جماليات المكان فى القصيدة الجديدة –قراءة فى نماذج مختارة (3)

 د.محمد السيد إسماعيل

” هوامش على الصراط ” للشاعر نور الدين جمال :

نور الدين جمال شاعر يمتلك صوتا شعريا متميزا أصيلا ويظهر ذلك من لغته التى تمتاح من المعجم الدينى الإسلامى كما يبدو – ابتداء – من عنوان الديوان الذى يشير إلى دال ” الصراط ” بإيحاءاته الدينية المعروفة فهو الطريق المستقيم الذى لا يعرف الانحراف يمينا أو شمالا إنه سبيل الله الذى يعصمنا التمسك به من الوقوع فى سبل الضلال وشاعرنا يكتب ” هوامش ” على هذا ” الصراط ” – فمن منا يعرف كنه هذا الصراط الحقيقى – كما فعل نزار قبانى قديما نسبيا فى ” هوامش على دفتر النكسة ” التى كانت حدثا مذهلا مزلزلا لم يمتلك الشاعر حيالها إلا أن يكتب هذه الهوامش .” الصراط ” هو ” المتن ” وكتابة الشاعر هى الهوامش والثقافة العربية كلها تقوم على هذه الثنائية ” المتن / الهامش ” ولهذا كان من الوارد – تماما – أن يثبت الشاعر هذه الآية الكريمة من سورة ” الزخرف ” فاستمسك بالذى أوحى إليك إنك على صراط مستقيم ” فى بداية الديوان وأن تأتى القصيدة الأولى بعنوان ” هامش النجدين ” والنجدان – كما هو معروف – هما طريقا : الخير والشر و” هداية النجدين ” تعد من أجل نعم الله على الإنسان لأنه – سبحانه – أبصره بالحق والضلال وأعطاه حرية الاختيار .والقصيدة مسرودة عن طريق الشاعر بطبيعة الحال لكنها منسوبة إلى حبيبته التى قد تكون رمزا لما يتجاوزها حين نقرأ ” قالت / أودع صورتى / وأذوب فى الذكرى / ستنكر مامضى ولسوف تأخذك الحياة لحيها ” ويظهر البعد الاجتماعى وهموم الفقراء فى شعر نور الدين جمال من خلال تعبيرات شديدة الإيجاز من قبيل قوله على سبيل المثال : ” الحياة ثقيلة يابنت أيامى / وموجعة ظلال الهجر / كم شقت بيوتا صرخة الجوع الأبية ” إن الجملة الخبرية الاسمية التى لاتتجاوز المبتدأ والخبر :” الحياة ثقيلة ” جملة متعددة المعانى سواء على المستوى الاجتماعى أو النفسى وفى السياق نفسه تأتى الصورة الاستعارية المعبرة عن وطأة الجوع حين تشق صرخته بيوت الفقراء ثم تتوالى مشاهد حياة الطفولة البائسة حين ” انزوت فى التيه جدات تحكن الليل للمتناثرين على الوسائد ” إن فكرة ” الالتزام ” الاجتماعى تهيمن على وعى هذا الشاعر ولهذا لم يكن غريبا أن يرتبط الشعر – عنده – بالخبز أو القمح الذى تبدره القصائد :” لابنت تورد خدها فى الليل / واستلقت على صدر الشتاء الرحب / أو قمح ستبدره القصائد خلسة للطيبين ” وعند هذا الحد من التكامل بين الشعر وحياة الطيبين البسطاء يصبح المكان أقرب إلى الأجواء الصوفية حيث نجد أمطارا بلاسحب ” تطل على النوافذ / تستقى الأوراد ” وعندها يتجلى الله ثم يتبارك ” النور المسامر” ومن الواضح – تماما – فى شعر نور الدين جمال أنه ينتقل – كما لو كنا أمام تصوير سينمائى – من مكان إلى آخر حين ينسب حبيبته على التوالى إلى : البحر والجبل والصحراء والمدينة ويهمنا – هنا – أن نتوقف أمام ذلك التقابل بين ” بنت الحقل ” و” بنت المدينة ” حين يقول واصفا الأولى ” بنت الحقل أنت / وما نسيت بداوتى فى العشق / كى أرث التراب وأنثر الحبات فى ود المواسم ” إن بنت الحقل مرتبطة – كما يتضح – بالبداوة بمعنى الفطرة والبكارة وعدم التصنع وقديما امتدح المتنبى البداوة فى مقابل الحضارة حين قال :” حسن الحضارة مجلوب بتطرية / وفى البداوة