ثورة الغناء غناء الثورة قراءة في أشعار بيت الشعر (1)

 أ.د/ قرشي دندراوي

هم فتية عشرينية أعمارهم، وقد أشار أكثرهم إلي ذلك  تلميحا وتصريحا ، وهم يفتخرون  أنهم ” عيال الشعر” علي حد تعبير  أحدهم، ويمثل أكثرهم طفرة إبداعية مدهشة، وثورة أطاحت بمحتلّي الشعر العربي أزمنة وأحقابا: نظما ركيكا وشعر حرا أو منثورا هو غثاء أحوى، وبرك مستنقعات أخرجت هوامها المسرطنة التي صرعت حواسنا، وجعلتنا وحلفاؤها ومن وراءهما- خير أمة أخرجت للناس تردد ما عناه ابن المعتز العباسي يوما” إن ناس هذا الزمان مسخوا خنازير فإذا رأيت كلبا فتمسك به”.

       لم يستعبدهم الشعر ولا هم استعبدوه، وإنما –من حيث لا ندري –حلوا به ، وحل بهم، فرضي الشعر عنهم ، وأتم الله ، سبحانه وتعالي، وما امتلكوا من إرادة الشعر وما ينبغي له ولو كرهت النظم ” اللا شعرية ” الفاسدة التي أطاح بها هؤلاء الفتية ونظراؤهم ، واختزلوا  الزمن حتي جعلوا في تبادلية فاتنة من ” قفا نبك” فيض الحداثات اللافتة المراوغة المدهشة والمعجزة في أحايين كثيرة.

       من أخرج” سرب العيال ” هؤلاء من زمن كل ما فيه يستحي الفساد من فساده وإفساده ؟من علم هؤلاء “العيال ” -في زمن النثيرة والحس العميل – أن يقيموا حداثتهم المدهشة علي أبنية أجدادهم الأُول ” المنسرح – المجتث- البسيط- الطويل-الكامل- الوافر- الخفيف – المتقارب- المتدارك …….” ولم ينفرون عن قدرة من شجن الرمل ومديده، وصخب الهزج، واغترابية المضارع والمقتضب؟!.

        من أين جاءوا بتجليات العربية وعلومها وجواهر ذائقتها في أعصر العربية في البائدة؛ أو هي في أسمى توصيفها- خشب مسند، وطبل أجوف، وجزور الهواء؟!.

      هم فتية لا يدينون في اعتقادنا- إلي هذا الصرح الإماراتي العظيم “بيت الشعر بالأقصر ” وبما يحيطهم من عناية  أريحية وإنما يدين ” بيت الشعر” لهم حمدا وثناء لأن أمثال هؤلاء خصوه بالقبول وأن تخرج ثورتهم المجيدة التي تتسع باتساع الخارطة والذائقة العربية  من ” بيت الشعر”، وعلينا أن نشكر شارقة الإمارات إشراقة العروبة نيابة عنهم شكرا موصولا.

        بين يدينا  عشرة دواوين ومختارات شعرية لبعض ” هؤلاء العيال” من إقليم مصر ، بعض هذه الأعمال استوفى صفة الديوان وقد فاز بعضها بالجوائز أو فازت الجوائز به، وبعضها كان مختارات شارك بها أصحابها، واللافت – بداية – أن حجم النصوص –في تلك الأعمال- يتفاوت علي نحو لافت إذ حين نري لصاحب ديوان ” وقت” سبعا وخمسين نصا لم نجد ما يمثل لـ ” محمد المتيم” إلا خمس نصوص ، وكذلك لـ ” محمد عبادي” إلا ست نصوص…..وذلك يمثل –لا شك أمرا غير محبب في قراءتنا، ويترك مسار رؤاها قلقا وناقصا وربما شائها.

        ومما ينبغي الإشارة إليه أن أكثر هذه النصوص لا تبعد تواريخ إبداعها عن احتراق “بوعزيزي” وقيام ثورات الربيع العربي المغتالة غدرا أو احتراق الخارطة العربية إقليما إقليما، ومدينة مدينة وربما ” زنقة زنقة!”.

         وتهدف هذه القراءة إلي تجليات لفظي الغناء والثورة في أعمال هؤلاء الشعراء علي النحو الذي عنونا به القراءة، وهاتان اللفظتان وإن كانتا من معاد “أهل عاد” ومكروهه إلا أن هاتين اللفظتين أسكنهما شعراء “بيت الشعر” مدارات غير السديم الذي رأينا ، وبوآهما منازل غير الأطلال التي استوطنا فيها.

        وعلي الرغم من أن أكثر هؤلاء الشعراء ذوو أرحام مرجعية واحدة أو تكاد ، وحقول لغوية تري فيها كثيرا من الألفاظ قواسم مشتركة بينهم” وتري تناصهم بكل درجاتها، وميلهم الجلي إلي التناصات الدينية والتاريخية ، ترى تبادلية البنى العروضية فيما بينهم لا لإقامة معارضات وإنما ليقدم كل منهم لبنته في هذا النص الواحد، علي الرغم من هذا وذاك فإن لكل واحد منهم بصمته الفنية وأسلوب شاعريته، وفرادة ذاته.

