جماليات المكان فى القصيدة الجديدة –قراءة فى نماذج مختارة (2)

 د. محمد السيد إسماعيل

” أنت الذين أحبهم ” للشاعر محمد ملوك :

يعنون الشاعر محمد ملوك ديوانه بذلك العنوان اللافت الذى يجمع بين ضمير المخاطبة ” أنت ” وضمير الجمع الغائبين فى  ” أحبهم ” فالأنثى – هنا – أو الحبيبة أو مصر الوطن توازى الجميع وترتقى عليهم إنها ” المفرد بصيغة الجمع ” بتعبيرات أدونيس ومع الإهداء يتأكد لنا هذا البعد الوطنى حين يجعل ديوانه ” ثورة ” مهداة إلى ” كل الأحرار” الأنثى / الوطن هى المرفأ الأول الذى ينتمى إليه الشاعر ثم يأتى الشعر بوصفه الوسيلة التى تؤكد هذا الانتماء فهو أداة استطاعة الشاعر للخلق والابتكار ” قلت : هو الشعر / به أستطيع / وقادر على ابتلاع الجميع ” .لماذا يؤكد الشاعر انتماءه إلى هاتين القيمتين : الأنثى بمدلولها العام والشعر ؟ يرجع ذلك – فى تصورى – إلى إحساسه بما يمكن أن نسميه ” المكان / المتاهة ” مكان الفقد والانتهاء لهذا كان من الطبيعى أن يستدعى الشاعر قصة طوفان نوح عليه السلام فى قصيدة ” فانتازيا ” التى يقول فيها ” نودى من نودى / فتحرى الناس الأمتعة / ورحت عن الشىء المفقود / أتحرى عن ذاتى ووجودى / حتى أفردنى الوقت / واستوت الفلك على الجودى / بينا قدماى على الربوة تنغرسان / كأنى إذ لذت بعال يعصمنى / لذت بجبل جليد ” الإشارة إلى قصة نوح تأتى فى السطر السادس الذى يتحدث عن ” استواء الفلك على جبل الجودى ” وهى قصة توحى بانتهاء عهد فاسد وابتداء عهد جديد حيث لم يركب مع نوح إلا الصالحون واللافت أن الشاعر كان من الغارقين لا لأنه رفض الركوب فى الفلك بل لأنه تأخر عن اللحاق بها كما يبدو من قوله ” كنت أصيح بهم / واليابسة ورائى والشاطىء دونى : ” لم يبق سواى فلا تدعونى ” ” ولا تفسير لذلك الوضع الغريب الذى يكون فيه الشاعر منبوذا فى العهد الماضى ومتروكا فى العهد الحالى إلا أن الواقع موصوم بالفانتازيا لكن لهذه الفانتازيا – مثلها مثل كل الظاهر – وجه إيجابى لأننا نظل فى حاجة إلى بعض الجنون لكى نغير الحياة يقول الشاعر :” مادام الواقع فانتازيا / فلعل الأرض تدور / لعل الدم يدرك أين يسير / لعل جديدا يحدث / إن جد وفار التنور / لعل الفلك سوى الفلك / لعل الناس سوى الناس / لعل الدنيا ….” إن حرف ” لعل ” الذى تكرر ست مرات حرف يفيد الرجاء ويوحى بقرب وإمكانية تحققه هذا هو الملمح الأول الذى يخلعه الشاعر على هذا المكان / المتاهة أو مكان الاغتراب لكن الشاعر يوسع من رؤيته فيشير – فيما بعد – إلى الهند وحكيمها ” بوذا ” وإلى بلاد فارس وحكيمها ” زرادشت ” وسوف نلاحظ اشتراك هذه البلاد جميعها فى ذلك الاغتراب الذى وسم المكان السابق حين يقول ” عدت من الهند ب”بوذا ” / وعبرت حواجز وتضاريس/ فى الدرب / رأيت الصينيين وحيدين / على كثرتهم ” إنها – مرة أخرى – الوحدة والعزلة رغم الكثرة ومن هذا الطواف الواسع يعود إلى وطنه