ثورة الغناء: غناء الثورة قراءة في أشعار بيت الشعر (5)

أ.د. قرشي عباس دندراوي

أحمد جمال مدنى :

          أبى “أحمد جمال مدنى” شأن الكثيرين من أنداده ، إلا أن يوزع قريحته الشعرية : فصحى و عامية ، وكأنه آل على رسالته أن تُدْخِلَ غاويه والمتلقين بما عبّد من سبل ، وما شيده من نصوص أخاذة فاتنة مدهشة وهو لم يتجاوز العشرين عاما إلا قليلا .

          بين يدى مجموعة من قصائد ” مدنى ” الفصحى ، وهى مختارات مما أفاض به الشاعر علينا ، وكم من القصائد – كما تعلم حواسنا- لا تضمها تلك المجموعة ولا نعتقد أنها تتأخر عن تلك المختارات : رؤى وأبنية ، وقدرة تتنامى لأن يتبوأ ” مدنى ” مكانه المتقدم بين هؤلاء الشعراء المبشرين بالشعر ، فنحن إزاء فتى :

نوافــلُهُ في خـطوةٍ نحو معتم         وأحزانُهُ العشرونَ في سيرِهِ الفرْضُ

يطاولُ نجم َالأفْقِ ما ملَّ سَعْيَهُ        ويعلو إلى أن يلتقي خطْوَهُ الخفْضُ

         ولقد أراد ” مدنى ” أن يقدم تشكيلات مفاهيم ثورة الغناء / غناء الثورة في مفتتح مجموعته من خلال قصيدته ” مهيئا لأغنى ” حيث يمتزج ضميرا المتكلم والمتكلمين ، وكأنه هو أو كأنهم هم باستعراض أحوالهم ، وسياحاتهم ، وولادة البطل ، والمضي  في إتمام وصول الرسالة مهما كانت العراقيل ” المنسرحة ” فهم فتية تختلف هيئة وتكليفا :   

مُكَسَّرٌ كالزُّجَاجِ أَسْتَعِرُ              سَمَاؤنَا لا يَعْتَادُهَا قَمَرُ

ونَّاسُنَا _ في لِبَاسِنَا _سَهَرٌ            صَدِيقُنَا _ في مَعَاشِنَا _ سَفَرُ

قُلُوبُنَا ذِكْرَيَاتُهَا اشْتَعَلَتْ                وحَظُّنَا في أرْوَاحِنَا ضَجَرُ

لوْ جَنَّةٌ صَادَفَتْ مَسِيرَتَنَا                 نيرَانُنَا لا تُبْقِي ولا تَذَرُ

لوْ شُفْتَنَا، في تَكْوينِنَا عَجَبٌ                كَأنَّنَا لا جِنٌ ولا بَشَرُ

يزورُنَا مَوْتُنَا فَنَسْأَلُهُ                    هَلْ رَقَّ مَنْ في شَرْيَانِنَا عَبَروا؟؟

لمْ يَعْرفوا بالذي نُكَابِدُهُ                  كَيْفَ احْتَمَلْنا وكيْف َما شَعُروا؟؟

        ويفرق مدنى بين الذين أماتهم الموت والعَمَى والخوف والهزيمة وبين الذى موكل بإحياء الموتى والعميان ، وقد حشد مدنى كثيرا – في نصوصه – صفة المسيح في إحياء الموتى أو أطياف سيرة المسيح شأن أكثر نظرائه يقول مدنى متناصًا مع فعل المتنبي :

أنَا الذي لوْ رَمَوا هَزَائِمَهُمْ              في كَأسِهِ لا يَقُولُ ما الخَبَرُ

تَرَاهُمُ كالجَليدِ لي شَررٌ              قلوبُهُم لو رَأتْ سَتنْصَهرُ

لكنَّهمْ عُميٌ عنْ مشَاهَدَتي         هَلْ يُدْرِكُ الروحَ مرَّةً نَظَرُ؟

           وفى نصه ” تأويل لما يحدث ” وقد حدت به غواية إلزام ما لا يلزم ، وبحر الوافر هنا وازدحام التناصات الدينية الخاطفة إلى تداخل بعض الرؤى وتشظيها في فقرات النص السبعة ولم نتبين تأويل دلالة ذلك العدد إن كان قد أريد بها دلالة ما ، يقدمها بهذه الفقرة :