حسن غير مجلوب ” كما ترتبط بالخير المنتظر حين يرث الشاعر ” التراب ” وينثر فيه ” الحبات فى ود المواسم ” أما بنت المدينة فهى ” لافتة مزيفة تروج للبضاعة / والجياع يفتشون عن الرغيف بمحض صورته البسيطة فى دماغ الرأسماليين ” حيث نلاحظ ارتباط المدينة بالزيف – على عكس فطرة البداوة – والترويج للبضاعة الكاسدة التى لايتمكن الجياع من شرائها ويفتشون – فحسب – ” عن الرغيف بمحض صورته البسيطة ” كما تحدده إرادة الرأسماليين وترتبط المدينة – غالبا فى رؤية الشاعر – بالاغتراب والمراثى والذبول حين يقول ” مدن ليزداد الذين الذين تغربوا شوقا / ومرثية لما قد فاتهم / بنت وآنية نحاسية / ووقت لانتظار ذبولها ” ومن الطبيعى أن يحس الشاعر بضآلته داخل هذه المدينة العملاقة التى تبتلع كل شىء يقول :” ياأمى كبرت / ولم تعد للبيت حاجته إلى تعويذة / كبرت على مدينتى أيضا ” وترتبط المدينة بما هو فاقد الروح فهى مدينة ” الأسمنت ” والأحلام المجهضة مما يذكرنا ب” أشجار الأسمنت ” لأحمد عبد المعطى حجازى يقول الشاعر ” يصيبنا الإسمنت والأحلام بالموت البطىء ” ولاشك أن حصارا كهذا يجعل من حلم البيوت بكل ماتوحى به من دفء واستقرار وحميمية حلما زائفا يصعب تحقيقه .يقول الشاعر ” زيف كذلك / أن تطل لك البيوت / وأنت رهن مسافة ” ومن المدينة أو المدن إلى البلاد بأسرها التى تفاوض ساكنيها على اتساع العين / الرؤية أو صوت الرصاص حين نقرأ ” يحدث أن تفاوضنا البلاد / على اتساع العين / أو ضيق المسافة بين حنجرة الرصاص وبيننا ” وهنا تعجز حكايا الجدات عن ذكر مايراه الناس فى المدينة التى تقتل براءة الأطفال  بما تحمله من عنف على مستويات كثيرة ” كيف تحكى جدة / عن كل ماشفناه فى هذى المدينة / كيف تحلم طفلة بوليدها / إن لم تر البسمات / فى عينى رضيع / لم تراقبه الملائك / أو تعنفه المباحث كى يقر بما لديه من البراءة والحنين ” ويتجاوب هذا العنف مع ذكريات الصبا القاسية التى كان المعلم يقوم فيها بدور السلطة القامعة ولا شك أن هذه المشاهد المؤلمة قد جعلت من الذكرى عبئا ثقيلا على الشاعر حين يقول ” كم أشقى بطاقات التذكر / والبلاد تباعدت ” هذه الرؤية المهيمنة سواء على مشاهد الماضى أو الحاضر تنعكس على إحساس الشاعر بالموجودات من حوله فيصبح البحر كفيفا تائها كأنه معادل موضوعى للشاعر حين يقول ” كم مرمن عمرى هنا / والبحر ينأى عن خطاى / كأن لى بحرا كفيفا / تائها فى الذكريات وفى الضحايا ”

إن ماسبق يؤكد أن شاعرنا لم يتعامل مع المكان على المستوى المادى من خلال الوصف بل ربط بينه وبين رؤاه الاجتماعية شديدة الوضوح على مدار الديوان .

هذه مقاربة لطبيعة المكان فى أعمال ثلاثة شعراء امتلك كل منهم رؤية خاصة تؤكد تميزه وشاعريته .

موضوعات متعلقة:

جماليات المكان فى القصيدة الجديدة –قراءة فى نماذج مختارة (1)

جماليات المكان فى القصيدة الجديدة –قراءة فى نماذج مختارة (2)

 

 

شارك المقالة عبر

تعليقات القراء

أضف تعليق

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تابع صفحتنا على فيسبوك

لأحدث أخبار فعاليات وندوات بيت الشعر بالأقصر

أحدث أنشطة البيت

أحدث المقالات

شعراء البيت

إنضم الى القائمة البريدية

إشترك في القائمة البريدية لبيت الشعر بالأقصر لتصلك أحدث الأخبار و المقالات عبر البريد الإلكتروني

الكلمات الدلالية الأكثر بحثا

spot_img