ثورة الغناء: غناء الثورة قراءة في أشعار بيت الشعر (3)

أ.د. قرشي عباس دندراوي

حسن عامر

          أكتب بالدم الأسود هو الديوان الثاني للفتى الشاعر “حسن عامر”، ونعلم أن لديه ما يقيم غير هذين الديوانين، ونعلم- أيضا- أن الفتى ونظراءه يضربون بغنائهم المفتن فتساط آلاف من الضفادع والأوجه التي أرادت أن تصهل فنهقت فنفقت غير مأسوف عليها.

           قسم “حسن عامر” ديوانه إلى قسمين ، الأول منهما تحت عنوان ” أربعة فصول خضراء” ، وقد ضم أربعة قصائد، والثاني جعله تحت عنوان “من كتاب الوقت” وقد ضم اثنتي عشرة قصيدة ، وقد تصدر القسمين “نشيد” بوصفه مفتتحا للنصوص.

       وعنوان الديوان هو عنوان القصيدة الرابعة من القسم الأول أو هو الفصل الأخضر الرابع، وقد كانت نصوص الفصول الثلاثة (تكوين جديد- ما قاله الراعي- العارف بالسر) تمهيدا يتنامى إلى هذا الفصل الأخضر “أكتب بالدم الأسود” ، ولا عليك من مراوغة الشاعر من نعت الدم باللون الأسود، وهذا الدم هو الفصل الأخضر، فالكتابة /الغناء هنا، وعند أنداد “عامر” لا تعني إلا المقاومة والحراك الثوري واستكمال “الثورة الأبدية” على حد تعبيره وهو يختم قصيدته تلك :

نعم إنها الثورة الأبدية نكتب أسفارها بالدماء

        ونعت الدم باللون الأسود ليتماهى – تماما- المجاز بالحقيقة ، تلك الحقيقة التي لم يجد “عامر” بدا أن يذكّر أبناء الأرض بها من خلال الاقتباس الذي صدر به الديوان، أو هو يهدي فعله الثوري/ الغناء إلى أخيه الانسان بما اتسعت اللفظة عن دلالات وحدود.

         إن ديوان “عامر” نموذج لثورة الغناء / غناء الثورة بدء من كون الشعر مرادفا للثورة ومرورا بما يتحتم على هذا الشعر/ الثورة عن دور ضد ما آلت إليه ثورات الربيع وما آلت اليه الأوطان وإنسانها الذي أحبطه التفاؤل.

       من خلال النشيد واتكاء “عامر” على المفردات الأربعة (الفتاة- الأم- الأصحاب- سيدنا الحب) يتفجر الغناء / الثورة في تعبيرات – أرادها- تقريرية (…/ سوى تلك اللحظة سأغني/ وسأبصق في وجه التاريخ الكذاب / وأنضم إلى كل مظاهرة يشعلها الإنسان/ وأستودع كل الفقراء غنائي وبكائي).

      وهاهم أصحابه الشعب/ الطيبون/ الغريبون/ الأحباب(0 الأطهار/ قطاع الحرق الموصولة/ أبناء الطرق المجهولة/ عيال الليل/ سيل الصحراء/ خفراء الحلم/ أسياد العالم/…/../أفواه الأشياء/ سور الضعفاء/ صفاء الحرية/ أصابع شهداء الثورة في وجه العورة/ خوازيق الساسة والسلطة/ والبلطة في وجه الحكام الدمويين).

           من أجل الفتاة ، الأم، الأصحاب، وسيدنا الحب يتفجر الشاعر/ المتظاهر الثوري، ويتدفق لغم الغناء / الثورة، ويتبدى مشهد ليس فيه ثالث الحالين حيث يقول (وعلى أعراف المشهد أبناء/ معصمون من الحدث يغنون/ وقلبي قطعة موسيقى/ ودمائي نهر من عسل/ غافلت الجند، وحاذيت الشهداء/ فسبقوني للخلد بأغنية/ وجناحين من النور/ وبضعة أمتار من طلقة قناص/ وبوسعي مادام العالم يتبعني/ أن أَعْبُرَ بالناس إلى الناس/ خفافا من كل مجنزة/../ بوسعي أن أخرج حنجرتي/ وألوح لجميع الأحياء/ تعالوا/ سنغني).

 وفي النص الأول – من القسم الأول من الديوان ” وهو بعنوان “تكوين جديد” دعي الحب/ جوهر الذات الانسانية وحقيقتها فتاه الشاعر أن يكون مخلصا ورضيا، ليزداد اقترابا ويسمو تكوينا حتى يواجه ما يوجه إلى المفخخين بالغناء، ومن ثم أصبح منهم:

– ومشى على نصل الحقيقة شاعر                  حمل الأمانة مخلصا ورضيا

غنى فصالحت السماء طيورها                       وبكى فتوَّجه البكاء نبيا

يسقي إذا صدر الرعاء ويرتقي                      باسم الضعاف صليبه الخشبيا

هذا النشيد العذب قبل رصاصة                      ودم تفجر ساخنا وسخيا

ونراه وقد بشر بـما” قاله الراعي” ويبشرنا الراعي بما سيفعله ذلك المخلص:

