة وإنما ثورة الغناء وآلياتها، وليس كما قدم سلفه خالد الثورة / الغناء أمل دنقل ” كعكة حجرية ” إنما ” أغنيات حجرية ” بوصفه العادي وبوصف أغنياته الحجر الذى يحقق حلم الناس ؛ الذي اغتصبه المحتلون الفراعنة وجنودهم:

– وسعت كل المدى وما وسعت … قلبي السماء ، الجبال ، والبشر

–  أنا ولا شيء حولىَ انكسر ال….كل وما ملت حينما انكسروا

– أرتل الروح أنثنى شغفا…. بالله أبكى أخف أنشطر

– أكون كالضوء أبتنى بدمى….. صرحا  وأهوى كأنني مطر

– يأيها الناس ما سكبت دمى … إلا لتعلوا به وتنتصروا

– على الغد المر والغموض على التاريخ إذ يطوي دمع من عبروا

على الأساطير وهى تنحت فينا لغة أغنياتها الحجر

       وهو ” أكثر من مرة ” حين يضيع دمه ولا يهتدى إلى طرقه يصرخ قائلا :

– ويا ضلوع اسحبي القصيدة من قلبي ويا أغنيات لا تثقي

في الناس أو في البلاد كل مساء انتهى مني يتبدى قلقي

         وهل كان لهذا ” القلق ”  ضياع بقية النص حتى ولو كان – فيما يبدو لنا – عجز البيت الأخضر من هذا النص ؟!

          ويتحول البكاء غناء في نصه ” البكاء على مقام المنسرح ” ، يرثي فيه من أعاد للمنسرح مقامه يقول مطلعها :

– وفتية في إيقاعك انسرحوا … لملم خطاهم واغفر إذا شطحوا

– هم نبتة الشعر اقبل غناءهمُ … فهم يغنون كلما جرحوا

       ويبين تواصل رسالة المغني / الثائر ( أبو همام ) مع بنيه ( سرب العيال ) المبشرين بالشعر/ الغناء/ الثورة

– وقل إذا  ما التقيت من سبقوا … في ضحكة يكسو وجهها المرح

– أعطيت ” سرب العيال ” رايتنا … وإنهم أَكْفَاء بما مُنِحوا

       هو في صدارة ” سرب العيال ” أو ” عيال الشعر ” كما عنون إحدى نصوصه ، وكان سيدنا (البدوي المحمل بالرمل والسعف الأخضر) رقيقا ومهذبا ومجاملا كاذبا حين قال أنهم أكفاء بما منحوا فلم يمنحوا سوى اللاشيء ومع ذلك قدَّمُوا ” الشيء ” وما ينبغي لنا، ورحم الله أجيالنا التي هداهم ” أَكِفّاء ” –بتشديد الفاء- إلى السفه  الهاوية حتى أعادنا من نرد إليه قوله :

– وأنت أنت حقيقي كقافية …تهادن الشمس حتى تفضح الفصحا

فهو أحد “عيال الشعر ” هؤلاء الذين قالوا لنا ورسالتهم وآلاتها في تقريرية

– جئنا نؤلف للوجود نشيده … ونخيط من ضحكاتنا أعلاما

– لا نشتكي للمظلمين ظلامهم … حسب الظلام بأن يكون ظلاما

– إنَّا عيال الشعر نزف حروفنا … عزف يراود باسمنا الأنساما

-لغة كأن الله رقَق رسمها … فترى الخلائق سجدا وقياما

– الله أنزلنا لنعمر أرضه … بقلوبنا ونرتب الأياما

– ونعيد فلسفة الوجود بدمعنا … حين استوى شعرا ومال غراما

       ولا يغرنك ما جاء من نظم في الأبيات السابقة فقد وسع ما قاله شأن نظرائه ” المجانين ” في مجازات خلاقة في بقية نصوصه التي لا نستطيع – في ضوء ما هو متاح لنا – تتبعا أو إبانة.

 

موضوعات متعلقة:

ثورة الغناء غناء الثورة قراءة في أشعار بيت الشعر (1)

ثورة الغناء: غناء الثورة قراءة في أشعار بيت الشعر (3)

شارك المقالة عبر

تعليقات القراء

أضف تعليق

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تابع صفحتنا على فيسبوك

لأحدث أخبار فعاليات وندوات بيت الشعر بالأقصر

أحدث أنشطة البيت

أحدث المقالات

شعراء البيت

إنضم الى القائمة البريدية

إشترك في القائمة البريدية لبيت الشعر بالأقصر لتصلك أحدث الأخبار و المقالات عبر البريد الإلكتروني

الكلمات الدلالية الأكثر بحثا

spot_img