ثورة الغناء: غناء الثورة قراءة في أشعار بيت الشعر (4)

أ.د. قرشي عباس دندراوي

 حاتم الأطير

      هو فتى شاعر يدرك  آليات إبداعه  و يدرك إبداعه قدرات صاحبه، و ندرك نحن كتائب  فيلق النقاد و ما تبقى من المتلقين ما يحدثه ذلك الإبداع المستعمر من إقرار بالتسليم المنتصر و ما وعدت به  الذوائق  من لذات و إدهاش و سمو و يتتبع الأطير – في كل نصوصه و فضاءاتها – حركية الشعر بوصفه مخلصا وهاديا، ينذر العاشقين /الطيبين /الغريبين ما آلوا إليه، و يبشرهم بما اتسع الغناء/ الثورة  بـ( أمة درية /ستعود من ظلمائها / تبني علي القمر المدلل مسجدا/ و تقول للناس السلام عليكمُ ).

       و يجعل الأطير نصه الأول “بنفسج و زبالة” و هو أحد روائع مجموعته، و أبرزها – و هو يتناص مع بناء بانت سعاد- حداثة ،و أدقها حبكا و سبكا، و أعلاها – أو يكاد – مجازا مجنحا ،و يجعل الأطير من هذا النص أيك نصوصه، أو ضفتي نصوصه تلك، بدءً من عنوانه الذي يحدث بالمفارقة صدمة تجبر المتلقي لأن يعرف هذين الضدين، وإن شئت الدقة أن يختار ما ينتصر منهما على الآخر، أو ما ينتصر هو إلى ما شرع وشرّ     ع.

         وتتبدى مراوغة الأطير وتحليقه في عنوان النص ( بنفسج وزبالة) من كونهما ضدين، وهما في الأصل واحد انقسم إلى اثنين وفق ما حدث للشاعر من إفاقة، وتبصره بالقلب/ الضمير/ الحتمية- مليا، من حالة البنفسج/ الشاعرية/ الحلم الثمل/ الأرض اليوتوبية/ إلى حالة البنفسجة المصرية/ الواقع/ الشاعرية الثورية/ الحلم المجاهد/ الأرض اليباب/.

– يا قلب حسبك من خمر المواويل                   كأس منورة في بهو جبريلِ

فوق البنفسج حيث العاشقون فوا                  نيس تراقصها ريح التراتيلِ

حيث الربابة ربانية وقطو                         ف الأنس دانية، والخلد يحلو لي

كان الفتى ثملا والكون كان يدا                  مبسوطة وفما في ثقب أرغولِ

كانت ترش ضحى فوق المدى وهوى                 من سرمدية فرقان وتنزيلِ

مذهولة شرب المسكي زمزمها                              مسكينة شربت من كف مذهول

   إن ما كان ينهل الشاعر منه ويعلل ما كان إلا شراب سراب وعلقم ملح أجاج:

– ياقلب حسبك من عار بنفسجة                  عطشانة أبدا في جنة النيلِ

فوق الزبالة حيث الجائعون سعا                   ل قد تزوَّد من ثملاء مأكولِ

حيث المدينة قد سار الظلام بها               سير البهيمة في غابات مجهولِ

غنيتُ فانتبه الحراس، أخرسني             أهل الرصاصة ، سادات العراقيلِ

       وقدم الشاعر طائفة متتالية من المفارقات الموجعة التي تدفع به إلى التغيير والتحرير، وما طفق أن يذكر ألفاظ الغناء الباكي إلى الغناء الشاكي إلى الغناء الذي إن شَكَّ شكَّ:

– كان الفتى قلقا والكون كان خرا                    فيا، وكان حمارا للأباطيلِ

كانت ملغمة بالفقر شاحبة                         كالصبر خائفة من أمنا الغولِ

– أراقص الأرض في عرس البنفسج أم                    أكلم الأرض زبالا لبرميلِ

– قد كان يوقد من فاس ومن فَرَسٍ                        الآن يشحذ من قال ومن قيلِ

والكاعب انطفئت ، غنى التراب لها                  “قل للمليحة في مسخ البناطيلِ”

– أريد أغنية للحب تصعد لي              باسم الشوارع لا باسم التفاعيلِ

– أريدها شبهي حرية ودما                     ترمي الزنازين من أحجار سجيلِ

         ومن البدهي أن يفرق لنا بين “الرجال الرجال والرجال الدمى”  وما يتحتم على الرجال الرجال / الأحبة/ الشعر/ هو وحده أن يواجه المغمورة قوانينهم الكذابة مصابيحهم.

– وكل سقاة الرعب دينا مجاملا                   ووحدي على دين الصراحة عاكف

أغني ولو كان الصليب معلقا                وأفتي ولو أن الخليفة عاصف

هو الشعر فاعلم أن قلبا مخلدا                  سيصغي إليه الضد والمتعاطف

لأن المدى ياخل سيد أمرها                         ستجني ثمار الفتح تلك الصحائف

          ويقدم الأطير نصا رائعا من خلال تناصه وسيرة بلال بن رباح هو ابن حمامة أيضا ( الليل يسطع يا حمامة/ والبلال الحر يرضع باسما/ في عينه السوداء نيل ناصع)

        والأطير / بلال يعلم أن ( لقمة جوعانة في دارنا يارب/ أبرك من مديح/ فخامة المنصور بالدم والحديد/ جلالة المهزوم في عين السما).

        ويقدم تقريره أو بيان ثورته منتصرا بـ ” المبعوث غوثا” فقد ( اختنق اليمام/ وألحد المصباح تحت المدفعية/ والمآذن فرتكتها الطائرات/ وأوجس القرآن فوق اللآفتات رتابة/ سقط الهلال من المدى/ والسنة انتصرت على نار الرواية/  والجماعة فتحت للخبز أبواب الحياة/ وبايعت / الجرح يكبر يا بلال /…/ ويقول أذن ، فالبلاد غريبة/ أمثالنا عبء على أمثالها)

          ويستمر الأطير في عروجه إلى مدارات التاريخ الإسلامي وشخوصه، فهو تارة عاشق من بخارى يتغنى وهو:

لم ينم مثقلا، أن حرية – ربها واسع ، ضمها واكتفى

           ولم لا نراه ” ماذا يدبر للرعية” وهو الخليفة، وحسبه الفتح المبارك في ضفائر الشيماء التي لم يكتشف أحد سواه مجازها، وهو ( حقيبة الشاعر/ ثقلت على كتف البلاد/ فخفف الطاغوت من ريحانها) وما الشيماء إلا (أمة درية ستعود من ظلماتها).

         ولم لا نراه مع ” مار جرجس” يتغنى أو حتى نراه ” ولدا طيبا وقيثارة ساذجة ” يستدرجانا شيئا فشيئا من ( تعادلوا إلى الفطرة الآدمية نمشي/ نغني جميعا على جبرها الرحب/ نفتح نافذة للسكينة ….) إلى أمره إيانا( اقترب / ضع يدك نهارية في يدي/ كي نضئ على مدخل العالم الحر أنشودة/ تستحي الحرب من طبلها والدماء).

 

شارك المقالة عبر

تعليقات القراء

أضف تعليق

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تابع صفحتنا على فيسبوك

لأحدث أخبار فعاليات وندوات بيت الشعر بالأقصر

أحدث أنشطة البيت

أحدث المقالات

شعراء البيت

إنضم الى القائمة البريدية

إشترك في القائمة البريدية لبيت الشعر بالأقصر لتصلك أحدث الأخبار و المقالات عبر البريد الإلكتروني

الكلمات الدلالية الأكثر بحثا

spot_img