دراسة في ديوان كذبت عليك الريح

 دكتور /  حازم مبروك

الحديث عن الديوان يشمل عدة محاور:

المحور الأول: العنوان

من الكلمة الأولى في العنوان (كذبت) يظهر لنا ملامح المعنى العام له وهو المعاناة من الأمل المكذوب و جروح المتعددة نتيجة النظر إلى ما لا يُنال، والتعلق بما لا يتحقق، ثم يدعم الشاعر هذا المعنى بإضافة الكذب إلى الريح التي لا تستقر على حال والتي هي دائما رمز القلق كما قال المتنبي: عَلَى قَلَقٍ كَأَنَّ الرِّيحَ تَحْتِي([1])

بهذا يتضح ما نحن مقبلون عليه من رؤيا تميل إلى الانهزامية بعض الشيء، وهذا ما يحتاج إلى معالجة نفسية تدفع هذا الحس وتطغى عليه بكثير من الأمل والصبر، فهل وصل الشاعر في ديوانه إلى هذا أم أنه مال مع الهزيمة أينما مالت، هذا ما يتضح مع قراءة الديوان من خلال قصائده.

كذلك يحسن أن نطل على عناوين قصائد هذا الديوان حتى يتضح من خلالها ما يصبو إليه الشاعر فهي تدور جميعها حول العنوان الرئيس للديوان، فهي تحمل القلق والضباب والخوف والمجهول والترقب:

(وادي النمل – ما لم يحك فنجاني –  على شاطئ المعنى – كوب من الضوء – حارس الظلام – روح وطين – زفاف الدموع –  حوراء – سرابيل – ولد تخلى عن فؤاده – هروب من الروح  – كذبت عليك الريح – بقايا صعلوك – ولِكَي – روحان لانتحار واحد – في انتظار الوقت – إلى مجمع القلبين – لا صمت يدركه – خيانة الصمت – يا مجنونتي )

هكذا في القصائد العشرين التي هي قوام هذا الديوان تتمشى في عناوينه معاني الخوف والترقب والموت والفقد، وهو ما يشعرنا بروح من الظلام تسيطر على الشاعر فيما يقول، وهو ما يجنح بالديوان أن يكون فلسفيا ذاتيا، قلما يحمل هموم مجتمعه، فهو ينحسر على ذاته، وينحصر في دواخل نفسه، وهذا ما لم يعد مستشاغا بشكل كبير في الإبداع الشببابي الذي من المفترض أن يحمل هموم مجتمعه وقضاياه، وأن ينفتح على العالم لينصر فيه ويصهر فيه همومه، فتتجلى ذاتيته في جمعيته، ويتماهي مع ما يدور حوله، فيكون بهذا أقرب إلى قلب المتلقي الذي ربما لا يُعْنَى كثيرًا بما يمر به الشاعر من هموم وقضايا ذاتية؛ إذ إن الإبداع ملامسة القلوب على اختلاف توجهاتها، وهذا لا يكون إلا بمعايشة المجتمع واستدعائه في النصوص الأدبية.

المحور الثاني : اللغة

لغة الديوان في مجملها صحيحة تحمل معجمًا قديما متجددا إلا أنه إلى القديم أقرب، يطغى عليها الحس الشعري المؤلف للكلمات على نسق يبدو واحدًا، إلا انه يأخذ منحنيات عدة في تراسل القصائد، فتارة يكون قديما صرفًا، وتارة يأخذ من الحداثة شِقًّا، غير أنه يكثر من الاعتماد على الاسم في بناء الجملة يدفعه إلى ذلك القافية كما في قوله – في قصيدة وادي النمل- :

والبدر منذ خطيئة ما هلَّا

وقوله:

وخريطة الخطوات لم تتجلَّ

وقوله:

والفجر عن أفق الطريق تخلَّى

وقوله في قصيدة زفاف الدموع – :

قصص الغرام تخونها الأقدارُ

وفي قصيدته سرابيل:

سرابيل التشكك لا تقيني

وقوله:

شهيقك قد زنى بالأكسجين

إلى غير ذلك مما عمد الشاعر فيه إلى ابتداء الجملة الشعرية بالاسم وإنهائها بالفعل كي يلتحم بالقافية هو أو أحد معمولاته؛ مما يفقد النص شيئا من التفاعل والتجدد الذي يحدثه الفعل، ويقربها من التقرير الذي ترسخه الجملة الاسمية([2])، وإن كان هذا متسقًا مع فكرة الديوان العامة التي ترسخ للثبوت والتقرير منذ العنوان بالفعل الماضي.