أتيتُ وليس َأمْلك ُفي يَديَّا .. سِوَى ما قدْ تَبقَّى منْ شظايا

ولمْ أجْعلْ له يَوْمًا سَميَّا .. ليحْكيه الذي يهْوى الحَكَايا

أزفُّ مَسَا ونورًا سَرْمَديَّا .. ومنْ ذا قد يزفهُمَا سوايا

ومنْ ذا قدْ يكونُ السَّامريَّا .. لأتْلوَ ما تَبَقَّى منْ وَصايا

سيأتي ألْفُ فرْعونٍ إليَّا .. ليبتاعوا بلا ثَمَنٍ عَصَايا

          وفى قصيدته ” بكائية الطين ” يترسم من خلال تناصات دينية من سيرة يعقوب ويوسف وعيسى عليهم السلام رحلة الشاعر / النبي الذى أوحي إليه وهو ” على بعد نصف حياة أو نصف عمر ”  وعذاباته في إيصال بكائه / غناه / ثورته / رسالته في تشكيل مجتمع شاعري وبسيطة فاضلة ( منعتُ عن القلبِ هذا الغناءَ / وروحي على سدرةِ الصمت ِظَلَّت ْتُغَنِّى / خذوا العمرَ منِّى / خذوا القولَ عنِّي َلا تأخذوا عن عذابي / مدينتُكم خاوية / عروشُ الملوكِ الطغاةِ / إذا سقطتْ تصنعون لأنفسِكمْ طاغية / وكلّ ُالمعالي إذا ارتفعتْ / في سماءِ البلادِ/ تصرون أن ترسلوها إلى الهاوية….) وما بين هذا بين ذاك تتبدى رسالة الشاعر في إقامة بيت فسيح ويتحد المجاز بالحقيقة ويصبح ” بيت الشعر ” مأوى للخيمة / الوجود / الحياة / ..والخيمة / الوجود أغنية الثورات / الرسالات ..”  أُرَتِّبَ بيتاً فسيحاً /  يَضُمُّ الأحبَّةَ والأصدقاءَ / المساكينَ / والشعراءَ يضيقُ عن الزَيْفِ / يؤمنُ بالحبِّ / يكفرُ بالمستحيلِ يَكْفلُ حُلْم َالرغيفِ / يُغَطِّى الرصيفَ بأغنيةٍ / كي ينامَ المساكينُ / يضمنُ للأغنياءِ السعادةَ / هناكَ سنكتبُ شعرًا / وفيًا صديقاً لنا / لا يهادنُ عرشَ الملوكِ / ولا ينحني في الشوارعِ/ نرسم ،أفْقَاً لأغنيةٍ تحتوينا / نُغَنِّى سوياً ” .

          ويخادعنا ” مدنى في نصه ” صعود إلى الهاوية ” “بوصف الجنوب” / الحضارة الريفية / البراءة الذى صدم بالمدينة التي فرحها الترح ، وما عناه الجنوبي / الشاعر النبي وأغنياته ثورة وتحريرا !!1

قد سَالَ ما سَالَ منْ دَمْعٍ إذا سَأَلوا      هلْ تُبْتَ بعْد َالذي عَانَيتَهُ؟؟كَلّا

كأنني قَلْعَةٌ والجيشُ يقصدُها          فحاصروني وجيشي حينها وَلَّى

      وقد فَصَّل بعد هذا المفتتح  الزاعق بديعا مفرطا عذابات الجنوبي الشاعر والمدينة  حيث (هناك ….ولا صدق إلا هناك – يغطى الحنين / البلاد وتخضر أنفاسنا / والمزامير كشدو / ترق الأغاني ويكسو البياض القلوب ) . وحيث والكلام على لسانه ( وأمشي وَحيدًا بقُرْبِ جِدَارٍ)

أُغَطِّي المَسَاكينَ في الطُّرُقَاتِ بأُغْنِيَةٍ / ليسَ أملكُ إلا الغناءْ …غطائي سَمَائي / وأُغْنِيَتي ما نَزَفْتُ” ….. حتى يصير الشاعر / النبي مخلص – بالفداء – شعبه ” خذوا ما تركت لكل الذى لم يذق / طعم هذا الخلود / إذا مت / لا تضعوا وردة فوق قبري / وباسمي / امنحوها إلى عاشقين /…./ وألقوا بها في سفينة من غادر الأرض حتى يعود / وحيد أنا تحت هذا الظلام / ومن غادر الأرض / ألف وحيد ” .

         وفى نصه ” على بعد دمعتين ” ومطلعه :

– لأى حزن تشد الرحلة الريح      عيناي مسبحة والدمع تسبيح .

   يبين لنا كيف ( الناي غنى بما أملت له الريح ) ليستعيد الحب / الحياة أو كما قال شوقي ” الحياة الحب والحب الحياة ” .