         وسوف نتتبع – في ضوء عنوان القراءة- مفهوم كل شاعر من هؤلاء الشعراء العشرة لـ “ثورة الغناء/ غناء الثورة” علي حدة، منبهين –بداية – أننا لا نتحدث عن الغناء /  الشعر وما أحدثوه من ثورة استعادوا بها جلالة الشعر من زنازين “أهل عاد” ، وإنما منطلقات هذا الغناء / الشعر الذي خرج من سيسولجيا واقع متهرئ ليعيد ترتيب الفصول وتعريب القبائل ويشرق في المدائن عدلا وخبزا وحرية ويبيّن موقفه من سارقي الثورات بثورة الغناء بالدم الأسود لا  بالبرابط البرانيط.

      وقد يجد لي الشعراء مندوحة في كتابة شعرهم الحر ليس  علي الرسم الإملائي  السميائي الذي أرادوه  لدواعي ليست أمنية !!!!!.

أيمن ثابت

            علي الرغم من أن قصائد ” أيمن ثابت ” العشرة التي انتخلها لتمثله جرى أكثرها علي الشعر الحر إلا أنه كاد يكون ” صناجة ” نظرائه بما شاد وشيد في نصوصه من تواز، وجمل قصيرة متراصة ، وتماثلات صوتية  أمامية  وخلفية للألفاظ، والبنى الصرفية المتطابقة ، والقوافي الداخلية اللافتة الزاعقة، ورد صدر النص علي عجزه، وحشد التكرار بكل مكوناته، وأطيافه ، وكأن الشاعر أراد أن ” يتغني ” بأوجاعه، وقد كان موجعا في رؤاه سيان كان يرثي ” اطلنتس” أم ” شعب النيل..” .

         والغناء الثورة لدى أيمن ثابت مريض، وهذا النعت عنوان إحدى قصائده يقول فيها( بما يكفي لألثم كف أمي/ وهي تسقيني بقية عمرها/ حتي أغني مرة أخرى لكم يا أصدقائي / بما يكفي لأصلح بين بائعتين غاضبتين ( لم أعرفها من قبل/ من آثار سوق الأربعاء/ بما يكفي لأفضي في هدوء محارب  كابن الوليد علي سرير/ لا على صخب السيوف مع الرماح علي المعارك في اليباب)، لم يجد ثابت في خالد بن الوليد رضي الله عنه ،إلا لحظة موته ليتشبه به وهو الذي يقول في نهاية القصيدة (بما يكفي  لتكتب القصيدة أسود الأحلام مقضيا/بما يكفي لأسألكم عن الجدوي من الأيام والدنيا/مريض………….).

           وفي نصه ” المدينة/ البنت” يلمح فيها قدر المقاومة، يبدؤها بذكر دور فيروز وهي القاسم المشترك عند أكثرهم، (هل تتبعت وحي خطاها السماوي/ بين الفراغ وبينك/ أم رافقتك القصيدة عند الخروج/ أيها المتمسك بالأغنيات العتيقة/ فيروز/ لما تزل تحت جلدك/ غنوة بحر لرملك أو مطرا/……).

         ولابأس به أن يتغني في نصه “أثر بعد عين” ( أغنية أغنية / تجرحني الحياة بالحياة/ يا حياة هل الحياة أم ردي/ ما عشت إلا خجلا…).

        ويجاهد في نصه ” أنا هنا” بوصفه قد حمل بشارة الشعر واعظا وارثي سكونية الآباء والأجداد ( وأنا هنا/ في قبر قومي/ قلت يا قومي اتبعوني/ في طريقي، في طريق الحق ، أنقذكم/ فقالوا / : لا نبدل طبعة الآباء والأجداد / بئس الوارثين إذا اتبعنا ما تقول/ وأنت  شر خليقة ، بئس الحفيد).

  ومن ثم يعتصم الشاعر بالقصيدة( بكل قواي أمسك في القصيدة خاشعا، وبكل ما أوتيت من ضعف، وقلة حيلة العشاق/…..).    ويدعي الذى لم يطق حمل صليبه/ شعره أو اغتالته “سالومي” في قدراته أنه – وقد آوي إلى جبل التوهم- ناج وأقوي من نوح وسفينته ( وأنا هنا في عيني امرأتي ملاكا/ في عيون الناس شيطانا رجيما / ثم في عيني شيطانا ملاكا/ شاعرا متمردا مترصدا /سهلا ، عصيا، نافذا فوق الحديد).

موضوعات متعلقة:

ثورة الغناء: غناء الثورة قراءة في أشعار بيت الشعر (2)

ثورة الغناء: غناء الثورة قراءة في أشعار بيت الشعر (3)

شارك المقالة عبر

تعليقات القراء

أضف تعليق

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تابع صفحتنا على فيسبوك

لأحدث أخبار فعاليات وندوات بيت الشعر بالأقصر

أحدث أنشطة البيت

أحدث المقالات

شعراء البيت

إنضم الى القائمة البريدية

إشترك في القائمة البريدية لبيت الشعر بالأقصر لتصلك أحدث الأخبار و المقالات عبر البريد الإلكتروني

الكلمات الدلالية الأكثر بحثا

spot_img