شعراء مميزون (1) ..نور الدين جمال والمنظور الوظيفي للجملة

 أربعة تجارب شعرية تستحق الدراسة

(نور الدين جمال – هناء المشرقي – كرم عز الدين – محمد ملوك)

أ.د أبواليزيد الشرقاوي

مرّت الشعرية العربية بمراحل من التطور من العصر الجاهلي حتى اليوم، وفي كل حقبة ظهر شعراء حاولوا تغيير مسار التيار الشعري، نجح أقلهم، وفشل أغلبهم. وعَكَسَ التاريخُ النقدي الجدلَ الذي ثار حول هذه المحاولات، بدءا بالصراع بين القدامى والمحدثين مرورا بشعراء الطبع والصنعة حتى وصلنا إلى نهايات القرن الخامس الهجري، فبدأ الشعر يدخل في تيار من الخمول استمر طويلا حتى مطالع العصر الحديث، الذي طرح أسئلة على الشعرية العربية كان لها تأثير ملموس جعلها دائمة الصراع بين الثبات والتحوّل.

وفي العصر الحديث ظهرت محاولات التطور بغزارة، قياسا على التاريخ القديم، لدرجة يشعر معها المراقب أن هذا هو عصر الجدل الثقافي الشعري حول قيمة الأشكال الشعرية، وأيها أولى بالبقاء والمحافظة.

أثمر الجدل الشعري شكلين شعريين جديدين، هما شعر التفعيلة وقصيدة النثر، وعمل نفس الجدل على تعزيز قيمة الشكل الموروث (العمودي) وظهر الصراع بين هذه الأشكال من قبل خصومها وأنصارها، فما من شكل منها إلا ووجه له أعداؤه كل محاولات النقض والاتهام، والامتهان، الذي يصل أحيانا حد الهوس والضلال.

يوحي هذا الجدل بأن هذه الأشكال منعزلة في نقاء ظاهر لدرجة أنك تستطيع أن تضع يدك بسهولة على خصائص بنيوية لكل شكل تميزه عن الشكلين الآخرين، لكن – بكل أسف – لا يوجد إلا خصيصة واحدة، وهي الوزن، فهي المعيار – الوحيد-الذي يدور حوله كل الجدل بلا مبالغة، وينطلق السؤال في محاكمة الوزن الشعري الموروث من سؤال مربك: هل الوزن مكون جمالي أو بنيوي؟

وإجابة هذا السؤال تحدد توجّهك الفني. فإن آمنت بأن الوزن الشعري مكون جمالي فهذا معناه أن (الشعر) موجود ويأتي الوزن حلية وجمالا يحسّن من قيمة الشعر، ويدلّ على صحة هذا الكلام أن (الشعر) موجود في كل لغات العالم ولا يقول عاقل بأن الشعر الهندي أو الصيني أو الياباني أو الإنجليزي أو الفرنسي موزون مقفى على أوزان الخليل بن أحمد ومع خلوّه من هذه الأوزان فهو (شعر) ولا ينكر أحد أنه شعر، وبهذا الاعتقاد تفتح من وعيك العقلي بابا يدخل منه الشعر الحر وقصيدة النثر، لأن (الشعرية) بهذا الاعتقاد لا ترتبط بالوزن.

والاعتقاد بأن الوزن مكون بنيوي معناه أن غياب الوزن غياب للشعر. وأن الشعر لا يكون بدون الوزن، وفي هذه الحال لن يسمح وعيك النقدي بقبول الشعر الحر أو قصيدة النثر، وسوف تعتبرهما ضلالا ثقافيا، قد يكون هذا الضلال “جميلا” ومقبولا وتعترف بأنه “كتابات” جيدة أو “نصوص” أو أي اسم لكنه ليس شعرا.

هذا الجدل – كان ولازال-لم يصل إلى نهايته، وسيستمر، لأن هذه طبيعة الثقافة القائمة على تعارض وجهات النظر. والتحيزُ للأفكار والانتصارُ لها هو الذي يخلق الشعر.

