شعراء مميزون (2).. هناء المشرقي وإحياء رمزية معاصرة

 أربعة تجارب شعرية تستحق الدراسة

(نور الدين جمال – هناء المشرقي – كرم عز الدين – محمد ملوك) 

ا.د ابواليزيد الشرقاوي

هناء المشرقي وإحياء رمزية معاصرة

تكتشف هناء المشرقي مدخلا مناسبا لها تعوّض به غياب (الموضوعات الكبرى، يتمثل في رمزية عاطفية، (الرمزية هنا بالمعن اللغوي، وليست بالمعنى المذهبي) من خلالها يتم خلق رمزية عاطفية عالية وغنائية مفرطة، تعوّض ما فقدته القصيدة المعاصرة، من مخزون عاطفي وقيميّ كانت تستمده القصيدة من التواصل مع الموضوعات الكبرى التي قامت عليها الشعرية القديمة.

من نص طويل بعنوان (آخر العبرات) اقرأ لها:

آخرُ العـَبَرات

قادمٌ .. قد قالها ثمَّ انصرفْ

فَرْحِي المَوْثوقُ في ظلِّ الصُّدَفْ

لؤلؤي المدفونُ في ثلج النَّوى

عاريًا مِنْ دفءِ أحضانِ الصَّدَفْ

ذاك عمرٌ بعد عُمْرين

انقضى

وَغَريبُ السِّر عنهُ ما انكشفْ

عاثرًا يا حظُّ – مَحمومَ الخُطى

زاحفًا تمشي على ساقٍ وَكَفْ

لاثِمًا صمتي، وبَوْحي ما انتهى

إنَّما حِبْري مِنْ الأقلام جَفْ

رَقَّتْ الأحْجارُ .. ما رقَّ الذي

مِنْ عُيون الماءِ يا عيني انذرفْ

نَخْلُ جَنَّاتِ الهوى يا تَمْرَهُ

باتَ يستجديكَ مِنْ عُقْم السَّعَفْ

يا خَفِيَّ الطَّيْفِ … مَرْئيَّ الجَفَا

رأسُ سَهْمِ البَيْنِ في نَحْري وَقَفْ

مُثْقَلٌ بالطَّعن يا قلبي الذي

كلُّ نَبْضٍ فيكَ عَنْ جُرْحين شفْ

خَازنُ العِشق الذي ما خُنْتُهُ

عنهُ يقصيني بِما لمْ يُقْتَرَفْ

عَنْهُ يُقصيني، وإقصائي رَدَىً

صبَّ في النَّفس انتهائي … واغْتَرَفْ

زَجَّ بي في الوَيْل … في قَعْر الأسى

وَوَليُّ الأمرِ خَصمٌ مَا نَصفْ

طفَّفَ المِيزانَ في شَوْقي فلنْ

بَعدَ طولِ الصَّبر لنْ نُجْزَى الغُرَفْ

تذكّرك هذه القصيدة بغنائية شعراء الديوان وأبولو، بل إن فيها صورا لها صدى في شعراء ابولو، لكن مع فارق كبير يجعلها (رومنسية معاصرة جدا).

منذ العام 1990 وما تلاها من (عاصفة الصحراء) وما بعدها، انتهت الأفكار الكبرى عن القومية العربية، وأصبح الزجّ بأفكار العروبة والقومية أمرا مثيرا للريبة في عالم عربي بدا كل شيء فيه آخذا مسارا جديدا، انتهى بثورات الربيع العربي وما تلاها من انقسامات ما زلنا نعيشها.

أدت سخافةُ الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي إلى انصراف الشعر عن (المحتويات) المضمونية التي كان المعاصرون السابقون يرددونها، ولم يبق إلا الشكل. صحيح أن أثر الشعرية القديمة يظهر لكن في الغنائية والعاطفية لا أكثر، أما سوى ذلك من مضمون وصياغة وموسيقا، فهنا أمر جديد(3).

يظهر هذا (الأمر الجديد) في بناء الصورة عند هناء المشرقي، وهي (مثل شعراء جيلها) تبتعد عن فلسفة الصورة البلاغية القديمة القائمة على التشبيه والاستعارة، واشتراط القرينة، والإصرار على وضوح طرفي الصورة. كان القدامى يلحون على أن تكون الاستعارة تشبيها محذوفا أحد أركانه حتى يتمكن المتلقي من رده إلى أصله، ولعل الإجراء النقدي الشهير الذي تحول إلى كليشيه يوضح هذه الفكرة عندما نصرّ على أن نقول (شبّه الشاعر كذا بكذا وحذف كذا “المشبه به” وأتى بشيء من لوازمه وهو كذا) هذا الإجراء الأشهر في التعامل مع الاستعارة لا يزيد عن الإصرار على التعامل معها باعتبارها تشبيها غاب طرف من أطرافه.

يختلف الأمر عند هناء المشرقي، اقرأ أول بيتين، ستجد مطلع الكلام (قادم .. قالها ثم انصرف) هذه عبارة ذات مرجعية معجمية لا لبس فيها، وتبدأ الدلالة الإيحائية (الوظيفة الشعرية) من الشطر الثاني (فرحي الموثوق)، وتقصد الشاعرة (الموثق) أي المشدود الوثاق ولا تكون (الموثوق) لأنها من الثقة، وهذا ما لا يدعمه سياق الأبيات، وإن كانت الضرورة الشعرية تجيز ذلك وتقبله، ولكن ما يعنينا أن (الفرح الموثق في ظل الصُّدف) لا يمكن حله بأنها شبهت كذا بكذا … إلى آخر الإكليشيه المتعارف عليه، بل إن (ظل الصُّدف) (جمع صُدفة) هي استعارة لا يمكن فكها بنفس الإجراء المتعارف عليه، أيضا.