– سيجيء من أقصى المحبة شاعر                  في قلبه كاف الندى والنون

– مستأنس بالأنبياء فكلما                               خان الحواريون ليس يخون

– يا إخوتي في الأرض ليس سوى فمي             وفمي له في المنصتين شئون

غنوا معي للريح وهي طليقة                         وثقوا معي في الحلم وهو ضنين

غنوا لأن يدا ستنعس في يد                            أخرى لئلا يذبل الليمون

           ويتكشف ذلك الشاعر /المخلص في النص الثالث، (العارف بالسر) ليسرد لنا شيئا من سيرته وما أنبأه السرُ بالسر:

– كبرت على صدر المواويل غنوة                ومازال في صوتي نشيد مؤجل

دمائي محبون استشاطوا صبابة                 ودمعي حمامات على الأيك تهدل

– وقال: لقد انبئت بالسر يافتى                 فسر باتجاه الناس إنك مرسل

وودعني قاب احتراقين ظامئا                       وفي النبع أستفتى الرمادَ وأسأل

       ومن هنا تبدأ رسالة الشاعر/ المخلص جلية وهو يكتبها لشعبه بالدم الأسود:

– مدادي دمي والصحاف السماء                وأكتب للسادة الفقراءْ

أقول لهم: ياسلالة جرحى                    ويا حارسي عزلة الصحراءْ

دنا وارد الحب ثم تدلى                     وليس على القلب إلا الوفاءْ

أضيئوا أناشيدكم واتبعوني                 فوجهتنا أن يطول الغناءْ

نعم أنها الثورة الأبدية                   نكتب أسفارها بالدماءْ

              إن قصائد هذا القسم ، وقد أرادها كلها عمودية تمثل نصا واحدا، أو رحلة الغناء الثورة من التكوين إلى كونه ثورة الغناء بامتداد الفصول الأربعة الخضراء أو بوصفها فصلا آخر ربيعيا فقط حتى وإن كتب بالدم الأسود.

            أما القسم الثاني، فقد أراد عامر أن تكون نصوصه من الشعر الحر، فهو إضاءات وحواشي تفسيرية وتفصيل متعمد لما جاء في القسم الأول بما سجله وقت الرسالة في كتابه من تبيان وبيان، فها هو ذا يخاطب السيدة الأولى/ الأرض التي يحبها ( من قبل أن يوحي إلى الشعراء/ أن الأرض يملكها الطغاة وراثة/…) بقوله (النجم تاجك، والزهور خيوط ثوبك، والطريق الدهر/ والأشهاد تنفخ روحها نايا/ ويبتدئ الغناء).

         والغناء حلم بأن تشبك هذه البلاد المستحيلة يدها في يده ليتعانق العشاق وتبقى الحياة جميلة، وقد يذكر  – قليلا- مع “عودة الغرباء” ( يعود الغريبون/ بعد اكتمال الحنين/ يعودون من حربهم خاسرين/ ../ يغنون ما يحفظون).

          غير أنه يواجه “أنبياء الهامش” الذين يخافون الضوء/ الغناء/ الثورة/ (ونحن أعضاء يطيرها الحنين/ وذكريات فاتها المستوطنون/ وما تبقى من غناء)، ومن ثم يخاطبهم لا واعظا علي جبل ماء وإنما ليعطي بشارة الفعل/ الغناء/ الثورة (من كل ذلك يارفاق الملح/ من زمن يمر على بقايانا مرور الحافلات/ ومن بلاد ألقمتنا ما يسد حنينا/…/حررنا حناجرنا/ وغنينا لكم ).

         ومن البدهي أن يردف ” حسن عامر ” السطر الأخير من نصه السابق (وغنينا لكم) بنص كامل عنوانه “أغنية للثوار” يكشف عن خصوصية ثورة الغناء وعن موقفه الجلي الصارم- مثل أكثر نظرائه- مما يحدث ( لمن البلاد اليوم؟ /للثوار للحرية/ لهتافنا المحشود ضد البندقية/ أطلق رصاصك أيها القناص/ في القلب أغنية ستولد حية/…/…/

        ولا يجد بأسا أن يرجَّع مع محبوبتهم المشتركة ” فيروز” غناءه مع غنائها بوصفها مدد نشيد إنشادهم ( سنقضي معا ما يشاء الظلام/ فغنى/ وغنى/ لأزعم أنَّ على أول الغيث…/ وغنى/ لكي يتمرد نهر على ضفتيه/ وغنى/ سينبت فوق الرصيف الرياحين/ وغنى/ سينعس أطفال قريتنا…/ وغنى/ لك المجد والوجد/ …/ إلى الآن أبناء روما يعدون صلبانهم للمسيح/ وللمرة الألف يذبح فرعون أبناءنا/…/ فغنى/ لكي تتوقف تلك المدافع/ لو لحظتين/ وغنى).

موضوعات متعلقة:

ثورة الغناء غناء الثورة قراءة في أشعار بيت الشعر (1)

ثورة الغناء: غناء الثورة قراءة في أشعار بيت الشعر (2)

 

 

 

شارك المقالة عبر

تعليقات القراء

أضف تعليق

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تابع صفحتنا على فيسبوك

لأحدث أخبار فعاليات وندوات بيت الشعر بالأقصر

أحدث أنشطة البيت

أحدث المقالات

شعراء البيت

إنضم الى القائمة البريدية

إشترك في القائمة البريدية لبيت الشعر بالأقصر لتصلك أحدث الأخبار و المقالات عبر البريد الإلكتروني

الكلمات الدلالية الأكثر بحثا

spot_img