       وفى نص ” على نصل الحزن ” يقدم إلينا الشاعر/ النبي أطيافا من سيرته ومعاناته وآلامه الحمدانية الأسيرة الأثيرة نقتطف من النص تلك الأبيات :

–  سَلَتْنَا عيونُ الفَرْحِ واسْتَفْحَلَ الأَمْرُ                          ومَا عَادَ يُجْدِي في هَزَائِمِنَا الصَّبْرُ

أُسَطِّرُ في  قَاموسِ  حُزْني خَسَائري                              فَأُكْمِلُ سَطْرًا كي يُلاحِقَهُ سَطْرُ

أسيرُ على نَصْلٍ من الهَمّ ِوالأسى                          وعشْرين شَرْخًا قدْ تَرى لو يُرَى الصدْرُ

بَكيْنَا ولم ْتَمْسَحْ أَكفٌّ دموعَنَا                                 وأحْبَابُنا_ يا ناسُ_ غابوا ولا عُذْرُ

سنَجْلسُ يا أصحَابُ والوقْتُ يَنْقضي                      سنجلسُ فوقَ الجَمْرِ / أحْدَاقُنا الجَمْرُ

ونَرْقبُ ما قدْ صَارَوا الصمْتُ يَعْتَري                       إلى أنْ يجيءَ الوقْتُ كي يُكْتَبَ الشعْرُ

            وما قد وجد في جيب من له عشرون شرخا على الأرض ، أو في جيب ذلك الغريب / الشاعر / النبي لم يكن إلا مخطوطة قديمة ، أو سطورها :

يا قِبلَةً وحدي لها وَلَّيتُ       فرأيتُ سرَّ الوحي ثَمَّ رأيتُ

غَنَّيتُ باسمِكِ منذ أوَّلِ شهقَةٍ    للروحِ مُتَّسَعٌ  إذا غَنَّيتُ

         وقد فصلت المخطوطة سيرة الشاعر الجنوني وغناءه وثورته ورسالته ” في رحلة العمر البعيدة ” فنراه – والكلام على لسان الشاعر / النبي السارد 🙁أسندتُ رأسي فوقَ أُغْنيةٍ ونُحْتُ / رَسَمتُ للفقراءِ قصرًا / وانسَكَبْتُ بحُزْنِهم /ألقيتُ فَوقَ عَرَائهِمْ بَعْضَ الورودِ/ ولَحْنَ أغنيةٍ وغَنَّيْنا مَعَا)

       وما طفق الشاعر أن ينتصر للجنوب / البراءة ويغرد له قصيدة عنوانها ” هناك الجنوب ” منها تلك الأبيات :

نُغنّي لكلِّ المواعيدِ أن تَقبل َالسيرَ مِنَّا وألا تميلا

سنرجعُ يرمحُ فينا الجنوبُ البياضُ الذي لا نراه بخيلا

هناكَ سنرجع ُيا صاحبي كيف نرضى بهذي البلادِ بديلا

نُغني لأنفسِنا لو تضيقُ الظروفُ ولو كان هذا ثقيلا 

     وفى ” غرة البوح ” يلون لنا ملامح رسالته و الغناء الثورة ، وفيها يقول :

أنـا السمــاويُ أَرْضيــــونَ في دَمِهِ     سَتُحْجَبُ الشمْسُ لو أشْعَلْتُ مصْباحي

أتيتُ منْ رَحِـمِ الأحـزانِ مُتَّكئًا         على غنائي وهذا البَوْح ُمفتاحي

زرعْتُ في أرْضِ قلبي لحْنَ أغْنيةٍ       ولمْ أُصَفِّــقْ للـصٍّ أ ولـسَفَّـاحِ

أتيتُ والسنْبُلاتُ الخُضْرُ فوق َيدي     لأمنَح َالحرْبَ زيتوني وتفاحي

فقلتُ والأغْنياتُ البيض ُتحملُني      ودمْعَةٌ في يدي والدَّمْعُ فَضَّاحي

هذا الظلام ُالذي مازال َفي دَمِهِمْ      مهْما طَغى سوف يأْتينا بإصْباحِ

ويُثْمِرُ الوقْتُ_يا أصْحَابُ_ مَوعِدَنا    نمْضي بنورٍ على الأهْدابِ وَضَّاحِ

هذا سيحْدثُ لو جاءتْ وفي ثِقَةٍ      مالتْ على قلبيَ المتْبولِ بالرَّاحِ

قد يحدث هذا ، وهو قد قال عن نفسه ” مهيئا لأغنى ” وقد استوى – فيما نرى – عوده ،وَرَجَّع – في الحان – عوده ووافت في المواعيد وعوده .

 

 

شارك المقالة عبر

تعليقات القراء

أضف تعليق

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تابع صفحتنا على فيسبوك

لأحدث أخبار فعاليات وندوات بيت الشعر بالأقصر

أحدث أنشطة البيت

أحدث المقالات

شعراء البيت

إنضم الى القائمة البريدية

إشترك في القائمة البريدية لبيت الشعر بالأقصر لتصلك أحدث الأخبار و المقالات عبر البريد الإلكتروني

الكلمات الدلالية الأكثر بحثا

spot_img