بعيدا عن الدخول في هذا الجدل (غير الخلاق) إذا قرأنا ما وصلت إليه الأشكال الشعرية الثلاثة (العمودي والتفعيلة وقصيدة النثر) سنجد أمرا غاية في الأهمية لم يقف أمامه النقاد إلا في حالات معدودة،  وعلى عجل،  وهو  أن هذه الأشكال الثلاثة تخضع بنفس النسب ونفس الطريقة لكل المستجدات الثقافية والأفكار الشعرية والنقدية العالمية والوافدة إلينا من الثقافة الغربية،  مما ترك أثره المتشابه على هذه الأشكال الثلاثة،  لدرجة أنك إذا نحيت الحديث عن الوزن جانبا،  وتعاملت مع (النصوص) بعيدا عن العنصرية الموجهة ضد/ أو مع الوزن،  سوف تكتشف أنها (نصوص) منسجمة جدا مع بعضها،  وتكاد تكوّن (تيارا) شعريا (واحدا) من جهة المضمون والصياغة الفنية والأسلوب والوعي العقلي وبناء الصور والمعجم والهواجس والعوالم الشعرية التي تعكسها هذه (النصوص)،  ووقتها تشعر أن هذا الجدل (السابق الإشارة إليه حول هذه الأشكال وقيمتها) إنما هو من باب الهوس بالصراع حول اللاشيء.

لحسن الحظ تتوزع الدواوين الأربعة التي معي على هذه الأشكال الشعرية الثلاثة، وسيدرك القارئ أني لم أتوقف أمام الشكل الشعري لأن الفروق المترتبة على الشكل شكلية في المقام الأول وجدلية، ولا تفيد كثيرا في القيمة النقدية.

  • نور الدين جمال، والمنظور الوظيفي للجملة في ديوانه: هوامش على الصراط

يغلب على الشعرية العربية المعاصرة الابتعاد عن الموضوعات الكبيرة (السرديات الكبرى كما يحلو لبعض المتثاقفين التعبير عنها) فإذا كان الشعر القديم قد قام على (موضوعات) مثل الغزل والمدح والهجاء والوصف والرثاء مثلا،  وكانت هذه الموضوعات ذات معايير اتفق عليها الشعراء والنقاد ملزمة للكاتب وتعين القارئ على متابعة ما يقوله الشاعر بقياس هذا الكلام على التصورات الذهنية التي وعاها حول طبيعة الفن الشعري،  فقد اختفت هذه الميزة الكبرى التي كانت تضمن استمرار الشعر (إبداعا وتلقيا) وحلت مكانها (أمور) أخرى ليس من بينها هذه الموضوعات التي شكلت جوهر الشعر القديم،  بل إن مجرد التفكير في إحياء هذه الموضوعات ربما يشكل خروجا على الذوق العام في جيلنا،  وعلى سبيل المثال فإن شعر (المدح) الذي شكل قمة الشعر العربي،  وكان هو المقياس الذي يتفاضل به الشعراء،  لدرجة أن شاعرا مميزا مثل عمر بن ابي ربيعة أو جميل بثينة،  تتراجع قيمتهما ولا يمكن أن نجدهما في أي تصنيف  ضمن الطبقة الأولى لسبب واحد،  وهو أنهما لم يقولا في المدح،  وفيما يتعلق بالمدح في جيلنا, فلو قام شاعر بمدح بديل الخليفة والأمراء  اليوم (مثل رئيس الدولة أو رئيس الوزراء أو المحافظ أو وزير الدفاع)،  وقال في أحدهم:

ما شئت لا ما شاءت الأقدار   فاحكم فأنت الواحد القهار

فإن أبسط ما نرد به على ذلك أنه (منافق) و(انتهازي) وباحث عن منصب، لأن الوعي الحديث لم يعد يعتبر المدح ضمن الفنون، وبالمثل نفس الكلام عن الهجاء، الذي ابتعد عن أن يكون فنا.

شكّل غياب الموضوعات الكبرى عن الشعر المعاصر أكبر التحديات التي واجهتها الشعرية المعاصرة، بالنسبة للشاعر والقارئ، فلم يجد الشاعر أمامه موضوعات “جاهزة” للحديث، وكذلك المتلقي افتقد “الوصفات” الجاهزة لتلقي هذه الفنون، وبالتالي بحث كل شاعر عن “موضوعه” وتكنيكه الخاص به.

