رمزية العطاء وسيمفونية البيئة دراسة في الشعـر العامي

أ.د/ عصام خلف كامل

يمثل شعر “العامــية” ثروة لا يستهان بها، نستدل على ذلك من خلال مادته الشعرية، فتبدو اللهجات وتطورها واضحة في ثنايا الشعر العامي، وفي ذلك ما يدفعني للقول بأن شعر العامية هو امتداد للشعر الفصيح، وصورة من الصور المكملة للهجات المصرية التي تختلف في معانيها وطريقة نطقها داخل المربع الجغرافي الواحد حسب موقعيتها، وطريقة قربها من المناطق الحضارية أو البدوية أو ارتباطها بالمناطق الريفية التي عمت أرجاء مصر وأركانها..

بل إن كثيرا من أشعار العامية حفظها الناس وتناقلوها من عصر إلي عصر، وقليل من قام بتدوينها، وكثير من تناقلها مشافهة..

ولا يخفى علينا أن كثيرا من شعر العامية ضاع لعدم تدوينه، ومنذ القدم لم يحظ بالتدوين إلا في أيام الأندلس، وهو ما نجده عند الشاعر ” ابن قزمان”.

وعود على بدء: –

تعد قضايا الشعر العامي من القضايا المجتمعية المرتبطة باللوم والعتاب والعاطفة وحب الوطن، والهجر، والصدود، والحنين، والشوق، والعودة إلي الماضي، والقلق والحرمان….إلــخ

الجانب القصصي: –

وقد تنوعت أشعار “أحمد الجميلي” فيما بين العودة للماضي عبر اتخاذه للجانب القصصي في معظم قصائده معتمدا في ذلك على البنية الحكائية، فهو ينظم قصائده معتمدا على الجانب الحكائي، وهو جانب لا يخلو من الدعابة، كما أن كافة أشكال البنية الحكائية مرتبطة بالبيئة، ومنتزعة من خلالها، إلا أن أهدافها وما ترمز إليه تختلف من قصيدة إلى أخرى، أو من حكاية لأخرى..

ولا يمكن أن نغفل في قصائده ما يعكس صورة حية للأحوال الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التى تمر بها البلاد في مراحلها الزمنية والتاريخية المختلفة. ففي قصيدته ” دخول “يردد المواقف التي تمثل نمطا بيئيا في كل البيئات المصرية، وما بها من تلميح لرمزية العطاء بلا مقابل، والشموخ والتحدي أمام كل شئ.

ويبدأها من البدايات المعروفة للواقع الشعبي القروي وكأنه يروى حكاية أويقص نمطا أو حكاية شعبية، بل إنه يذكرنا بأعياد قد نسيناها بدءًا من:

” لحظة خروج الزهرم السنبلة”

إنها بداية التعانق الفعلي بين الأرض وأصحابها… وهو بدايات العطاء الذي لا يتوقف في فكرة ارتباط الإنسان بالمكان والرمزية هنا توحي بالتغير، الذي يرفض كل أشكال القوانين الطبيعية وما بها في تحد صارخ لكل ما حوله..

     شكل الطبيعة الناقص / الأكمل

  رجل النخيل لابسه النجيل خلخال

    رقب النخيل فوق النجيل ضلل

  أول بداية ثورة ع القوانين

     نظرة جميل بيبص ع الأجمل

  هذا الحكي عن ولد في النور.

وفي قصيدة ( ارفعني من اللوح القزاز) ما هي إلا تعبير عن الفرار من الواقع، وحالة الصراع والتخبط، ولا يخفى علينا ما في الحوار من صراع واضطراب داخلي، حيث إن الصراع هو الوسيلة الجمالية الوحيدة لإبراز العواطف المتناقضة والمضطربة في نفس الشاعر.

من بدايات القصيدة تلمح الحوار في “قلت السلام” والطلب من المولى عز وجل ” امنحنى طيارة رجوع.. لزمن ما قبل اللحظة دى .. قبل الطريق الضلمة والنور العصى .. قبلن ما غضبك يسبق الرحمة… ويسكن في العتب … قلت السلام عليك يارب..

ولعل الحوار ما بين الدخول بالسلام والخروج بالسلام يخفي بداخله حيرة الشاعر من التعثر فيما بين العودة لما مضي، أو التطلع للمستقبل.

وهو ما يؤكده في المقطع الثاني :

” مكفى على اللوح القزاز

 مكفى وعنيا بتشـر ناس

يا صاحب / الحكـم

في أمورى … لا مساس

إلا أن اللون والبيئة يجسدان تعانقا ملموساً في شعر أحمد الجميلي، من حيث البشرة السمراء .. وما يقابلها من ” العتمة” ..

بهلوان والمهزله من طبع لونك

  بهلوان والحزن من شهوة فضولك

  بس يومها كلهم ..

 علشان كتير ضحكتهم

 راحم يبكو لك..

أمـا “حامد عامر” فإنه مهموم بالمستقبل والتوقف عند عقدة الخواجة التي عششت بداخلنا وهو ما ينادي به المجتمع من الخروج من عباءة الآخر..

