شعراء مميزون (3).. التواصل المعرفي وبناء الصورة

أربعة تجارب شعرية تستحق الدراسة

(نور الدين جمال – هناء المشرقي – كرم عز الدين – محمد ملوك)

  • كرم عز الدين والتواصل المعرفي مع التراث

شكّلت “القطيعة المعرفية مع التراث” محور دراسات عديدة، وبدت (القطيعة) – في أحيان كثيرة – هاجسا منشودا. من ثم عكست تجربة كرم عز الدين وعيا حقيقيا بالتراث، وبدت كأنها تطوير (وليس مجرد متابعة) لبعض جماليات التراث.

على سبيل المثال، سنأخذ هذا الشاهد، نص بعنوان (بسمة من ضلع الألم):

ربما تتبسمينَ للحظة ٍ

فتُزيلُ بسمتُكِ الكآبةَ

في النفوسِ الباليَةْ

ربما تتبسمينَ

وتنثرين العطر َفيَّ

وفي النفوسِ النافقاتِ الخاليَة ْ

ربما تتبسمينَ ..

وتشرقينَ على ظلامِ الكونِ

مشكاةً وحيدةْ

يا صبيّةُ…

ربما قلبٌ صغيرٌ أخضرٌ

ما زالَ يحيا طالبًا لبشاشتِكْ…

لا تحرميهِ من ْالحياةِ الباقيَة ْ

حَضَرتْ على ٰأعتابِ قريتِنا الخرابْ …

كانتْ خطاها منبتًا للأمنيات ِ

وما أرقَّ خطىً خَطتْها

كلما حضنت ْبنعليْها أراضٍ باكياتٍ..

هدّأتْها

كلما لمست ْبنعليْها خرابَ الأرضِ ..

أنبتَ كلَّ أجناسِ الرياحينِ التي انتثرت

إذا رفعتْ خطاها

أقبلتْ عودًا تَهَادىٰ في موسيقاهُ العتيقةِ ..

فاعزفيني يا صبيةُ

إنني مقطوعةٌ منْ لفظةٍ ما فارقَتْ جوفَ السُّكارى

”أعشقُكْ”

فاعزفيني

واعزفي تلكَ الشرايينَ التي مُلِئَتْ بحُبِّك

ربما يبقى صداها بعدَ ذلكَ شاهدًا ..

….سيري ببطءٍ فالفؤادُ بساطُكِ الملكيُّ …

يحيا كلمَا لمسَتْ خطاكِ خيوطَهُ الحمراءْ

أرجعي تاجي إليَّ فإنّني أحتاجهُ

وضعيهِ فوقَ بساطِكِ الملكيِّ

يرتدُّ البساطُ فتىً أحبَّك..

أرجعي تاجي إليه فإنّه يحتاجهُ!

هذا غزل – في جوهره -امتداد للغزل العذري، بل لطبقة عالية منه، فالتراث العربي جعل من الغزل تجربة في المعاناة والألم يتحملها الشاعر وكأنها قدره الأسطوري، بل ويستعذب هذه المعاناة ويعيش من أجلها، وغنيٌّ عن البيان التأكيد على أن هذا مسلك الشعري، وليس الصورة الحقيقية الواقعية للمحب، فالشعر فن قائم على “التخييل” و”الصدق الفني” هو المطلوب، وليس “الصدق الواقعي”، فلا يعنينا هل حدث ذلك بالفعل أو لم يحدث، قدر ما يعنينا مقدرة الشاعر على إقناعنا بأن هذا “قد حدث”.

اهتم الغزل (التراثي) بكشف أثر الحب على المحب (الشاعر) وبيان المعاناة التي يتعرض لها، ولم يهتم كثيرا بكشف هذا الأثر على المحبوبة، بل لتأكيد هذا الهدف (بيان أثر الحب على الشاعر) ذهب الشعر في الغالب إلى رميها بعدم المبالاة والظلم والتلاعب، ولم يهتم بالحديث عنها إلا بالقدر الذي يبرر ارتباط الشاعر بها، وهذا هو الملمح الخارجي المتمثل في الشكل والجمال الظاهري، أما (الإنسانة) بروحها وعالمها الداخلي وجمالها الأخلاقي فلم تكن مما يعني الشعر القديم (أو حتى الحديث).

