جماليات المكان فى القصيدة الجديدة –قراءة فى نماذج مختارة (1)

د.محمد السيد إسماعيل

يقوم تاريخ الأدب – فى الأغلب الأعم – على البعد الزمنى وبناء على هذا المقياس تم تحديد عصور الأدب العربى بدءا من العصر الجاهلى مرورا بأدب صدر الإسلام والعصر الأموى ثم أدب العصر العباسى الأول والعصر العباسى الثانى وصولا إلى الأدب – أو لنقل الشعر على وجه التخصيص – الحديث بمدارسه المختلفة : الإحيائية والرومانسية والواقعية .ومع ذلك يمكن القول إن البعد المكانى ظل فاعلا ومؤثرا فى طبيعة الشعر من حيث الألفاظ : صهولة أو غرابة ومن حيث المعانى : بساطة أو تعقيدا ومن هنا يحدث بعض النقاد ومصنفى الشعراء منذ ابن سلام الجمحى عن شعراء البادية وشعراء الحجاز وشعراء العراق والشام إلى آخر هذه التصنيفات المكانية .وتكمن أهمية المكان فى الوعى الشعرى العربى فى أن أغلب العرب فى شبه الجزيرة العربية كانوا بدوا رحلا باستثناء سكان القرى والمدن وهذا ما يفسر شيوع غرض الوقوف على الأطلال وبدء القصيدة به لكن تغير المكان وتطوره ودخول العرب فى طور حضارى جديد دفع بعض الشعراء إلى وصف الرياض والبساتين دون أن يمنع ذلك استمرار غرض وصف الأطلال بوصفه قيمة فنية مؤثرة فى وجدان المتلقى بما تحمل من رموز إيحائية .

غير أن للمكان بعدا آخر يتمثل فى هذا التقسيم الشهير للفنون بين فنون مكانية يأتى فى مقدمتها الفن التشكيلى وفنون زمانية يمثلها فن الموسيقى وبين هذين البعدين تقع الأجناس الأدبية خاصة الشعر فنراها – أى هذه الأجناس – تجمع بين المكانية والزمانية ومن البداهة أن نقول إن المكان لا يتبدى داخل القصيدة من خلال مظهره الجغرافى المادى فحسب بل يتبدى – وهذا هو الأكثر أهمية – من خلال محمولاته الثقافية والاجتماعية فلكل مكان تقاليده وقيمه وأعرافه وهو ماينعكس بالضرورة على تبديات المكان داخل القصيدة .وهذا ماسوف نحاول الوقوف إزاءه داخل ثلاثة دواوين شعرية لثلاثة شعراء يظهر إحساسهم بالمكان جليا وقويا ، مرجئا الحديث عن التعامل مع فضاء الصفحة الشعرية بوصفها مكانا وظفه بعض الشعراء فى توزيع سطورهم وكلماتهم عليه .

وهذه المجموعات الشعرية الثلاثة التى سوف أتوقف أمامها بالتحليل هى : ” كلارنيت ..فى حضرتها وأعزف ” للشاعر كرم عز الدين وديوان ” أنت الذين أحبهم ” للشاعر محمد ملوك وديوان ” هوامش على الصراط ” للشاعر نور الدين محمود .

