دراسة في ديوان أحمد نناوي

د. حازم مبروك

في هذا الديوان ملامح كثيرة تدور في فلك الشعر والمعنى اللذين يُعْنَى بهما الشاعر أحمد نناوي؛ فهما شغله الشاغل في هذا الديوان، يتضح ذلك بجلاء من عناوين قصائده: (شيء من التجلي – هكذا تكلم المعنى – الحالمون – كما يليق بشاعر – كما لو كنت أعرفه – هو لا يرى أحدا – حلم غامض – ثورة القلق )، فالمطالع لعناوين القصائد وحدها يستشف ما هو مقبل عليه من هم إنساني وإبداعي ونفسي كبير يحمله الشاعر بدءا من العنوان إلى نهاية القصيدة، وهو في هذا يجنح ناحية الأصالة والكلاسيكية، وموقفه المضاد للحداثة؛ مثلما يقول :

طغى المعنى

فهمتُ بهِ وهامَا
كلانا يقتفي

أثـرَ القـدامى

كأنا شاعرانِ

يرى كلانا

سماءَ المحدثين

غدتْ غمامَا

وما بعدَ الحداثةِ
ليس إلا ظلامًا

لا يرى إلا ظلامَا

إذا أبصرتهُ

يبدو مخيفًا
ولو أمعنتهُ

يبدو حُطامَا

هنا يبدو الموقف واضحًا من الحداثة، وهو المفهوم الذي يمكننا أن نتصور أنه ليس ضد الحداثة على الإطلاق؛ حيث ضمن الديوان بعض القصائد المنتمية لشعر التفعيلة، وهو لون من ألوان الحداثة، وبهذا يتضح من خلال الديوان موقف الشاعر المتمسك بالنهج القديم من حيث الشعر العمودي، وشعر التفعيلة الذي أصبح في المنتصف بين الأصالة والحداثة؛ بالنظر إلى ما استحدث بعده من أشكال حداثية كثيرة.

وصور التمسك بالقديم واضحة في الديوان، بدءًا من الاقتباس المنثور في حناياه؛ كما في قوله في القصيدة الأولى: (شيء من التجلي):

فقالَ:

ألم أقلْ لكَ ـ ذاتَ شعرٍ ـ
حذاري

أن ترى المضمونَ شكلا!

وهو اقتباس من قصيدة أحمد بخيت (كأنك العراق) في قوله:

تذكرت،سرنامعًا(ذات شعرٍ)
فقيرَين مهنتنا الكبرياء([1])

والقصيدة التي تمثل محور الارتكاز في الديوان (أحد عشر كوكبا) وهو اقتباس تام من قوله – تعالى- (إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ) وهو اقتباس يضيف إلى العنوان جلالا وفخامة، وهالة حول أحد عشر مقطعًا تتضمنها القصيدة.

كذلك في المقطع رقم (9) من القصيدة نفسها يقول:

فقلتُ:

هي البساطةُ

كاقترانِ

الحاءِ والباءِ!

وهو أيضًا اقتباس من القصيدة نفسها لأحمد بخيت حيث يقول في ختامها:

هنيئًا لم علموا الأبجدية

كيف تضيف إلى الحاء باء

على أن ورود التركيب عند قامة كبيرة كأحمد بخيت لا يشفع له في بعض السطحية التي تركن إلى ما يشبه الكلمات المتقاطعة لتكوين المعنى.

غير أن هذه الاقتباسات تضيف إلى نص أحمد نناوي ولا تأخذ منه، فهي تضفي على نصه حليات لغوية، ودقائق معنوية تمنحه تدبيجًا لفظيًّا ومعنويًّا.

المعنى العام للديوان والفكرة التي يدور حولها: المعنى والشعر وهو في أحيان يأخذ طابعًا صوفيًّا عميقًا، وفي أحيان أخرى يحمل همًّا إنسانيًّا يُعنَى بالإنسان همومِهِ و أحزانِهِ و أفراحِهِ، ما يعطي للديوان ثقلًا من حيث الموضوع و الفكرة التي يعالجها، وقد أحسن في التناول والطرح بحيث تصل الفكرة إلى القارئ من أقرب باب وأقصر طريق.

