ثورة الغناء: غناء الثورة قراءة في أشعار بيت الشعر (9)

أ.د. قرشي عباس دندراوي

 الشاعر شريف أمين

               هو بين شعراء ” بيت الشعر” أشبه  بزي الشاعر السوهاجي/ محمد عبد المطلب في محافل القاهرة  في النصف الأول من القرن الماضي، وربما قد يلحق بهم لو أدخل نصوصه القادمة في  جيب الحداثات وبناها المحكمة فربتما تخرج بيضاء من غير سوء رأينا ، آية فنية أخرى سنرى .

   وليس “شريف أمين” ممن ندَّ عن العشرات بل المئات من طائفته الذين يكتبون القصيدة العمودية وقد ضللهم مفهوم الضال عن ـ” عامود الشعر” و ” ماهية الشعر” و ” ما ينبغي له” حتي استحال منتجهم معادا من النظم مكرورا.

            وتتبدى مفاهيم ثورة الغناء : غناء الثورة عند” شريف أمين “من خلال عنوان ديوانه ” الفرار إلى العزلة” ورؤي الشاعر- في كل نصوصه – عائمة علي السطح ، جوار الشط، في مرمى حواس الصبية، وليس علي الشاعر أن يغلق مجمل نصوصه، مخالفا دستور نظرائه هنا – علي تجربته العاطفية التي جاءت – في أكثرها- معكوس قول الشاعر” ضحك المشيب برأسه فبكى” .          

         وليس عليه من حرج أن يسرب أطيافا سردية عن سيرته في القاهرة للعلم وعن ( غرام صباه ، الدراسة والأصدقاء الذين تناسوا بريده ، زحام المدرج ،حفل من الشعر كان يقدم فيه قصيدة ) أو عن عشقه( إلي أم كلثوم حين تغني )أو من عنوان آخر قصيدة في الديوان ” الشافية” وآخر لفظة بها” الكافية” ولا عليه من ضير أن يقدم شيئا من سيرته( رماني أبي للأرض لحما مشوها)  (بشري إلي قلب أمي…)( من سرابيوم…) ( من صلاة العشاء في مسجد القرية ….) لا عليه في هذا ولا في ذاك ولا تلك إنما أن يجيء هذا كله معجمي الدلالة ، سطحي المجاز ،خشبيا محنطا أو تزيينيا فذلك يجعله يصيح خارج ” سرب العيال ” .

      وقد بين الشاعر في قصيدته “بنجامين ” ما تقوله شيخوخته المتخيلة ، وما مر بها:

– بلا خجل آنست نفسي كمنجة                                 ودما علي خد الحياة تحدرا

أعبيء– في جيبي –حكايات من رأوا              مسيرتهم في الأرض كل الذي جري

تبوأت من أرض المجازيب منزلي                   مسيحا يداري دمعه كلما جري

      ولم لا  والغناء مرتبط ،لحمة وسداة  بحوائه (سيدة الأرض بين البشر) إذ:

– سيكون أن يأتي الزمان بشاعر                                يشدو وسيدة تمر لتفتنهْ

في قلبها وجع الغياب وثورة الـ                       ذكرى ، وأمراض الفراق المزمنة

      ولم لا وهو يتوسل إليها في قصيدته ” سندباد”

– دعي السندباد يغني        وكوني به راحمة

      ولم لا والحرب قائمة( علي كرسيها المتحرك) من أجل فتاته:

-بيني وبين القلب سر أميرة                                 تبلي بداء الحب وهي الشافيةْ

في كل ناحية أرى قناصة                                  لا تأمن الضربات منهم ناحيةْ

قناصة للروح إلا أنهم                               يتوافدون علي القلوب زبانيةْ

والحب لم يمنح محبا فرصة                        ليعد أسلحة الفراق الكافيةْ.

    وفي قصيدته التي تحمل عنوان الديوان تتماهى مدارات العام الغائب بالخاص المغيب:

– لا تزعلوا مني إذا فتكم                                   آمالكم في عودتي خائبةْ

أنا غد لما يحن وقته                                         أظفار يومي في دمي ناشبةْ

فقط دعوا لي خلوتي ريثما                                 تفيض مني لحظتي الغاضبةْ

      ويبرر ” شريف أمين ” في قصيدته ” أبدا ما قنعت بالأرض” اغترابه عنها ، ومحاولة الحلول في سماء متخيلة،

-بدمي – مرغما- أروي السطورا                        لتضيء الدلالة الديجورا

-أيها الشعر ما اعتقدت بأنا                                 سنلاقي علي يديك المصيرا

أبدأ القول لا تلمني إذا ما                                    لم تجدني  بما تقول خبيرا

        ويفرق الشاعر في هذا النص” بين الممكن المستحيل/ الأرض وبين المستحيل الممكن/ الشعر ، فيهرب من نار الأرض إلي جنة الشعر ، عله قد يحدث في الأرض أمرا ، حيث حتمية المواجهة ، حتمية الاضطرار إلى الثورة/ الفرار إلى العزلة والاغتراب شرنقة  شعره عله يتحول إلى فراشة تتراءى في أعين  المساكين.

-إن في قلبي الشجي انهيارا                                 واحتقانا يضطرني أن أثورا

أبدًا  ما قنعت بالأرض إلا                                   جيفة رثة وشيئا حقيرا

طامحا للسماء دار خلود                                      و نعيما لنا وملكا كبيرا

رافعا في يدي علي العجز سيفي                     ومحيلًا بيوت يأسي قبورا

ورحيما أحنو علي أغنياتي                                وأربي الأشعار طفلا صغيرا

          ويخاطب القصيدة في قصيدته ” في انتظار القصيدة ” وقد رماه -في اعتقادنا- “بيكت” إلي مسخ ” كافكا”

لغدي الشعر عندليب يغني            لغدي0 الشعر أغنياتي المجيدةْ

ستظلين لعبة من شقاء – لاعباها:  مطارد وطريدةْ

وأظل الوحيد من بين جيلي – من يري غربة القصيد قصيدةْ

        ها هي ذي” أغنياته المجيدة” وها هو ذا الوحيد من بين جيله يرى ثورة الغناء غناء الثورة في قصيدته ” مررت علي الأرض:

  • رأيت غبارا علي بعد مرمى العيون فلم أختبر ما رأيتُ

وحدثني خاطري أن هذا الغبار بلادي أنا فسقطتُ

وما عاد يسعفني أن أمر على أي شيء هنا فانتحرتُ

شارك المقالة عبر

تعليقات القراء

أضف تعليق

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تابع صفحتنا على فيسبوك

لأحدث أخبار فعاليات وندوات بيت الشعر بالأقصر

أحدث أنشطة البيت

أحدث المقالات

شعراء البيت

إنضم الى القائمة البريدية

إشترك في القائمة البريدية لبيت الشعر بالأقصر لتصلك أحدث الأخبار و المقالات عبر البريد الإلكتروني

الكلمات الدلالية الأكثر بحثا

spot_img