وفي الغزل العذري ظهرت إشارات إلى هذه الجوانب الإنسانية والخلقية في المرأة، ويمكن ان تجدها لدى مجنون ليلى وقيس لبنى وجميل بثينة، ومنهم انتقلت إلى بعض الشعراء الحسّيّين، لكن هذا الوصف الداخلي للمرأة لم يشكل تيارا شعريا في الغزل.

من هنا تأتي ميزة كرم عز الدين في هذا النص الذي استطاع فيه أن يتخلى تماما عن الأوصاف الحسية الخارجية. والأوصاف التي يمكن أن ننسبها إليها، وهي (التبسّم-العطر – صبية-بشاشة-النعل – الخطى) هذا كل ما يمكن تخيله منها فقط، وبعضها يتكرر مثل “خطى” و”تبتسمين”، وحتى اللفظ الذي يتقاطع مع الوصف الحسي، حينما وصف القدامى قوامها بأنه “عود بان” فإن الشاعر وصفها بأنها “عود” لكن ليس “عود بان” بل العود آلة الموسيقا المعروف، وهي كما ورد: أقبلت عودا تهادى في موسيقاه العتيقة”، وشتان بين لفظي العود هنا و “عود بان” في الوصف التراثي المعروف.

لا يمكن بحال من الأحوال أن نتحدث عن “ملامح” هذه المحبوبة، أو صفاتها الخارجية، وكل ما لدينا صورة شفيفة لروح إنسانية تنشر البهجة والحضور والحياة في أي مكان تذهب إليه، وتبدو هذه المحبوبة “دواء” نفسيا لكل آلام الحياة، ففي مطلع النص تدور الأبيات التسعة الأولى حول أثر بسمتها على الكون، وهي بسمة “تزيل … الكآبة في النفوس البالية” و”تنثر … العطر في الشاعر وفي النفوس النافقات الخالية” وحينما تتبسم تشرق “عن ظلام الكون، مشكاة وحيدة”.

وحينما حل حضورها بأعتاب “قريتنا الخراب” نبتت الأمنيات، وهدأت الأرض الباكية، ثم يختم الشاعر بهذه الصورة الجميلة وغير المسبوقة (كلما لمست بنعليها خراب الأرض / أنبت كل أجناس الرياحين التي انتثرت/ إذا رفعت خطاها)

لأسباب عديدة بدأ الغزل في العصر الحديث بدءا من الرومانسيين يتخطى الحيز الذي حصره فيه القدامى، وتحت دعاوى عديدة مثل الاهتمام بالإنسانية والتعاطف مع المهمشين اتجه الرومانسيون في الغزل إلى الراقصات والساقطات اجتماعيا وتقديمهن باعتبارهن ضحايا نظام مجتمعي فاشل، واتجهت الواقعية إلى تصوير “سخافات” الواقع وسفاسفه، فبدأت ألفاظ “اللامساس” تظهر في الشعر، وبمرور الوقت بدأ شعر الغزل (في الحقيقة هو بعيد عن الغزل، وإن كان يدور حول المرأة) – بدأ هذا الشعر يستوعب طائفة من ألفاظ الجسد، وتعمّد الشعراءُ الحديثَ عن هذه الألفاظ التي تصل أحيانا حد خدش الحياء، لدرجة أن أصبح “خطاب الجسد”(5) موضوعا نقديا، ودارت عدة كتب نقدية حول دراسة هذه الظاهرة.

في هذا السياق تبدو تجربة كرم عز الدين مميزة إذ حافظت على هذه الرومانسية الروحية والنظرة المتسامية للمرأة (الإنسانة) والتي تصل بها إلى حد “القداسة” فهي في النص الشاهد نموذج يغلب عليه البعد الروحي والقيم الروحية، ويغيب عنه – تماما – البعد الجسدي الفاني.

