الرؤيا الشعرية في القصيدة الشبابية المصرية (1)

– دراسة في المرجعيات الصوفية -نحو مقاربة “الاستعارية – الابستيمية” (1)

أستاذ وباحث في النقد العربي: أحمد الحريشي (المغرب)

مدخل منهجي عام:

لقد قطعت الحداثة العربية شوطا ليس بالقصير في مسيرها النقدي، وهي تحاول أن تشكل نموذجها الأمثل للنص الحداثي المتجاوز والمفارق والمجاهر بالقطيعة مع تراثه، من خلال الدعوة الأيديولجية التقدمية المتحمسة إلى تكسير المعيار السابق، من الناحية الإجناسية والاجتماعية العرفية والمرجعية الثقافية والفنية معا، ولأنها كرست أسبقية أنطلوجيا هشة للنص النقدي على النص الإبداعي، ظلت حداثة “نقدية”، لا تجد الكثير من طروحاتها مستندا إبداعيا تتكئ عليه في النص الشعري العربي المتحقق فعلا ، فقامت بفصلت النص النقدي عن موضوعه الإبداعي، متخذة موقفا استشرافيا من النصوص التي لم تنجز بعد لتسدد مقولاتها، فالنقد بهذا المعنى يستبقه نصه باستشرافية وتنبؤ يجعل قيمة الكثير من المتون النقدية الحداثية العربية تكمن في المسافة التي تشير إليها، لا المسافة التي قطعها  النص الإبداعي فعلا.

إن مقاربة النص الشبابي الإبداعي الجديد، تقتضي تطوير آليات الاشتغال النقدي التحليلي نفسه للنصوص الشعرية المنجزة فعلا، لسبر هذه الخصوصية التجديدية من داخل بينتها الفنية، وما تقترحه هذه البنيات من مقاربات، وانطلاقا من المتن الإبداعي المتحقق نفسه، حيث من الضرورة أن ننتشل الكثير من طروحات “النقد الحداثي” من تقليديته في علاقته بالقصيدة الموزونة، وتخليصها من الأحكام المسبقة السلفية التي تجاوزها النص الإبداعي الجديد.

وفي هذا السياق نقترح قراءة مغايرة للتجارب الشعرية الشبابية المصرية، وهي تجارب جاءت بعد أن حطت “الحرب النقدية الحداثية” الكثير من أوزارها وأوارها الذي كانت تذكيه -في الكثير من الأحايين- النزعات الأيدلوجية الصارخة، والتي كادت تودي بجمالية القصيدة العربية، وتعصف بخصوصيتها الاستيطيقية، وبعد أن تمخضت هذه المعركة عن كثير من الانتكاسات  المرتبطة بالإخفاق الأيديولوجي التقدمي نفسه.

هكذا ارتأينا أن نجدد آليات الاشتغال المجازي من خلال تطوير مفهوم الاستعارة وتوسيعه لتجاوز حدود ما كرسته البلاغة العربية القديمة، والتي لم تَعْدُ كونها بلاغةً ضيقة، تعتمد في “إجرائها” على الثنائية اللفظية لطرفي الصورة البلاغية: (المشبه-المشبه به، المستعار منه -المستعار له، مع التركيز على اللفظ المستعار، المكنى- المكنى عليه، المسند- المسند إليه …)، وعلى التبويب والتقسيم والتجزيء وعلى الجملة أو الجملتين  مع انحسارها في اللفظ، دون أن تدفع بفعاليتها التوصيفية إلى حدود النص وأثره بصفة عامة، إلا ما تعلق ببعض الاستثناءات كالتمثيل والتخييل والوقع البلاغي مثلا، والتي لم تهتم بها البلاغة التقليدية في صيغته الأخيرة، إذ يمكن أن نقول وبكثير من التجوز: إنَّ باب الاجتهاد في البلاغة العربية أغلق بـ”مفتاح” السكاكي.

