شعرية الشكل وتحولات المضمون دراسة في دواوين شابة (2)

د. محمود الضبع

الوعي والقصيدة :

ليست كل القصائد المنتمية إلى الشعر المعاصر تحمل وعيا . ودائما هناك صراع بين الجميل وبين الكشف عن الوعي ، وتلك إحدى تحديات النص الشعري.

لحظة الوعي في القصيدة قد ترد عبر جملة ، أو كلمة ، ولكنها هي التي تبقى حتى بعد الانتهاء من القصيدة .

فعلى سبيل المثال ، تنتمي كثير من الدواوين المنجزة في إطار قصيدة النثر إلى الاتجاه الذي يحتفي بالذهني على حساب البلاغي، وهو اتجاه عالمي له مريدوه ومؤيدوه ، وله رافضوه من باب الصعوبة التي يواجهها التلقي ، وبخاصة إذا كان النص مسموعا، ولكن على أية حال فإن شعرية قصيدة النثر بكاملها تكتسب التواصل معها عبر قراءتها وليس عبر الاستماع إليها، لأسباب عديدة منها اعتياد الأذن على الإيقاع العروضي ، وعدم اعتيادها على الإيقاع الداخلي الذي تبنته قصيدة النثر ، ومنها الفجوات العديدة في مساحات التلقي التي تعتمد عليها القصيدة قياسا إلى الشعرية العمودية أو التفعيلية مثلا .

غير أن الوعي دوما حاضر في صياغة التركيب وبناء الصورة، وهو ما يمكن الكشف عنه في الدواوين السابق الإشارة إليها ، والتي تتحرك في إطار محاولة الوقوف على التحولات التي طرأت على حياتنا المعاصرة ، إذ لم يعد الشعر موضوعه الحكمة ، ولا تقديم الحقيقة للمتلقي ، فليست هناك حقائق موثوق في جوهرها ، وليست هناك تجليات واضحة يمكن اعتمادها لتأكيد الحقيقة ، وهو ما صورته القصائد عبر مقولها ، في حديثها عن الحرب والتيه والخراب الذي يحل على العالم ويسكن الروح ، والتباين الشديد بين البشر ، والجفاف الذي يملأ الحياة من حولنا ، إذ يمكن قراءة هذه الدواوين من منظور التحليل المضموني (تحليل المحتوى ) للوقوف على الوعي الثقافي للكتابة ، والاشتباك مع القضايا والأزمات العديدة للحياة ، والوضع العام الإقليمي والمحلي والشخصي ، وهو ما يفضي في النهاية لقراءة الوعي عبر بنية القصيدة إجمالا .

المجاز والنزوع نحو التجريب :

اللغة الشعرية لغة مجازية بطبيعتها ، ويكون المجاز فيها هو الناتج عن تجاور وتعالق الدلالات لإنتاج تدلال جديد ( بمفهوم النَّظْم كما تحدث عنه عبدالقاهر الجرجاني) ، حيث تنتقل اللغة في وظيفتها من مجرد الإخبار إلى الوظيفة الشعرية ، تلك الوظيفة التي تتحقق في الشعر باعتمادها على الاستعارة أساسا ، فى مقابل النثر الذى يعتمد على الكناية أو المجاز المرسل، حيث لا يتم الانتقال من شئ إلى شئ شبيه به كما هو الحال فى النثر، وإنما يتم الانتقال من شئ إلى شئ آخر مجاور.

وفي سياق التجريب في أبنية القصيدة بنهاية الألفية الثانية وبداية الثالثة تتسع مساحة التجريب في المجاز وأبنيته بما يصبح معه أحد أهم ملامح الشعرية ، بل غدا الأمر أنه على قدر توسيع بنية المجاز تكون الشعرية ، وإن كان المجاز يعتمد في الأساس على التلقي بوصفه عاملا حاسما في تحديد اشتغاله من عدمه ، وكما أن كل شلال إلى زوال ، كذلك فإن كل استعارة (مجاز) إلى زوال ، فما تتواضع عليه ذائقة التلقي بأنه مجاز يخضع لمفهوم الزمان والمكان.

لقد وسعت الشعرية المعاصرة من بنية المجاز ، وخرجت به من مجرد كونه استعارة أو تشبيه حذف أحد طرفيه إلى كونه بنية تعتمد على الانحراف الدلالي بكافة أنواعه وأشكاله التي تم رصدها ، أو التي يحتمل رصدها ، ذلك أن النص الشعري غدا ينتج مجازات جديدة في بنيتها وتركيبها ، وليس فقط بالاعتماد على أنماط المجاز المرصودة في البلاغة القديمة أو الأسلوبية الحديثة فقط ، وتكشف القراءة التحليلية للنصوص الشعرية المنتجة في الألفية الثالثة عن ذلك ، ومنها الدواوين المشار إليها هنا .