  • محمد ملوك وبناء الصورة

اقترح الناقد والشاعر الإنجليزي المعروف سيسل دي لويس ضرورة (6)“التمييز بين الشاعر الذي يطرح موضوعا قديما بمعنى معاصر فيخلق فكرة جديدة، والشاعر الذي لم يحدث سوى تغييرات لبقة في موضوع قديم، والشاعر الذي يتناول موضوعا جديدا” وميّز في “الشاعر الذي يتناول موضوعا جديدا” بين حالين: شاعر لا يقدم شيئا ذا بال، برغم جدة الموضوع، وشاعر يقدم موضوعه الجديد بحيوية فيلفت انتباه الدارسين والقراء إليه.

لم تكن الصورة الشعرية موضوعا جديدا على الشعرية العربية، فمنذ القدم قال الجاحظ (إنما الشأن في الصياغة) وطالما شبه القدامى الصنعة الشعرية بصنعة النجار في الخشب أو صنعة الصائغ في الحليّ، أو النسيج، المهم أن التصوير كان حاضرا، وإن لم يفرد له القدامى فصولا تدور – صراحة – حول الصورة الشعرية. وفي النقد الحديث أصبح موضوع الصورة الشعرية أحد المداخل التي أعاد النقاد قراءة الشعر (قديما وحديثا) من خلالها، متأثرين في ذلك بالنقد الأوربي، وظل الأمر على هذه الحال حتى خَفَتَ صوتُه في النقد المعاصر، ولكن المدهش أن الإبداع الشعري أحيا التصوير وجعله أحد أهم مولدات الشعرية العربية المعاصرة، لدرجة أن دواوين كاملة – بل وشعر شعراء كاملا – تقوم على صناعة الصور.

تخلق هذه الصور حيوية القصيدة كما يبدو في هذا الجزء من قصيدة محمد ملوك الطويلة بعنوان (أنتِ الذين أحبهم):

هدَّمتُ أصنامًا

على عُـبَّادِها

وخرجتُ

لا الصحراءُ واسعتي

 ولا البحرُ امتدادي

هذي الرياحُ مَنَحْـتُها

  رِئَةً

فكلُّ قبيلةٍ تحت الرمالِ

وكلُّ قافلةٍ مُشَـرَّدةٌ بِـوادِ

زمنٌ

يَخِرُّ ككوكبٍ

لا الليلُ مُنْـتَبِهٌ

  ولكنَّ السماءَ على الحيادِ!

يتنفسُ العدمُ الرماد

كما تَنفَّسَت الوجودَ خرائبُ الخلقِ الرمادِ

عدمٌ

 فهل في اللوحةِ اكتملَ الفراغ؟

وأَيْقَنَ الظِلُّ / السرابُ

بأنَّ خِفَّـتَهُ مجازٌ

كالحياةِ؟

أنتِ الذينَ أحبُّهم

  أنتِ الذينَ يُقَابِلونَ الروحَ

 من كلِّ الجهاتِ

يا هؤلاءِ

أَضَأْتِ

اشْتَعَلَتْ مسافاتٌ مُحَرَّرةُ الـمَدى

  وتَوَهَّجَتْ كالشمسِ ذاتي…

مَن مِنْكِ أَفْرَدَني هنا؟

ومَن اصْطَفاني مِنْكِ؟

 فانْفَرَدَتْ صِفاتي…

 تَسْتَنْهِضِينَ القلبَ من أسبابهِ

 وتُشَيِّدِينَ نَبِيَّ عِشْقٍ من فُتاتِ!

 ما زلتُ باسْم الحبِّ أَبْتَكِرُ النجومَ

وأرقبُ الوَهَجَ الـمُواتي

فبأيِّ تَنْـزِيلٍ سَيُرْسِلُني الهوى؟

 وبأيَّ أرضٍ

سوف تظهرُ معجزاتي..؟

في مفرداتِ الغَيبِ

 ألمحُ خَفْقَةَ الكونِ الجديد

في الشاهد السابق نجد محاولة بناء صور جميلة، مفككة عن قصد. أعد قراءة الأبيات:

هدّمتُ أصناما/ على عبّادها/ وخرجت

لا الصحراء واسعتي/ ولا البحر امتدادي

هذي الرياح منحتها رئة

فكل قبيلة تحت الرمال

وكل قافلة مشردة بواد

زمن يخر ككوكب

لا الليل منتبه

ولكن السماء على الحياد

يتنفس العدمُ الرماد

كما تنفست الوجودَ خرائبُ الخلقِ الرمادِ

إذا أعدنا توزيع الصور بهذا الشكل الكتابي، ستبدو الصور الثلاث الأولى بلا رابطة، وتظهر الرابطة في الأبيات الرابع والخامس والحادي عشر، من خلال حرف العطف (ف – و) وأداة التشبيه (كما)، وباستثناء هذه الروابط اللفظية لا يوجد منطق يجعل هذه الصور مجتمعة هكذا، وحتى هذه الروابط الثلاثة إذا تأملنا في الصور لن نجد رابطة حقيقية تجمع بين الصورتين (3و4) فالمفترض أن حرف الجر العطف الفاء يفيد التعقيب فتكون الصورة الرابعة نتيجة للصورة الثالثة، ولكن لا توجد رابطة منطقية تجعل اختفاء القبائل تحت الرمال تعقيبا على منح الشاعر رئته. ولأن الصورتين (9و10) مجازيتان مغرقتان في المجاز فإن قوله (يتنفس العدم الرماد) لا يقود – أبدا – إلى قوله (كما تنفست الوجود خرائب الخلق الرماد). هنا لا يكون إلا القارئ هو الذي يملأ فجوات النص ويساهم في إنتاج الدلالة.

إن قراءة القصيدة كاملة تعطي قارئها انطباعا بأنها في (الغزل) فالقصيدة تشبه ابتهالات يوجهها الشاعر إلى المحبوبة في محرابها، هذا هو الذي يقع عليه القارئ، وهذا الشعور العام هو الذي سيعمل على مساعدة القارئ في إعادة بناء الدلالة.

ولأن الأنواع الجديدة للسلوك – كما ذهب إلى ذلك دي لويس – تولّد صورا شعرية جديدة، وهي تستلزم أساليب جديدة، سيكون من الطبيعي أن تتغير الصورة الذهنية عن المحبوبة لتبدو بهذا الشكل:
أنت الذين أحبهم/ أنت الذين يقابلون الروح/ من كل الجهات/ يا هؤلاء/ أضأتِ/ فاشتعلت مسافات محررة المدى/ وتوهجت كالشمس ذاتي/ من منك أفردني هنا/ ومن اصطفاني منك/ فانفردت صفاتي

هنا لا تكون إلا الصور الكثيرة هي المجال الأنسب لغرس هذا الإحساس الجديد، بالشعور الجديد، الذي يحاول الشاعر أن يؤكده في هذه القصيدة الجميلة، ففي فوضى هذا العالم الذي نعيشه – مرغمين – تعمل هذه الصور (المفككة عن قصد) على رسم طريق خاص بالشاعر في فوضى العالم، وتحاول أن تترك أثرها العاطفي والعقلي على القارئ، وأعتقد أن الشاعر (محمد ملوك) ينجح بصورة مدهشة، ففي ديوانه – الذي يحمل عنوان هذه القصيدة : أنت الذين أحبهم – يجهد ذاته لبناء صور كثيفة، ينجح من خلالها في رسم طريقه الخاص في دنيا الشعر، وكما عبر هو، يكون ذلك من خلال:

لغة من النور استحالتْ عالما

فتخلّقتْ ماهيّةٌ وتجسّدتْ أسماء

موضوعات متعلقة:

شعراء مميزون (1) ..نور الدين جمال والمنظور الوظيفي للجملة

شعراء مميزون (2).. هناء المشرقي وإحياء رمزية معاصرة

شارك المقالة عبر

تعليقات القراء

أضف تعليق

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تابع صفحتنا على فيسبوك

لأحدث أخبار فعاليات وندوات بيت الشعر بالأقصر

أحدث أنشطة البيت

أحدث المقالات

شعراء البيت

إنضم الى القائمة البريدية

إشترك في القائمة البريدية لبيت الشعر بالأقصر لتصلك أحدث الأخبار و المقالات عبر البريد الإلكتروني

الكلمات الدلالية الأكثر بحثا

spot_img