ولعل بسط العاهات التكوينية للنظام البلاغي العربي في شكله المدرسي المتأخر ليس مجاله في هذا البحث، إذ الرهان الحقيقي هنا هو تأصيل وتأثيل مفهوم مفتوح للاستعارة،  ينتمي للبلاغة الرحبة، والتي تقوم على اعتبار الاستعارة آلية للفكر تتجاوز أجرأتها حدود اللفظ إلى معنى أكثر شمولا وانفتاحا، ، هكذا بتعبير آ.أ. ريتشاردز، فإننا عندما نستعمل استعارة ستكون عندنا فكرتان لشيئين مختلفين تَعَمْلان معا، وتستندان إلى كلمة واحدة أو عبارة واحدة يكون معناها حاصل تفاعل هاتين الفكرتين”([1])، وعلى عكس النظرية التقليدية التي حصرت الاستعارة في المسألة اللفظية أي مسألة تحويل واستبدال الكلمات في حين كما يقرر ، آ.أ. ريتشاردز: “أنها في الأساس استعارات وعلاقات بين الأفكار، إنها عملية تبادل بين النصوص ..  الفكر الاستعاري وهو يعمل بواسطة المقارنة”([2]).

وبالدفع بهذا التصور إلى حدوده القصوى ضمن نظرية كلية لإنتاج المعنى في الثقافة العربية، فيمكن أن نعوض الحامل والمحمول- بتعبير ريتشاردز -، أي المستعار منه والمستعار له -بالتعبير التقليدي- بمفهوم أكثر عمقا وشمولية، ونقصد به مفهوم “النظام المعرفي EPISTEME، بوصفه: “جملة من المفاهيم والمبادئ والإجراءات التي تعطي للمعرفة في فترة تاريخية ما بنيتها اللاشعورية”([3])، أي أن  “النظام المعرفي في ثقافة ما، هو بنيتها اللاشعورية” ([4])، ونحن هنا نتكئ على فَهْم محمد عابد الجابري لمفهوم النظام المعرفي ، وهو فهم يختلف عن مؤسس المفهوم الأصلي المفكر والايبستيمولوجي الفرنسي مشيكل فوكو، الذي يرادف عنده، “لا وعي المعرفة” في فترة زمنية محددة([5])، وذلك لكون فهم الجابري، كما يؤكد نفسه،  نابع في ” مفاهيمه وتوجيهاته من طبيعة موضوعه الخاص: الثقافة العربية”([6])، والذي هو موضوعنا أيضا.

إن دراسة التجربة الشعرية الشبابية لا يمكن أن تتم بمعزل عن سيرورات أو صيرورات التطور الخارجي الكلي  في نسيج التحولات الثقافية والسياسية في المجتمع العربي بشكل عام، والتحولات الداخلية لآليات إنتاج المعنى، بما فيه الأداء الشعري العربي المتعلقة بالبنية الجمالية التجنيسية والرؤيوية التي يتيحها النظام المعرفي البياني الشعري، منذ المرحلة الإحيائية مرورا بالمرحلة الرومانسية وتجربة الشعر الحر، بموازاة مع إشكالات قصيدة النثر، مع تماس هذا النظام البياني الشعري مع باقي الأنظمة المعرفية المنتجة للمعنى في الثقافة العربية ونعني هنا النظامين العرفاني والبرهاني.

في آليات اشتغال الاستعارة الابستيمية:

إن الاستعارة حسب هذا التصور تقوم بدمج نظامين معرفيين في سياق تعبيري واحد، وضمن اشتراطات جنس الشعر، لتخلق بهذا التمازج معناها الجدلي، الذي يعتمده الشاعر لتَبْيِينِ وَ/أَوْ تَزْيِينِ فكرته عن ذاته وعن العالم، وإن المتأمل في تمظهرات اشتغال هذه الاستعارة الموسعة يستطيع أن يتبين نوعا مما يمكن أن نصطلح عليه بـ”التبادل الاستعاري المزدوج” بين النظامين المعرفيين/ البياني والعرفاني، أو بكثير من التجوز بتعبير توماس كون في “بنية الثورات العلمية” بين “بردغماين”/ الشعري والصوفي، فكما أن الشعر يتوسل الكون الصوفي في صياغة رؤيته التشعيرية للعالم، فإن  المتن الصوفي في المقابل يتوسل النص الشعري عن طريق إعادة دمجه مع سياق كونه وعوالمه فيتخذ دلالات أكبر، ويتحول مدلوليا عن معناه الأصلي وسياقه “الحقيقي” التداولي المرتبط بالنظام الشعري، ليدل على معان خاصة لا تفهم إلا ضمن سياقها الصوفي الجديد، حيث التجربة قائمة على السلوك، نتيجة أجرأة آليات التحليل الاستعاري نفسها، عن طريق قلب الطرفين الفكريين للاستعارة ، وهذا ما يفسر طغيان الشعر الخمري والغزلي في المتون العرفانية: كشعر أبي نواس وبشار وابن الرومي ومجنون ليلى، وهذا ما يبرر مثلا اضطرار ابن العربي إلى تفسير وشرح ديوانه”ترجمان الأشواق” بإيعاز من تلاميذه، بعد مرور عشر سنوات من صدوره، ردا  على فقهاء حلب الذين قرأوا الديوان ضمن نظام معرفي بياني فقهي ظاهري، وفي حدود ما يتيحه مفهومهم التقليدي لجنس الشعر،  دون أن يؤولوه تأويلا باطنيا عرفانيا، أي دون أن ينزاحوا بقراءتهم استعاريا لتتوافق مع نظام العرفاني المستعير، معتبرين أنه ديوان في الغزل المتمحور حول الحب الإنساني، وهو ما يبرر  أيضا التحولات الدلالية التي استشعرها أبو حامد الغزالي في إحياء علوم الدين، وأجاز من خلال ذلك السماع للأولياء لأن لهم فيه معان غير ما يفهمها العوام.