الأم يعود إلى مصر فيراها مهددة ومستهدفة دائما فى الماضى والحاضر كما يبدو فى قوله ” أيتها الطرق كذبت / وإلا فلماذا من قبل رأيت الهكسوس بمصر / ومن بعد أرى الهكسوس ؟” ومن المهم أن نلاحظ استخدام الفعل الماضى أولا ثم الفعل المضارع فى العصر الحالى للدلالة على الاستمرار ويستدعى دال الهكسوس العصر الفرعونى وهذا ما فعله الشاعر حين تحدث عن ” رع ” فى قصيدة تحمل العنوان نفسه فيأتى ذكر المعبد المقدس فى التراث الفرعونى يقول الشاعر ” لى أن أقف بصدر المعبد / متشحا بالضوء وليس لأحد أن يسأل : كيف وقفت ؟” ثم يضمن القصيدة مناجاة بعض المصريين للإله ” رع” الذى اتخذ الشمس رمزا له بقولهم ” أبعدت العاصفة وحطمت السحب وأزجيت لنا المطرا ” ويتجاوب الموروث الشعبى مع ماسبق حين يتحجث الشاعر عن ” على بابا” و”عفريت الفانوس” طبقا لتلك الحكايات الشعبية القديمة يقول الشاعر ” لاتنزعجى / فأنا أعرف كيف يصير الأمر / ولمن فى غير أوان الحرب / يدق الناقوس / لم يدخلك ” على بابا” القصر / مع الخصيان / وها أنا ذا / لم تعجب أمنيتى الأولى / عفريت الفانوس ” إننا هنا أمام تجليات ثقافة المكان بمستوياتها المتداخلة مع تغييب واضح للبعد المادى .وامتدادا لهذا يعود الشاعر إلى مرحلة الطفولة بأجوائها المحببة التى يتحسر على فواتها ” ياللأيام / أكنا بالأمس معا / نحفظ جزء” تبارك ” فى ” الكتاب ” كانت ذاكرتك فولاذا / وأنا ذاكرتى لمع سراب / بالكاد أرى وجه ” الشيخ ” / وزحمتنا حول الباب ” وتلعب الثنائيات الضدية دورها فى تحديد طبيعة حالات الشاعر وبالتالى طبيعة المكان حين نقرأ ” قرب ،بعد / عهد ،غدر/ إشراق ، ظلمة / كم أنت ظمى ياقلبى من تكرار الأحداث ” وبغض النظر عن هذه الثنائيات الضدية فإن الديوان يقوم على الحالات المتقابلة ومن ذلك استدعاء الشاعر لصورة الفارس العربى الذى يقطع الفيافى إلى محبوبته رغم نفوق خيله والتقابل واضح بين الإصرار والاندفاع من ناحية وفقدان الوسيلة من ناحية أخرى :” ماتت خيلى / منتصف الدرب / فلم أتردد وقطعت لك المهمه / فأرينى وجها لايرجعنى / أو أبدى كذبا أنك مهتمة ” هذا الإصرار الذى يتمسك به الشاعر يعود إلى إيمانه بقيمة الحب القادر على المواجهة :” كم من حب / جربت الغربة أن تكسره / فتوحش وتجبر / هذا ” باسبور ” خلودك فابتسمى / لايستبق الموت الروح / ولاتلتهم النار فؤادا أخضر” كما يرتبط الحب – وهذا راجع لثقافة المكان الموروثة – بالنعيم والعذاب حين يقول ” أنا عبد جمالك حين استتر / وعبد جحيمك حين تعرى ” كأنه يستدعى قول الشاعر القديم ” أنت النعيم لقلبى والعذاب له / فما أمرك فى قلبى وأحلاك ” ولأن الحب – فى الموروث العربى – غالبا مايكون فيه ثلاثة أطراف : المحب والمحبوب والعزول نجد محمد ملوك يستبدل الآخرين بالعذول بعد أن أصبح كل هؤلاء الآخرين ضده :” لاتقفى معهم ضدى / هم أجمعهم / ماحبوك كحبى وحدى ” وهو مايذكرنا بقول الشاعر الصوفى ” كل من فى حماك يهواك لكن / أنا وحدى بكل من فى حماك ” .