–      ” كلارنيت …فى حضرتها وأعزف ” للشاعر كرم عز الدين

تبدو لى تيمة المكان والزمان جلية فى هذا الديوان حيث تتجاور الموسيقى التى ذكرنا أنها فن زمنى فى الأساس مع التشكيلات المكانية المتعددة ففى الإهداء نجد ” عازف الكلارنيت ” الذى دفع روحه – أو لنقل موسيقاه – فى مهجة الشاعر ومضى مثله مثل الطيف الجميل هذه الموسيقى أو الروح تقف – فى رؤية الشاعر – على النقيض من الجسد الذى يمثل ” مكان ” الروح الأول ، بعد هذا الإهداء الذى يزاوج بين المكان والزمان تتوالى المشاهد المكانية حين نلحظ بوضوح تآلف الكنائس والمساجد للدلالة على الروح المصرية المتسامحة يقول كرم عز الدين تحت عنوان ” قدر الحمام ” :” هو أن يحط على الكنائس مرة / وعلى المساجد مرة / وعلى فؤادى / هل يمنع الشرع التقاء حمامتين على جبين كنيسة / أو مئذنة ؟” يبدأ الشاعر بذكر الكنائس طبقا لتعاقب الأديان على مصر ثم تآلفها فى وحدة وطنية تقوم على حقوق المواطنة والمساواة والسلام الذى يرمز الحمام إليه وكأن هذا الحمام يوزع سلامه وأمنه على الجميع فهو يحط على الكنائس – لاحظ دلالة الجمع وهو مانجده أيضا فى دال المساجد – ” مرة ” وعلى المساجد ” مرة ” ثم يحط على ” فؤاد ” الشاعر داعية السلام والمحبة والمبشر بهما والمدافع عنهما والذى يعلم يقينا أن الشرع – سواء أكان مسيحيا أم إسلاميا – لايمنع التقاء حمامتين على جبين كنيسة أو مئذنة والشاعر يقدم هذا اليقين من خلال الأسلوب الإنشائى الاستفهامى الدال على نفى المنع بما يسمح بحرية التقاء حمامتين – أو التقاء مصريين – على جبين كنيسة أو مئذنة ثم ينهى المقطع بأسلوب خبرى قاطع الدلالة حين يقول جازما ” أما فؤادى / لا يمنع الطير البرىء ” إنه أقرب إلى قلب الصوفى عند ابن عربى حين يقول ” لقد صار قلبى قابلا كل صورة / فمرعى لغزلان ودير لرهبان ” لأنه جعل الحب دينا والدين حبا لكل الناس على اختلاف عقائدهم وشاعرنا كرم عز الدين يتماهى مع هذه الرؤية وهو مايعكس ثقافة المكان التى لاتعرف التطرف أو نبذ الآخر أو تكفيره الثقافة التى تجعل من ” حى على المحبة ” أو ” حى على الحبيب ” شعارا لها وليس غريبا أن يقول الشاعر فى صورة شعرية مبدعة ” سأدق عند صليب كفى / مصحفا للحب / من يقف اعتراضا بين قلبين استحلا كل شىء ؟ ” ينتقل الشاعر من الرموز العامة – الكنائس والمساجد – إلى ماهو مقدس : ” الصليب ” عند المسيحيين و” المصحف ” عند المسلمين كما ينتقل من الحمامتين بدلالتيهما العامة إلى القلبين الآدميين الخافقين بالحب وفى هذا السياق يأتى ذكر الأماكن الإسلامية المباركة مثل ” مكة ” أم القرى وأحب بلاد الله إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وموطن ولادته ، يستدعيها الشاعر ويستدعى قوافلها العابرة حين نقرأ ” سأظل فى شوق أراقب كل قافلة / تطوف بأرض مكة / لن أمل / وإن تفرق شملنا / سأطوف حول الحب سبعا من دموع / ربما تأتى ” إن الشاعر يستبدل الطواف حول الحب بالطواف حول الكعبة تأكيدا لدلالات الحب السابقة وهو يتوسل إلى تلك الحبيبة المنشودة التى قد تكون الوطن بالشعائر الإسلامية والمسيحية معا فبعد أن يذكر الطواف يشير إلى ” التعميد ” بوصفه شعيرة مسيحية كما يشير إلى طبيعة المكان بطميه الكريم حين يقول ” حبيبتى / سأعمد القلب الذى فى داخلى / قلبا جنوبيا / من الطمى الكريم / أشير ياعينى إليك / ولا أخاف من الخفافيش الكثيرة فى الظلام / سأشعل السبابة اليمنى شموعا كى تنير طريقنا ” فى هذه السطور تتأكد دلالة الحبيبة على الوطن / مصر وذلك حين يذكر ” خفافيش الظلام ” التى أصبحت رمزا للقوى الظلامية الإرهابية التى تهدد أمن الوطن .