موسيقى الديوان

يغلب على قوافي الديوان القافية المطلقة خصوصًا المفتوحة، كما في قصيدة (شيء من التجلي)، ومطلعها:

على ما يقتضي المعنى تجلَّى

وقالَ ليَ: انتظرني ليسَ إلَّا…

وقصيدة (هكذا تكلم المعنى)، ومطلعها:

طغى المعنى

فهمتُ بهِ وهامَا
كلانا يقتفي

أثـرَ القـدامى

وقصيدة (هو لا يرى أحدا)، و مطلعها:

وجه مجازي

من الحزن انتشَى

يمشي…
فينحدرُ الطريقُ إذا مشى

وهذا ما يعكس نفسية الشاعر الطامحة إلى فضاء رحب من التنفيس والحلول، فينفتح بقافيته الفم والقلب معًا؛ فمما لا يخفى أثر الحركات في نهاية الكلمات، تلك التي لا تغلق باب الشفاه، وإنما تفتحه لمزيد من الأمل والرجاء، ذلك ما يطمح إليه الشاعر في مزيد من الصور البديعة التي تبدأ منذ القصيدة الاولى؛ فهو فيها يرى الشمس الحارقة ظلًّا، والوقت مطمئن اطمئنان الطفل الذي لا يأبه لشيء ولا يلوي على شيء، ويحذر أن يُخدَع بالصورة واللفظ عن المعنى الحقيقي للقصيدة والشعر، ثم يختمها باقتباس من قصيدة الهادى آدم (أغدًا ألقاك)، والتي شدت بها سيدة الغناء العربي أم كلثوم، حيث يقول:

وقال غدًا أعود لك انتظرني

ولا تحزن على ماض تولى

وهو من البيت عند الهادي آدم:

وغدًا لا نعرف الغيب ولا ماضٍ تولَّى([2])

بهذه الموسيقى المفتوحة والبحر الوافر الذي تتواصل أفكاره وتتابع نغماته و تتوافر حركاته([3])، تنفتح الآمال، و لا تغلق الأبواب.

انحصرت قصائد الديوان في بحرين لا ثالث لهما: (الوافر و الكامل) وهما البحران الأكثر شيوعًا في الشعر العربي على مر العصور، إلا أن هذا لا يشفع للشاعر في انغلاقه على موسيقى بحرين بحيث يخلو الديوان من غيرهما، فذلك مما يحد من انطلاقه؛ ففي كل بحر معنى مستقل حتى قبل أن يُكْتبَ عليه شعر، فمن البحور الطربية الراقصة كالرمل، مرورًا بالجادة الصارمة الطويل، إلى البحور الفلسفية كالمضارع والمجتث، والبحر الحزين المتقارب، كل ذلك حرم الشاعر منه نفسه لكنه أجاد فيما طرق من البحرين.

غير أنه نوَّعَ بين القصيدة الخليلية العمودية وشعر التفعيلة، وذلك بقدر محسوب فشعر التفعيلة في الديوان قصيدتان فقط، مما يعيدنا إلى الحديث عما تحدث عنه الشاعر من تمسكه بالكلاسيكية، في وجه الحداثة.

على أن النفس الشعري للشاعر في هذا الديوان ليس طويلا فالقصائد ليست بالمطولة، ولكن جنت إلى القصر في معظمها، ويكفي أن القصيدة الأول في الديوان تحوي عدة مقاطع، لكن نرى أن هذا يتناسب مع الشعر الحديث الذي يميل إلى هذا القصر ويمل من الإطالة، فلم يعد السامع ذا قدرة على تحمل قصيدة مطولة من خمسين بيتًا أو يزيد، وفي رأيي أحسن الشاعر في هذا لمواكبته العصر الحديث ليستوعب المتلقي ما يقول دون ملل.

المراجع

([1]) ديوان الأخير أولًا ، لأحمد بخيت، قصيدة كأنك العراق

([2]) من الرمل للهادي آدم في ديوانه (كوخ الأشواق)، ص:62، ط: مكتبة الكاملابي، والقصيدة بعنوان (الغد)، وقد طرأ عليها تعديل عند غنائها لتصبح:

وغدا ننسى فلا نأسى على ماض تولى

([3]) اللباب في العروض والقافية لكامل السيد شاهين ص: 38، ط: الأزهر الشريف 2016.

شارك المقالة عبر

تعليقات القراء

أضف تعليق

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تابع صفحتنا على فيسبوك

لأحدث أخبار فعاليات وندوات بيت الشعر بالأقصر

أحدث أنشطة البيت

أحدث المقالات

شعراء البيت

إنضم الى القائمة البريدية

إشترك في القائمة البريدية لبيت الشعر بالأقصر لتصلك أحدث الأخبار و المقالات عبر البريد الإلكتروني

الكلمات الدلالية الأكثر بحثا

spot_img