وفي شعر حامد عامر تبدو التقريرية المباشرة واضحة في شعره، حيث يبدو الإهداء مجسدا لما سيكون الديوان عليه من أشعار مثل قوله:

     لـ أمـى .. وشهداء الحريــة.

     لـ أبويـه .. ورفـاق الــدرب.

     لـ الناس والبيوت الطين فبلدنـا…

فهو مهموم بقضايا وطنه وعروبته انظر إلـى قوله في قصيدته ” قماشـه ”

    لسـه يـدك تحت خـدك

    لسـه هقــول الديباجـه

   لسـه فـيك عقـده خواجه

  الـبرود عشــش فجوفـك

  بـس خوفك من عنيهم لقنك آخر دموعك

  لــو بكيت راح تبقى فاشـل

  أو تكمـل بــيك بــدونك

 وفي قصيدة ” السقف البوص”

يعود بنا إلي البيئة وقسوة الحياة على كل فلاح مصري، ومدي البساطة التى عاش فيها الجدود (مثل أبويا ومثل أبوك)، لذا فإن العنوان ” السقف البوص” فهو عنوان منتزع من البيئة وما حوته من بساطة ومن تعاسة في آن واحد، فالبساطة في الرضا بكل شئ وأقل القليل، والتعاسة في هذا المشهد الحزين وتعاسة الفلاح القديم ومدى معاناته، وهو ما طرحه من قبل شاعرنا الصعيدي ” محمود حسن إسماعيل” في ديوانه ” أغاني الكوخ ”

انظر إلى قول “حامد عامر” في هذه القصيدة :

 أنا كنت أول حد جاع

   ساب لقمه حاف

 علشان يسكت جوع أخوه

  وأنا كنت أول من بكا

  فليلة شتا علشان مكانش

 ليه غطا غير توب أبوه..

إنا الشاعر هنا يعطى مثلا للأسرة المصرية الريفية البسيطة في حياتها ويتجلى صدق الاحساس بأن يتحدث عن حاله بكل واقعية وشفافية، ويرى في والده حياة كل الفلاحين المصريين، وما تحمله هذه الحياة من شقاء وتعب، إلا أن الجوانب الإيمانية تسكن كل ما بالمكان والقناعة والرضا شعار لا مفر منه…

أنظــر إلى قوله:-

        أبوية اللى قضـى ..

   طول عمره راهب.

      ما طلعش من دير الشقا

     غير لمـا مـات

     كان يسبح قدما تدوق الطريق

          من حس قدمـه…

    ويصلي غير بتلت آيات

                    أبويه ده اللى كل شق فكفه كان

   آية من سورة ياسين

                   كان يحلب لينا من لياليه العجاف

    صبر طيب.

                  فتخضه جوه القلب يطلع

                  حلم يكفي سبع سنين..

إن القضية هنا قضية كل فلاح مصري أهلكته المعاناه، وأجهدته مرارة الأيام، وقضت عليه ظروف الحياة.

وكما نوهت سابقاً من أن شعر العامية يجسد الكثير من القضايا المجتمعية فإن شعر حامد عامر يطرق قضية الطبقية وأثرها على النفس والصراع بين الفقر والغني، وقد صور ذلك في مقطع بسيط إلا أن دلالاته تشكل نمطا مغايرا ومخالفا لما سبق .. فقد اختار مناسبة وصورها بعدسته بشكل مختلف، رسم من خلال التصوير أبعادا اجتماعية موضحا أثر انعكاساتها النفسية على الفرد وعلى المجتمع انظر إلى قوله:

  كام عيد يا والدي وإحنا بالتوب القديم

 عيال الخلق لابسـه جـديـد

 وأنـا واخـواتـى نتطلــع

 عـيال الخلـق ليـها العـيد

 بتفــرح فــيه وتجلــع

 كـام عـيد يـا والــدى…!

 كـام عـيد يـا والــدى…!

 وأنـت مبلـى زي تــوبـك

 ولا خابـر تعيـش يـومــك

 ولا قــادر تموت فـ نهــار

 جراح مفتــوحة عالبحــرى

وأيــــام الزمــــن زوار

     لم يتوقف الأمر على الوالد. ومـأسـاته في مواجهة الفقر، وما يتركه الفقر خلفه من آثار نفسية على الأم مثل الأب وبنفس الحجم أو القدر، بل إن الفقر يبدو صعباً على الأم.. انظر إلى قــوله :

  وأمي لسه فيها من طبع الغلابـة

  نـص شبعه .. ونص ضحكه .. ونص موته

  قلب محروق م الوجع لكنه بينبت خضــار

  كحبـة قمــح فـ رحــايــا

  بتطحنها الســنين لـينا

  بتخـبز باقى ضحكتها عشان تفرح

  وترجع تبكـى قبليـنا..

إنها مأساة الفقر الاجتماعي وأثرها على حالة الأم تلك الحالة التى تمتد بطبيعتها إلى الأبناء، ومن ثم يكون انعكاسها بشكل مباشر أو غير مباشر على المجتمع وقد أبدع الشاعر هنا في رسم الصورة أيما إبداع، وهى صورة تدل على صدق التجربة، وقوة الإحساس، وجمال الرؤية، وحسن التعبير ..

