ثورة الغناء: غناء الثورة قراءة في أشعار بيت الشعر (6)

أ.د. قرشي عباس دندراوي

محمد المتيم

           ستة نصوص لافتة ،مدهشة الرؤى ،محكمة البناء والبنى ،حتى وان امتزج فيها التقليدي بالحر في إيقاع خلاب ،ستة نصوص فقط هي التي شارك بها المتيم في قراءتنا تلك، ونعتقد أنها توقفنا أمام شاعر له مكانته المتقدمة بين شعراء(بيت الشعر) ونرى أنها كافية لأن نتتبع الأقانيم الثلاثة التي يدور حولها عنوان القراءة

         قَدَّم المتيم – في تلك النصوص الستة – لتكوين مولد الشاعر/ البطل / النبي أو رحلة وصوله الى الغوثية وما أحدثه في رسالته من ثورة الغناء /الشعر لا على نفسه وانعتاقه من ضلالات الغناء /شعر الآباء، وتبيان المفارقة بين ما قدموا (بيت عنكبوت) وما يقدم (عيال الشعر)من(بيت شَعْر) صنع على أعينهم وإنما بوصول الشعر /الغناء بوصفه ما فاضت به رسالة الشاعر /النبي من هدى الإخراج الإنسان /المكان/الزمان مما يحاصره من ظلام وبغى، فالغناء ثورة لتحقيق هذا، وأخيرا ما تتطلبه ثورة الغناء من تجل فتكون غناء الثورة التي تبدَّتْ مع ثورات الربيع، وقد بيَنَّ المتيم ،شأنه شأن نظرائه _موقفه القاطع في الانتصار للثورة.

       ومن البداهة والمعتاد هنا أن يبين المتيم من تعبيرات مجازية عن سنوات عمره العشرينية التي تكبر فنيا أضعاف ذلك العمر والتي  تثير فينا بوصفها سنوات مشروع شاعر شهيد خجلنا ممن زرعنا لهم الجوع والخوف والموت وأبى (سرب العيال )أن يضرسوها بل جعلوها بذور وَعْدٍ ترى في كل سنبلة من سنابله ألف حياة ونعيم

       واللافت للنظر أن المتيم لم يتخذ  من بيئته أو سيرته خصوصية ينطلق فيها على نحو ما قام به غيره من نظرائه وأراد المتيم أن يجعل تجريدية المشهد منطلقا ومعارج للوصول إلى سدة الشعر/الرسالة

      واذا ما تقبل من (حسن عامر) نعت شعبه /الطيبين /الأحباب/الغريبين/الناس /بأنهم (سلالم خلق الله إلى الله )تقبل المتيم أن يكون رسالته هذا الأمر حيث يقول في أول سطور مجموعته (من يستأجر ظهري/ كي يصعد نحو الله ؟/وأغنيتي ليثبت قلب حبيبته/في صدر الدنيا ) وفيها يقول (مروا ياعشاق على الأعراف وغنوا….)

        وينادى فتاته التي نعتها بقوله (يا طفلتي الأولى و معجزتي )بقوله  (لو تفتحين الباب يا روحي /سينكسر الضباب/ ربما وحى حقيقي أصاب فمي الغريب/ وربما باحت مجازات بسر اللفظة الأولى تحررت المعاني  وانمحت لغتي  /فقولي أي شيء  وقولي كل شيء )

        ويناشدها في هذا النص  بقوله(وانسفى مدنا سيسكنها الجنود /إذا تعثرت القصائد والحنين/ومن أودى بقلبي للمخاوف /دبابتان تصوبان /الموت في الذكرى /  كمين مزعج للعابرين على الصراط / وبندقيات على خصر الحقيقة / تسقط الآن الحقيقة / تسقط الدنيا / وتسقط  بلدتي ونعيش …. )

       وفى نصه ” المهاجر ” يفتتحه بقوله ( الآن إذ تجتاح أغنية خريفا ما / سأبكي / ربما يوحى إلىَّ ) يرى شعبه كما عبر بقوله ( والمساكين الذين يلومون لما نزفت من الأغاني / والجنايات التي ارتكب المجاز بنا )

         ولفظة المجاز تأخذ دلالات إضافية عنده ، وهى لفظة تدور في أشعار نظرائه ويجب التوقف أمام فيوضها الدلالية وألفاظ أخر كالحب ،الناس ، الحكايا واللفظة الاخيرة ترد في أشعارهم كذلك وهى مما لا يرضى اللغويون ولكن اللغويين سوف يزيد غضبهم حينما يرى هؤلاء الشعراء يستخدمون لفظ ” البسيط  / البسيطة ” بدلالته الشائعة بين العوام

        ويعنون المتيم نصا من نصوصه ب “أرأيت الذى تجلّى ” وقد أضاعه قومه وأي فتى أضاعوا يقول مطلعه :

– عيني علىّ فتى ما مثله ولد … أضاعه قومه لما إليه هدوا

– كانوا فكان صريعا للهوى وندى … لهم من الغيب حين الغيب لا يفد

            وقد أفرد ما جاء في النص السابق العمودي فصله بدلالات ورؤى فنية مغايرة في نصه التالي وهو بعنوان ” أنا واقف وأغنى ” وحيث يرى والكلام على لسانه ( هنا حيث يحتال موتى عليَّ أغني ، وأحتال أيضا / مزيد من الصحوة في الأغنيات )

        إن ( مالم يقله آخر الشعراء الهاربين ) يترسم صورة مولد الشعر / الغناء الثورة . يقول المتيم ( سأعيش لا حذرا على معنى / يفوت عن اختلال اللفظ والإيقاع / لا ولعا بما يكفى عن الإغراق في الرمز المحلق / هكذا كنا نظن بأننا نحمي القصيدة / من تسور فيلق النقاد في الزمن السفيه /…/…/ سأمر من فوق البلاد – بلا بلاد / لست معنيا إذا ارتبكت حبيبات / إذا دقت طبول الحرب / واتحدت ثقوب القلب / واشتعلت خطابات / وضاعت أمهات في صناديق البريد / لا الحرب تحتاج القصائد / لا السلام يعم إن نحن ارتجلناها بأمر عسكري / في بلادي / ينتهى السلطان للسلطان / والولدان للأكفان / والتاريخ للدولة ”

            تلك هي الحقيقة القاتلة التي أبان عنها الشاعر و نظراؤه ، التي يتحول الشعر منها إلى غناء الثورة إن يصبح بها مرادفا لثورة الغناء ولا ترال عندهم مستمرة يقول المتيم ( أنا رجفة الشعراء عن وطء القصيدة ذرية فنيت لتبقي ماء وجه الموت / جئنا نحافظ للكلام على دلالات الكلام / وللطبيعة فطرة الأشياء حين تفارق الاشياء / محاربون / محاربون / وعازفون / ونازفون / وهاربون وسابحون على الثريا / عاشقون اذا احتشدنا قامت الاغصان تدعمنا /

شارك المقالة عبر

تعليقات القراء

أضف تعليق

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تابع صفحتنا على فيسبوك

لأحدث أخبار فعاليات وندوات بيت الشعر بالأقصر

أحدث أنشطة البيت

أحدث المقالات

شعراء البيت

إنضم الى القائمة البريدية

إشترك في القائمة البريدية لبيت الشعر بالأقصر لتصلك أحدث الأخبار و المقالات عبر البريد الإلكتروني

الكلمات الدلالية الأكثر بحثا

spot_img