ولاتظهر تجليات المكان من خلال معطياته المباشرة فحسب بل من خلال مايخلعه الشاعر على نفسه من صفات تعكس ثقافة المكان حين يصف نفسه مثلا بأنه ” قوى ” وهى صفة رجولة ممتدحة فى الوعى العام وأنه ” يموت شوقا فى كلا الحالين / عند وصاله أو هجره ” تعبيرا عن قيمة أخرى ممتدحة هى قيمة الإخلاص وأنه – وهى امتداد لصفة القوة السابقة – لا يقول ” الآه جهرا ” وكما يعدد الشاعر صفاته نراه يستدعى القصص الدينية الفاعلة فى الوعى العام والذى يمثل العقيدة السائدة فى المكان ومن ذلك توظيف قصة ” كليم ” الله موسى عليه السلام فى قوله ” سأنتظر الله فوق الجبل ” واستدعاء حادثة شق صدر الرسول فى صباه مع تعديلات معاصرة تناسب حالة الشاعر حين يقول ” وحبيبتى قديسة / شقت فؤادى / أخرجت منى سوادى ” .واستدعاء الدوال الصوفية وتكرار دورانها داخل الديوان من قبيل : الحضرة والمقام وتوظيف قصة بلقيس مع سليمان بصورة فنية تغدو فيه أقرب إلى النص الغائب ويظهر ذلك فى قوله ” قال : بلقيس تأبى المرور على كف ذاك النبى / قيل : بلقيس رمز انتظار السماء ومأدبة الأرض / حين توزع خبز السعادة محشوة بالأمل ” .ولأن سمة التمرد ظاهرة فى شعر هذا الشاعر فمن الطبيعى أن يقدم نفسه فى صورة الشاعر الصعلوك الخارج عن تقاليد القبيلة الظالمة حين يقول بإيجاز ” خرجت عن طوع القبيلة ” تاركا لخيال المتلقى استدعاء حركة الصعاليك داخل المجتمع الجاهلى هذه الحركة الاحتجاجية فى بعديها الشعرى والاجتماعى وما دمنا فى سياق العصر الجاهلى فمن الطبيعى يتوقف الشاعر أمام إحدى ملاحمه وهى قصة ” الزير سالم ” حين يتحدث عن اليمامة رمز الإصرار على أخذ ثأر أبيها حين نقرأ ” تقول اليمامة ثائرة : من أقام الحريق وأسقط عبرة ؟ واختبأت أنا / خلف برميل نفسى / خوفا / كأنى طفل تجنى ” ثم يدخل صوت جليلة بنت مرة والدة ” اليمامة ” وشقيقة القاتل حين يقول الشاعر على لسانها ” صغيرة قلبى تسن رماح الملالة / ترفع راية حرب / وترمى القنابل ” هنا تتداخل صورة اليمامة القديمة وصورتها الحديثة بسبب ذلك التجاور الدال بين الرماح والقنابل فاستدعاء التراث ليس مقصودا لذاته بل بغرض الإسقاط على الواقع المعاصر وفى هذا السياق يأتى تضمين العدودة بوصفها ميراثا شعبيا مجهول المؤلف ومن ذلك تضمينه لهذه العدودة الرثائية ” ياسيدى لما مال وورانى / حدف العميمة مالفها تانى / ياسيدى لما مال ومااتكلم / حدف العميمة ماعاد بيتعمم ” وتضمينه لقول نزار قبانى ” أجوب الزوايا عليه / أصلى على صدره المتعب ” ولا شك أن هذه التضمينات وغيرها تقدم تنوعا أسلوبيا يزيد من ثراء هذه المجموعة الشعرية .وفى بعض المواضع يتعامل الشاعر مع القصيدة كما لو كانت أنثى ينتظر اكتمال جمالها فيقول مستدعيا قصة ديك الجن مع جاريته التى شك فيها فأحرقها ثم تبين براءتها فصنع من رمادها كأسا وظل يبكى عليها يقول كرم عز الدين ” أقدم فى كل يوم قصيدة / أخاف عليها من الموت قبل اكتمال الجمال بها / وبغير احتوائى / أضاجعها ثم أحرق جثتها دون ذنب يراودنى قائلا : لم تكن تحتوينى ” وواضح درجة الاختلاف بين القصة المستدعاة وماتقدمه القصيدة وليس هذا غريبا فمن حق الشاعر – أى شاعر – أن يجعل من الموروث قناعا لتجربته المعاصرة مغيرا أو مبدلا مايشاء .