ما يهمنا نحن في هذا البحث هو ضبط آليات اشتغال استعارة الشعر للنظام العرفاني في تشكيل البنية المضمونية والرؤيوية للقصيدة، ومدى التحوير الدلالي الذي يخضع له هذا النسق العرفاني الصوفي وهو يذوب في نسيج النص الشعري، أي حينما يتحول المتن الصوفي إلى مستعار منه أو مسند بالنسبة للنظام المعرفي البياني الشعري، الذي يتموقع ضمن حدود المستعار له، بالتعبير التقليدي للبلاغة الكلاسية، بلاغة الأبواب الضيقة.

فالتعامل مع المتن الشعري للقصيدة المصرية الشابة، انطلاقا من هذا الفهم النظري الأولي، يقتضي وعيا متقدما بخصوصية هذا المتن، والتنوع  الكبير الذي يشهده حتى داخل التجربة الفردية الواحدة بين قصيدة وأخرى، بعيدا عن التنزيل التعسفي، أو القراءة الإسقاطية، بل يقتضي الأمر حرية إجرائية تساعدنا على استكناه رؤية هذا المتن الشبابي لذاته وللعالم، وملامسة إضافته الحقيقية للشعرية العربية، وآفاقه البعيدة التي يحاول قطعها بكثير من الانفتاح والتعمق في آن.

المراجع:

([1])  فلسفة البلاغة، آ.أ. ريتشاردز، ت: سعيد الغانمي، ناصر حلاوي، أفريقيا الشرق، الدار البيضاء، 2002، ص 94

([2]) فلسفة البلاغة، آ.أ. ريتشاردز، ص 95-.96.

([3])  تكوين العقل العربي، محمد عابد الجابري، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ط. 10، 2009، ص 37

([4])  نفسه.

([5])  نظام الخطاب، ميشيل فوكو، ت: محمد سبيلا، التنوير- بيروت، 2007.، ص 35.

([6]) تكوين العقل العربي، هامش 1، ص 55،

انظر في مفهوم النظام المعرفي: بغورة, الزواوي (2001). ميشيل فوكو في الفكر العربي المعاصر. بيروت: دار الطليعة للطباعة والنشر، والذي عرفه من خلال علاقته بالتاريخ بقوله:  “فإن الابستيمية ( النظام المعرفي ) ذات بنية متغيرة ديناميكية ، ذلك أن كل مرحلة تاريخية محكومة بابستيمية معينة ، تقطع مع سابقتها وتكون مقدمة لابستيمية لاحقة؛ أي أن الابستيمية (النظام المعرفي) تعبير عن قانون تاريخي لحقبة تاريخية”، في حين  نجد الجابري يستعمله بشكل آخر يمزج فيه بين ثلاث أنظمة معرفية متباينة ومتزامنة تاريخيا، يعتبرها متحكمة في إنتاج المضامين التراثية (البياني والعرفاني والبرهاني).

موضوعات متعلقة:

الرؤيا الشعرية في القصيدة الشبابية المصرية (2)

الرؤيا الشعرية في القصيدة الشبابية المصرية (3)

شارك المقالة عبر

تعليقات القراء

أضف تعليق

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تابع صفحتنا على فيسبوك

لأحدث أخبار فعاليات وندوات بيت الشعر بالأقصر

أحدث أنشطة البيت

أحدث المقالات

شعراء البيت

إنضم الى القائمة البريدية

إشترك في القائمة البريدية لبيت الشعر بالأقصر لتصلك أحدث الأخبار و المقالات عبر البريد الإلكتروني

الكلمات الدلالية الأكثر بحثا

spot_img