بالنسبة لنور الدين جمال فقد لجأ في هذا الديوان إلى تعويض غياب الموضوعات بنصوص توحي ولا تحدّد، وتترك للقارئ مهمة تحديد العالم الذي ينقله النص، واقرأ من نص طويل بعنوان “هامش النجدين”:

قلت أودّع صورتي

وأذوب في الذكرى

ستنكر ما مضى، ولسوف تأخذك الحياة لحيّها

والبحر تسكنه العيون

لطالما

اتسع الخيال

وأدركتني السيرةُ الأمُّ

الحياة ثقيلة يا بنتَ أيامي

وموجعةٌ ظلالُ الهجر

كم شقّتْ بيوتا صرخةُ الجوع الأبيّةُ

وانزوت في التيه جدّاتٌ تحِكن الليلَ للمتناثرين على

الوسائد

حالمين

وغافلين، وليس توجعهم مرارة لحظة اللقيا

ولا صمتُ الوداع، ولا عروشُ السادة المتقاعسين عن

اتساق بصيرة بالنور

سيدةٌ بلا شطئان

أو بلدٌ بلا بطل حقيقي

ولا بنتٌ تورّد خدُّها في الليل واستلقت على صدر الشتاء

الرحب

أو قمحٌ ستبدره القصائد خلسةً للطيبين

وللرمال سلالة أخرى

سوى ملح العيون وقصة الجدات

يا حلم الصباح وصمته

يا وجهك الصبح المراوغ

بهجةٌ لا تنتمي للوقت

أمطارٌ بلا سحبٍ

تطل على النوافذ

تستقي الأورادَ

والضحكات من عينيك

إطلاقا

وهدهدةً

فراشات ملائكة ستسبقني الخيال

ورحمة للعارفين

ودقة في الرصد

بدءا بالعنوان (هامش النجدين) ستدرك أن المتلقي يواجه هذا النص دون مدونة نقدية عكس ما يحدث إن قرأ نصا عنوانه (قال في مدح فلان) فإن التأكيد على أن القصيدة في (المدح) يجعل المتلقي يستدعي خريطة ذهنية تم تكوينها من خلال أعراف نقدية تعارفت على تقاليد مرعية تجب على الشاعر إذا كتب نصا في المدح، وبناء على هذه التقاليد يواجه المتلقي النص، أما هنا فإن (هامش النجدين) عنوان ملغز، فالنجدان هما الطريقان، والهامش هو الجانب، فما الذي يمسك به المتلقي من (هامش النجدين) كي يستعد لتلقي النص؟

فإذا ما واصل القراءة فإن الفقرات التي نقلتها (والترقيم من عندي) عن أي موضوع تدور؟ الفعل قالت، يوحي بأن (سيدة) ما تخاطبه، ولكن سرعان ما يزول هذا الهاجس مع مواصلة باقي القراءة فإن مقول القول – إن صح أنه مقوله – عبارة عن مقولات مستقلة، ولا تكوّن خطابا متماسكا، (أودع صورتي) (وأذوب في الذكرى) (ستنكر ما مضى) (ولسوف تأخذك الحياة لحيها)، هذا كل ما قالته التي قالت في مطلع النص، ومن ثم تكون المهمة ملقاة على عاتق المتلقي لبناء معنى متماسك للنص.

يعتمد النص على بناء خيالي، يزرع الشاعر جُمَلَهُ في فضاء خيالي، وكل جملة توحي بأنها تحيل إلى معنى، إنْ وقفت عليها مستقلة أفادت إحالة واقعية، لكن جمع كل الجمل لا يقيم إحالة مكتملة، يعتمد الشاعر على هذا التكنيك ويستمر.

ينتقل إلى الفقرة الثانية، وهي مكونة من مقولات ثلاثة (والبحر تسكنه العيون) والذي يربط (البحر) وما سبقه هو رابط شكلي (واو) العطف فيوحي هذا بأن الكلام متصل، ولكنك إذا فتشت عن رابط حقيقي بين (البحر) وما سبق فلن تجد، وحتى ما بعده (لطالما اتسع الخيال) (وأدركتني السيرة الأم) هنا أيضا يعمد الشاعر إلى إبقاء فجوات بين الجمل الشعرية. ويمكن أن تجرب قراءة باقي المقاطع، فالمقطع الثالث مبدوء بلفظ (الحياة) وهو مقطع جديد والرابع بلفظ (سيدة) وهي سيدة ظهرت في سياق القصيدة لا تحيل على أي مضمون أنثوي سابق، برغم وجود ضمائر وأسماء تحيل على مؤنث في الجزء السابق من القصيدة، لكن صفات هذه السيدة التي هي (سيدة بلا شطئان) تبدو ضربا من التصوير المجازي، وسيلاحظ القارئ ذلك من حرف العطف (أو) فإذا بها (بلد بلا بطل حقيقي).