ومما يحسب للغة الديوان أنها سهلة ميسورة ابتعدت عن الغريب من الألفاظ، والمستوحش من التراكيب.

غير أنه لم يسلم من الوقوع في التَّكرار الذي يظهر جليًّا في قصيدتيه: (وادي النمل) و (ولد تخلى عن فؤاده)، فالقافية في القصيدتين واحدة ولم ينجح الشاعر في الفكاك من أسر التكرار المتوقع في قوافي القصيدتين فتكررت عنده قوافٍ، هي: (لعلا –تتجل-تخلى- لا-إلا-مولى-ظلا) بل إن منها ما تكرر مرتين لا مرة واحدة كما في: (لعلا – تخلى- إلا- لا)،وبيان ذلك الآتي:

 1ـ لعلا

في قصيدة (وادي النمل):

حَتَّى إِذَا مَرُّوا بِوَادِي النَّمْلِ قَالتْ

نَمْلَةٌ للرَّاحِلِينَ  :لَعَلَّا!

وفي قصيدة: (ولد تخلى عن فؤاده):

عِشْ تَضَادًا

حتَّى تموتَ تنَاصًا

واحترِفْ خُدْعَةَ المجازِ

لعلَّا

وفي آخر النص:

كَمْ لَبِثْنَا؟

– لرُبَّمَا نِصْفُ يوَمٍ

من سُكُوتٍ

أو نصفُ قَرْنٍ لَعَلَّا

2ـ تتجلى

في قصيدة (وادي النمل):

عارٍ من القَسَمَاتِ وَجْهُ طَرِيقِكُمْ

وخَرِيَطَةُ الْخُطُوَاتِ لَمْ تَتَجَلَّ

وفي قصيدة: (ولد تخلى عن فؤاده):

مفرداتٌ مبعثراتٌ ومعْنًى

عالقٌ في المجازِ

كيْ يَتَجَلَّى

3ـ تخلى

في قصيدة (وادى النمل):

هَذِي ابتهالات المساءِ طريحةٌ

والفجرُ عن أفُقِ الطريقِ تخلّى

وفي قصيدة (ولد تخلى عن فؤاده):

قُلْتُ: كلَّا

قالتْ: بَلَى ليْسَ إلّا

عاشقًا عن فُؤَادِهِ يَتَخَلَّى

كَرَحِيلٍ بَلَا رَحِيلٍ..

كِلَانَا

يا  فؤادي عَنْ بَعْضِنَا نَتَخَلَّى

 

4ـ إلا

في قصيدة (وادي النمل):

قُلْ هَلْ أُنَبَّئَكُمْ بِآخَرِ وِجْهَةٍ للرَاحِلِينَ؟

-نَعَمْ!

–        إِذَنْ لَا إلَّا…

وفي قصيدة (ولد تخلى عن فؤاده):

ها هُنَا بَحْرٌ لا يُريدُ انْشقَاقًا

وعصاةٌ تكسَّرتْ  ليْسَ إلَّا

5ـ لا

في قصيدة (وادي النمل):

هيَّا اتْبَعُوُا النَّمْلَ الذي ما خَانَكُم

ثُمَّ اسْتَعِيذُوا بالطَّرِيقِ لِكَيْلَا..

وفي قصيدة (ولد تخلى عن فؤاده):

أوَليسَ الموتُ الحياةُ الخلودُ المعجزاتُ المسلّماتُ نعمْ لا…؟

يا صَدِيقِي

دعْنِي أرتِّلْ

ودعْنِي أكْتُبِ الشَّعْرَ

دَعْ دمُوعِي تَقُلْ لا

6ـ مولى

في قصيدة (وادي النمل):

في البدءِ، قد كتبَ الروايةَ هدْهدٌ

مازالَ خلْفَ الأحْجياتِ مولَّى

وفي قصيدة (ولد تخلى عن فؤاده):