وحين يتحدث عن الحب المفاجىء الذى أصابته سهامه بمجرد رؤية حبيبته ؛أقول حين يتحدث عن هذا يستدعي أسطورة كيوبيد/ طفل الحب الذي يصيب بسهامه من يشاء يقول الشاعر :”أصبت بآخرسهم من  حين رأتنى ” فالحب عنده مرتبط – غالبا – بالعذاب على عادة الشعر العربى على مدار عصوره المختلفة ، ويظهر ذلك فى قوله ” أساومها بالزجاج المكسر حول الفؤاد / من التجربات الكثيرة ” كما يرتبط الحب عنده – أيضا – بالقداسة والطهر حين يقول ” محبوبتى قديسة / منحت فؤادا أعطيت عمرا / وعمرى فى يديها / طوفت جنباته سبعا / تطهره بماء عيونها / وبضحكة من قلبها ” لكن هذا القرب العابر بين الشاعرومحبوبته سرعان ما ينتهى كما لو كان ذلك قانونا حتميا يقدمه الشاعر فى أسلوب خبرى يقينى ” أتمنى وتنقلب الأمنيات على / أحب ويكسر فى النوى كل شىء جميل ” لكن الشاعر لايفقد الأمل أبدا فى قدرة الحب على تحويل الوقائع المؤلمة إلى حالة مغايرة ففى المازورة الثالثة – والمازورة ” هى وحدة تستخدم فى السلم الموسيقى لقياس النغمات زمنيا ” – وتحت عنوان ” بسمة من ضلع الألم ” يقول :” ربما تتبسمين للحظة / فتزيل بسمتك الكآبة فى النفوس البالية “و كما عاد الشاعر إلى الماضى البعيد للمكان مستدعيا موروثاته المتعددة  يعود إلى أماكن صباه فى قريته التى شهدت لهوه ولعبه بوصفها اليوتوبيا الضائعة يقول ” أزمنة من هبوط فؤادى إلى الوحل / كالطفل فى قريتى / حين يلعب بالماء والخيزران / على شاطىء الترعة السهل ” وفى موضع آخر تتجلى مظاهر القرية الأليفة الحبيبة الممثلة فى ” أرغفة ” الجمال وأعمدة القرى والمنجل والسنابل والجداول كما يبدو فى قوله ” كان البسيط يحب أرغفة الجمال بكل شىء / كان يشبع بالبساطة والسجية / كان الحبيب يضم أعمدة القرى / والمنجل المرسوم فى كتف السنابل / والجداول حين تعزف والأغانى ” وفى مقابل هذه البساطة تأتى تعقيدات المدينة وإيقاعاتها السريعة والصراخ والزحام ويظهر ذلك فى قوله ” كان العظيم يحب أضواء المدينة / لا / كان يخشى سرعة العربات فى الطرق السريعة / و” الكلكسات ” اللعينة / والصراخ المر مابين الشوارع / والزحام على الطريق وفى النفوس ” وزحام النفوس كناية عن زحام هذه النفوس بالرغبات التى لاتنتهى الأمر الذى يجعلها فى لهاث دائم وصراع قاتل فى سبيل تحقيق هذه الرغبات المادية .

وهكذا يتبدى لنا المكان فى هذه المجموعة الشعرية بأبعاده المختلفة مما يدل على محوريته وفاعليته فى البنية الشعرية دلاليا وأسلوبيا .

موضوعات متعلقة

جماليات المكان فى القصيدة الجديدة –قراءة فى نماذج مختارة (2)

جماليات المكان فى القصيدة الجديدة –قراءة فى نماذج مختارة (3)

 

شارك المقالة عبر

تعليقات القراء

أضف تعليق

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تابع صفحتنا على فيسبوك

لأحدث أخبار فعاليات وندوات بيت الشعر بالأقصر

أحدث أنشطة البيت

أحدث المقالات

شعراء البيت

إنضم الى القائمة البريدية

إشترك في القائمة البريدية لبيت الشعر بالأقصر لتصلك أحدث الأخبار و المقالات عبر البريد الإلكتروني

الكلمات الدلالية الأكثر بحثا

spot_img