وفي البيت الثاني كله سيبدو الأمر أكثر إرباكا (لؤلؤي المكنون في ثلج النوى عاريا من دفء أحضان الصَّدف) هنا تكمن شعرية القصيدة المعاصرة عموما، وهناء المشرقي خصوصا.

يمثل الجيل المعاصر مقدرة مميزة على بناء المجاز، ويبهرك مجازهم لكنك تحار عند دراسته، مما يؤكد أن دراسة صور المجاز القديم وتقسيمها إلى تشبيه واستعارة وكناية … الخ باتت عاجزة عن ملاحقة الإبداع الجديد وأننا بحاجة إلى تصنيف المجازات الجديدة ومحاولة تقديم تصنيف لها يبتعد عن الجمود القديم في وصف العملية الشعرية.

بعُرْف البلاغة القديمة هنا (إحالة) أي مبالغة وصلت حد التطرف غير المقبول، ومن ثم يتم رفض مثل هذه النصوص ببساطة، والكل يعرف مدى الامتعاض الذي أثاره أبو تمام في نفوس القدامى، حتى قال بعضهم (إن كان هذا شعرا فكل ما قالته العرب باطل) وهذا معناه بوضوح: ليس شعرا. إن ما أخاف القدامى في شعر أبي تمام واتهموه بسببه بالمبالغة والإحالة والخروج على (طريقة العرب) سيبدو أمرا مخففا جدا بالقياس إلى المجاز المعاصر، وصور هناء المشرقي، ومن ثم ستبدو هذه المجازات في حاجة جادة إلى دراسة جادة خصوصا أننا لا يمكن أن ننكر إعجابنا بهذه المجازات التي تندّ عن التصنيف وفق المنظور العتيق.

تستمر هناء المشرقي في نصها (آخر العبرات) فتبهرك غنائيتها ومقدرتها على إثارة كل هذا النغم، وهذه الرغبة العارمة في صياغات مجازية لا يخلو منها بيت، ويكون المجاز فيها جامحا، ويأتي كل هذا مضافا إلى هذه الغنائية العالية والموسيقية الواضحة، وهو ما يشد القارئ ويسيطر على وعيه، ويجعله لا يتوقف عند الدلالة المعجمية للكلام، والأصل في الشعر أنه يعمل على تغييب هذه الدلالة المعجمية ليُحِلَّ محلها الدلالة الإيحائية وهذه هي الوظيفة الشعرية التي أكد عليها ياكوبسون.

وإن نجح المتلقي في مخاتلة الشاعرة والنظر فيما وراء الغنائية والمجاز سيجد أن النص لا يزيد عن تكوينات مجازية، وعبارة عن قفزات شعورية تخضع للتداعي الحر، يغلب عليها المباشرة وعدم الرمزية، أو القناع أو توظيف الأساطير إلى آخر هذه التكنيكات التي مارسها الشعراء قبلهم.

وهي تكنيكات تخلت عنها القصيدة المعاصرة(4) (وليس هناء المشرقي وحدها) وقدمت الشعرية المعاصرة نفسها للقارئ مباشرة دون اعتماد على إجراءات فنية يختفي وراءها الشاعر. وأَعِدْ قراءةَ البيتين الثالث والرابع (ذاك عمر بعد عمرين انقضى) غنيّ عن البيان أن الشاعرة – كشأن كل شعراء جيلها – تلجأ إلى التذييل (وهو أن ينتهي المعنى، والوزن لم يكتمل وتكون الشاعرة مضطرة إلى إضافة تعبيرات داخل البيت أو في آخره، لإكمال الوزن، وليس المعنى الشعري) وهذا موجود منذ العصر الجاهلي، وفي شعر امرئ القيس – أقدم شاعر نعرفه-نماذج عديدة للتذييل، أشار إليها البلاغيون.

ويظهر التذييل بشدة في القصيدة العمودية، ويظهر كذلك عند هناء المشرقي في البيت الأول (فرحي الموثوق في ظل الصدف) وفي البيت الثاني في قولها (في ثلج النوى) وفي البيت الثالث (بعد عمرين) والرابع (زاحفا) يليه الفعل (يمشي)، وواحد منهما يغني، وفي البيت السادس يكاد التذييل يشغل البيت فنجده في (ما رق الذي من عيون الماء يا عيني انذرف).

ومن المدهش أن هذا التذييل – وهو في الأصل حشو زائد على المعنى – يلعب هنا دورا جماليا يساهم في بناء جماليات القصيدة، ذلك أنه يعمل على تشويش الدلالة، ويعوق توصيل المرسلة اللغوية، وهذا مهم في الشعر، لأنه في اللحظة التي تعمل فيها الصياغة على إعاقة الدلالة المعجمية تنشأ الدلالة الإيحائية، ويكون هذا هو موطن توليد الشعرية.

مقالات متعلقة:

شعراء مميزون (1) نور الدين جمال والمنظور الوظيفي للجملة

شعراء مميزون (3).. التواصل المعرفي وبناء الصورة

شارك المقالة عبر

تعليقات القراء

أضف تعليق

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تابع صفحتنا على فيسبوك

لأحدث أخبار فعاليات وندوات بيت الشعر بالأقصر

أحدث أنشطة البيت

أحدث المقالات

شعراء البيت

إنضم الى القائمة البريدية

إشترك في القائمة البريدية لبيت الشعر بالأقصر لتصلك أحدث الأخبار و المقالات عبر البريد الإلكتروني

الكلمات الدلالية الأكثر بحثا

spot_img