هَا أنا عابرٌ

شهيقٍ أخيرٍ

صوبَ حزنٍ على الصدورِ مُوَلَّى

7ـ ظلَّا

في قصيدة (وادي النمل):

كُن أنْتَ ضَوْءَكَ لا هُنَاك ولا هُنا

إلا ظلامٌ لَنْ يُخَلِّفَ ظِلَّا

وفي قصيدة (ولد تخلى عن فؤاده):

ربَّما كُنْتِ…

ربَّمَا ذِكْرَيَاتِي

أُمْنِيَاتٌ تَعِيشُ فِي الَّليْلِ ظِلَّا

8ـ ولى

 في قصيدة (وادي النمل):

فَتَبَسَّمَتْ أقْدَامُهُمْ للْأرْضِ قَالَتْ:

أكْرَمُوَا الرَّكْبَ الَّذِي قَدْ وَلَّى

وفي قصيدة (ولد تخلى عن فؤاده):

كانْكماشِ الرؤى ومحْضِ انهزامٍ

كيَقِينٍ بِأَنَّ

عُمُرَكَ وَلَّى

وما كان أغنى الشاعر عن هذا التكرار لو أنه جدد في قوافيه، أو ادخر إحدى القصيدتين إلى ديوان آخر، وهذا بالطبع لا يعفيه من تكرار القوافي.

المحور الثالث: الاقتباس:

وهو سمة شائعة في الديوان لا تخلو منه قصيدة فيه؛ فهو دائم الاقتباس منه والأمثلة على ذلك كثيرة، فلا تكاد تخلو منه قصيدة، منذ القصيدة الأولى، وهو يقول:

حتى إذا مروا بوادي النمل قالت

نملة للراحلين لعلا

اقتباسًا من قوله – تعالى – : (حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِي النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ)([3]).

والقصيدة منذ عنوانها اقتباس من قصة النملة مع سيدنا سليمان –عليه السلام – الذي تداخل أيضًا في القصيدة الثانية مع سيدنا نوح وابنه في قصة الطوفان، مرورًا بتحطيم سيدنا إبراهيم للأوثان، حيث يقول الشاعر:

قيلَ: ادْخلِ الصَّرْحَ

 مَن بعدي سيدخلهُ؟

ومَن سيكتبُ بَعْدِي عَنْ سُلَيْمَانِ؟

لا عَاصَمَ اليومَ غيْرُ الماءِ أوْضَعَنِي

كيْ أرضعَ الموتَ من أثْدَاءِ طوْفَانِ

ويَنْجِبُ القلبُ نمْرُودًا فأسْألهُ:

متّى يُحَطِّمُ إبراهيمُ أوْثَاني؟

كذلك في نص: (حارس الظلام):

سَأذْبَحُ وقْتِي  أنا شاعرٌ

تعاطَى القصيدةَ ثُمَّ عَقَرْ

وهو اقتباس من قوله تعالى -: (فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرْ)([4])

وغيره كثير من الاقتباس من القرآن الكريم الذي أبدع فيه الشاعر، وطهَّم به قصائده لتضيف معانيَ متجددة إلى معانيه، وتجعلها في ثوب قشيب من الفكرة والتوصيل.

المراجع

([1] ) صدر بيت للمتنبي، يمدح الحسين بدر بن عمار بن إسماعيل الأسدي الطبرستاني،  وتمامه:

على قلق كأن الريح تحتي    أوجهها يمينًا أو شمالا

وهو في ديوانه: ص:140، ط: دار بيروت للطباعة والنشر 1403 هـ، 1983م.

([2] ) الجملة الاسمية للأستاذ الدكتور علي أبو المكارم، ص9، ط: مؤسسة المختار للنشر والتوزيع، ط1: 2006.

([3] ) سورة النمل، من الآية 18.

([4] ) سورة القمر: الآية 29.

شارك المقالة عبر

تعليقات القراء

أضف تعليق

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تابع صفحتنا على فيسبوك

لأحدث أخبار فعاليات وندوات بيت الشعر بالأقصر

أحدث أنشطة البيت

أحدث المقالات

شعراء البيت

إنضم الى القائمة البريدية

إشترك في القائمة البريدية لبيت الشعر بالأقصر لتصلك أحدث الأخبار و المقالات عبر البريد الإلكتروني

الكلمات الدلالية الأكثر بحثا

spot_img