وهذا المعنى يتكرر في كثير من قصائده، ففى قصيدته “حافظاه الشوارع صم” يكرر أثر الفقر والجوع وذلك في قوله:

  عـن حـد حافظاه الشوارع صــم

  ومكانه أول صف/ فـ موائد الرحمن

  سايق عليكى الدوسه وأنــا نــايم

  فــوق الرصـيف ع الــريق …

  تعفينـي من برد الشـتا والموت انا وعرقان

  ومـا هـو ضــروري الشـقا

  يدخـل معايــه القـبر …

  الفقـر لو زنازين فالمسجونين جدعان

  سايق عليكى الصبر والعفـة والمرجله

  ما تكمليش سجــان ..

     وعــود على بـدء :

فكثيرا ما يعتمد شعراء العامية – على وجه الخصوص – على اللون بوصفه عاملا يجسد معني الصورة .. وما اللون إلا انعكاس للبيئة والمكان، واللون الأسود/ الأسمر، له دور فعال في قصائد “أحمد الجميلي”، فما بين الحزن واللون ارتباط لا إرادي، يقول الجميلي: –

  أنا ابن حزن صحيح .. لكن قلبي نضيف

  أشبه لوش الرغيف إذا ابـتدى يخــمر

  في العتمة قلبي يثور … تشربني نور أسمر

  وفي البشر مخنوق .. رغم إتساع الكـون!!

ومن ثم فهو يحاول أن يعبر طبيعـة اللون وأثره على نفسية الشخص فالكثير منا قد لا يبالي بجمال البشرة السمراء التى أحس بها وبسلوكيات أصحابها منذ الجاهلية الشاعر العربي ” عنتره العبسى ” وهو ما يؤكد عليه من جديد ” أحمد الجميلي ” حيث يقول :

  من سواد داكن بنطلق للــنور

  وأدور

  زى اللى جسمه محركاه السمـا

  قلبـي اللـي سـاكن

  بين  ضلوعـي نمـا

  والســر

  لــو جــاوز

  الـــروح

  تتولـد لـه ودان

  با أحمل كتابي وبا نشطر ل  اتنين

  أنا اللى مولود مني

  من قبس رحمان

  علمتني القصـيدة

  اتفضـح – مســتور

  وأرقـص فوق السطـور.

  وأكمــل – النقصــان

وليس الشاعر العامي بمتأى عن قضايا العروبة وقضايا القومية، ومن أهم هذه القضايا قضية القدس الشريف، يقول عمر مهران في قصيدته الفصل الأخير:

 وقد عشت أحلم أن أستفيق على صدر ليلاى

 أن أعتلى صهـوة الشعر

 أن أدخل القدس في ثوب جدي

 وأمسح عن خـد زيتونها دمعة

 كنت أحلم أن تستعيد الطفولة حق الحياة وحق اللعب

 وأن تستعيد العصافير حق الغناء

 وأن تستعيد حقـوق الأدب ..

إن ” عمـر مهران ” هنا يتحدث عن الحلم المفقود الذي تعلقنا به جميعاً حلم دخول القدس، إنه لا يفكر كما يفكر الساسة من العرب، فهو صاحب حلم بسيط، وبساطة الحلم تكمن من بساطة ارتباطها بالواقع المعايش فهو كما يقول : –

  فــتي قروي

 عرفت الحياة على ضفة النيل بين السنابل

 والسائرون على الجسـر

 لا يعرفون قوانين مندل

 لكنهم يزرعون كما قالت الأرض يوما لأجدادهم

 بسطاء وفيون للفجر والفأس والأغنيات:

 لنا الطين والأرض حيلى بآلامنا

 لم نرد غير سقف ولقمة عيش وضحكة طفل

 لتعلمنا أن في مصر متسعا للحــياة

 ولكن بى زحمة من بكاء الغلابة والعاشقين

 دوى قطـار

 صدى التكنولوجيا

 سؤال ملح عن الله

 فلسفة في الوجود .. الــخ

إن شعر العامية شعر يعبر الآفاق ويتحدث من خلاله الشاعر عن كافة القضايا المجتمعية والقومية فهو شعر ارتبط بحدود المكان وقضاياه إلا أنه يتخطى ذلك في غالب الأحايين ليضمن بين دفاته القضايا القومية والعربية.

بل إنه كثيرا ما كان تعبيرا عن الشعور الجمعى، ولسان صدق لكل من نما وترعع على أرض العروبة.

 

شارك المقالة عبر

تعليقات القراء

أضف تعليق

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تابع صفحتنا على فيسبوك

لأحدث أخبار فعاليات وندوات بيت الشعر بالأقصر

أحدث أنشطة البيت

أحدث المقالات

شعراء البيت

إنضم الى القائمة البريدية

إشترك في القائمة البريدية لبيت الشعر بالأقصر لتصلك أحدث الأخبار و المقالات عبر البريد الإلكتروني

الكلمات الدلالية الأكثر بحثا

spot_img