من المدهش في علم النص اعتبار خفاء المعنى (وليس غيابه) من علامات التميز في النص، لأن أي نص يقدم معناه مباشرة هو نص ضعيف يتبع إعلامية من الدرجة الأولى، وتصفه النصية بأنه نص “يقدم وقائع مبتذلة” وهذا لا يكون إلا إذا كانت الوقائع المسرودة مما يتوقعه المرء. وفي المقابل فإن “المحتوى غير المحتمل في الهيئة غير المحتملة تصفها النصية بأنها إعلامية من الدرجة الثالثة، ويكون دائما متسما بصعوبة الإجراء ومثيرا للجدل الحاد” وبين هذين المستويين مستوى وسط (محتوى غير محتمل في هيئة محتملة) أو (محتوى محتمل في هيئة غير محتملة)، وهذا هو المستوى الثاني من الإعلامية.

ويؤكد دريسلر ودي بوجراند على أنه “يعثر المرء على إعلامية من الدرجة الثالثة في الوقائع التي تبدو لأول وهلة خارجة بعض الشيء على قائمة الخيارات المحتملة. وهذه الوقائع قليلة الحدوث نسبيا وتتطلب قدرا كبيرا من الاهتمام وموارد المعالجة، غير أنها تكون في المقابل أكثر إمتاعا”.

تتحقق إعلامية (هامش النجدين) من خلال ما أطلق عليه علم النص (الانقطاعات والفجوات. والانقطاعات هي إكمالات نصية فيها تبدو تشكيلة ما خالية من المادة، أما الفجوات في “اللاتساوق” الأساسي بين النص والقارئ …  فالافتقار إلى موقف مشترك وإطار مرجعي مشترك يماثلان اللا شيء .. إن اللا تساوق واللا شيء هما شكلان من أشكال الفراغات اللا محددة والتكوينية”.

ويمكن مراجعة ذلك من الفقرة الأولى في الشاهد السابق، وكذلك الفقرة الثانية والثالثة،  ففيها ثمة محاولة مقصودة لإعاقة القارئ عن الفهم من خلال إخفاء التماسك بين الجمل، ولذلك بدت العبارات داخل هذا الشاهد – كما سبق توضيح ذلك – وكأن كل واحدة منها عالم مستقل، وبالتالي “تتحول من إساءة الفهم إلى عدم القابلية على المعرفة” ويكون متلقي النص بحاجة إلى البحث في ما سكت عنه النص، ويعتبر علم النص ذلك من علامات نجاح منتج النص، لأن “قناعة مستقبلي النص ستكون أكثر قوة عند قيامهم بتزويد محتواه بأنفسهم،  ويصبح الأمر وكأنهم يقدمون ذلك القول بأنفسهم”،  ويمكن متتابعة هذه الفجوات في باقي النص الذي ينبني على سلسلة من الانقطاعات كما في هذه الفقرة: (يا حلم الصباح وصمته) (ويا وجهك الصبح المراوغ) (بهجة لا تنتمي للوقت) (أمطار بلا سحب) (تطل على النوافذ) (تستقي الأوراد) (الضحكات من عينيك) (فراشات) (ملائكة ستسبقني الخيال) إلى آخر الفقرة، ،  فليس بين المنطوقات محتوى يمكن الزعم بأنه يشكل قضية يدور حولها البناء النصي. ومثل هذه الإعلامية فيما ذهب إليه آيزر عامل نجاح للنص، لأنه اعتبر هذه الفجوات والانقطاعات من محفزات القراءة والتأويل، “فما هو مخفي يستحث القارئ على الفعل، ولكن هذا الفعل محكوم أيضا بما هو ظاهر، فالتصريح بدوره، يتحول حينما يتكشف التلميح، وحين يردم القارئ الفجوات يبدأ التواصل”.

موضوعات متعلقة:

شعراء مميزون (2) هناء المشرقي وإحياء رمزية معاصرة

شعراء مميزون (3).. التواصل المعرفي وبناء الصورة

شارك المقالة عبر

تعليقات القراء

أضف تعليق

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تابع صفحتنا على فيسبوك

لأحدث أخبار فعاليات وندوات بيت الشعر بالأقصر

أحدث أنشطة البيت

أحدث المقالات

شعراء البيت

إنضم الى القائمة البريدية

إشترك في القائمة البريدية لبيت الشعر بالأقصر لتصلك أحدث الأخبار و المقالات عبر البريد الإلكتروني

الكلمات الدلالية الأكثر بحثا

spot_img