وفى بعض السطور يبدو المكان مغلقا يبحث فيه الشاعر عن نافذة يرى العالم من خلالها يقول ” عن نافذة نبحث / لا عن مرآة / عن صبح / عن ليل أخضر / عن أفق من غير غيوم ” وما يبحث عنه الشاعر مفقود – بالبداهة – داخل هذا المكان الذى يحاصره والذى يشعر بضيقه دائما ويتمنى اتساعه ” كتن على الشارع / أن يتسع قليلا حتى تعبر / أحزانى مجتمعين / وأعبر من أسباب الحزن إلى معناه ” إن اتساع المكان يوازى اتساع الرؤية والقدرة على الوصول إلى كنه الحزن وحقيقته وتفعيلا لبنية التقابل يحرص الشاعر على توظيف الأماكن المفتوحة فى مقابل الأماكن المغلقة السابقة حين يقول ” هدمت أصناما على عبادها / وخرجت لا الصحراء واسعتى ولا البحر امتدادى ” وفى بعض السطور يتجلى ” المكان الحلم ” الذى يغمره النور بفعل الحب حين يقول ” لغة من النور استحالت عالما / فتخلقت ماهية وتجسدت أسماء/ أنت الذين أحبهم / أيقنت أن الحجب إن رقت تبخرت المسافة ” وامتدادا لتيمة الفانتازيا نجد بعض المعالم المكانية أقرب إلى الفن التشكيلى السريالى فى علاقاتها الغرائبية يقول الشاعر تحت عنوان ” سقوط حر” ” سقوطنا الحر كان مقتضبا كالوميض / لكنه كان قادرا كغراب على الإزاحة والدفن ” فالسقوط يستدعى مكانا مرتفعا تسقط منه الذات إلى مكان منخفض لكن ماذا عن الغراب فى هذه الصورة ؟ هل يستدعى الشاعر قصة قتل قابيل لهابيل والغراب الذى ألهمه كيفية دفن الجثة ؟ هذا ما أعتقده والقتل سقوط نهائى ليس بعده سقوط حيث نكون قد وصلنا إلى قاع المعصية ويظهر ذلك فى قول الشاعر ” هكذا بعد هذا السقوط لن نتداعى / لأننا أول النازلين بالقاع / تحت السور الذى انقضا / لعلة فى الزمان / وعلة فى اختيارنا ” وقصيدة ” اليوتوبى القديم ” المهداة إلى الشاعر عماد غزالى تدور حول المكان / الحلم الذى قد يسخر منه الشاعر أحيانا حين يخاطب رفيقه بقوله ” تتأبط ” جمهورية أفلاطون ” كما يتأبط أمى دفتر / صحت كديك / تبا للمدن الفاضلة / ورغت إلى امرأة / وزعت التيار بنسب متفاوتة ” لقد أصبحت المرأة الملاذ النهائى الذى يلجأ إليه الشاعر بعد تعلقه بوهم المدينة الفاضلة . وهكذا يتلون المكان متخذا صورا عديدة طبقا لرؤية الشاعر وإحساسه به .

موضوعات متعلقة:

جماليات المكان فى القصيدة الجديدة –قراءة فى نماذج مختارة (1)

جماليات المكان فى القصيدة الجديدة –قراءة فى نماذج مختارة (3)

 

شارك المقالة عبر

تعليقات القراء

أضف تعليق

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تابع صفحتنا على فيسبوك

لأحدث أخبار فعاليات وندوات بيت الشعر بالأقصر

أحدث أنشطة البيت

أحدث المقالات

شعراء البيت

إنضم الى القائمة البريدية

إشترك في القائمة البريدية لبيت الشعر بالأقصر لتصلك أحدث الأخبار و المقالات عبر البريد الإلكتروني

الكلمات الدلالية الأكثر بحثا

spot_img