يوسع ديوان “أقوال على هامش النوم” ، لمحمود علي ، من بنية المجاز والتجريب فيه ، وهو ما يمكن رصده عبر معظم القصائد ، يقول :

الموت منسأة التفلسف يا صديقي

لا لإبعاد الأحبة عن مدار عيوننا

فإليك تبتهل العيون الخائفات من التفرق :

لا تمت .

كن يا حبيبي شاعرا في غربتي .

واجلس بجانب حزني المخبوء خلف الحزن خلف الحزن

وامنحني التمني

لا رفيق سوى المجاز

ولا حقيقة غيرنا .

فالتوحد بين الشاعر/السارد ، والوحدة الناتجة عن غياب الرفقة ، والمجاز الحاضر بديلا عن الحقيقة ، إنما هو بناء عقلي متصور في إجماله ، والتأكيد على نفي كل شيء لصالح المجاز هو توسيع أعمق لبنية المجاز ، حيث انتقل المجاز هنا من مجرد كونه استعارة بلاغية ينتظمها البناء اللغوي ، إلى كونه حالة من الحياة التي تحيل إلى سؤال الوجود والزمن حول احتمالية كون حياتنا مجازية في أساسها.

وعند محمد هشام يتجلى هذا الوعي في النزوع نحو التجريب واعتماد بنية المجاز منذ مطلع ديوانه “عاريا من ضعفه ورتابة الإنشاء” ، يقول :

س: لم أفهم المَعنى الغامض.. هل تَوْأَمَةٌ عُقدت أمشاجُها في كواليسَ من الميتافيزيقا.. أَمْ مصيرٌ خَطَّهُ غريبان الْتَقَيَا.. وانْطَلَقَا يبحثانِ عن الإنسانِ في بَرِّيَّةِ الكون؟! كُلُّ ذلك كان يتوهَّجُ كُلما انتبهنا معًا إلى تآكلِ طريقِ الرجوع، وافتَرَقت الأكُفُّ بعد تَصافُح، وكُلَّما رَسَمْتُ.. وأفقتُ على يدٍ تَشُدُّني لأطالعَ لَوْحَتي من خارج الإطار.

وعبر قصائد الديوان تاليا ، يتأسس المجاز بوصفه الواقع الذي يمكن تأمله للكشف عن وجودنا ومساراتنا وملامح تصوراتنا عن الحياة ، يقول في قصيدة بعنوان “في المنتصف أقف” :

شارِعِي كان دَوْمًا طَوِيلاً

تَضِجُّ لهُ القَدَمانِ

أَسِيرُ بِهِ ويَسِيرُ بِجَوْفِي

يُعَرْقِلُنِي ما نَمَا مِنْ نُتُوءاتِهِ

وأَظَافِرِهِ

ويُثَبِّطُ رِجْلِي عَنِ المَشْيِ

ما قَذَفَتْهُ السَّماءُ على الأَرْضِ مِنْ صَمَمٍ

وقلوبِ عَذارَى مُغَمَّسَةٌ في الدُّموعِ

فَأَجْلِسُ

فَوْقَ الرَّصِيفِ الذي حَوَّلَتْهُ النُّجومُ سَرِيرًا

مِنَ الرُّعْبِ

صُلْبًا

 وأَنْظُرُ..

كُلُّ المَرايا تُبِينُ الذي لا يُبِينُ

وَيَنْصَهِرُ الخَلْقُ بَيْنَ انْعِكاساتِها

وَيَذُوبُ الدِّهانُ البَرِيءُ

 فالشارع هنا يتحول إلى مجاز أكبر يشمل الحياة والكون والدنيا والأوضاع السياسية والاجتماعية والمعاناة اليومية والتاريخ المثقل للميراث الذي يتحمله الإنسان رغما عنه عبر امتداد من سبقوه بحكم الانتماء إلى جماعة أو ثقافة أو إقليم جغرافي ، وهو ما يجعل القصيدة متجاوزة حدود تصوير شارع ما بعينه إلى تصوير مسارات حياتنا في أي شارع شبيه .

هذا التوسيع لمفهوم المجاز ، وما يمكن أن يداخله من اعتماد بنية المفارقة (التي تمثل ملمحا من ملامح الشعرية المعاصرة ) ، وما ينتج عنهما من انحراف دلالي ليس على مستوى المفردة والجملة فقط ، ولكن على مستوى الدال والتدلال ، هذا هو ما يمكن له أن ينتج شعرية فارقة بين شاعر وآخر ، وهو الذي سيصنع مستقبل هؤلاء الشباب ، ويتقدم بهم إلى الأمام في سبيل تطوير الشعرية العربية المعاصرة بعد أن تتخلص من أزمة الشكل ، وتعي أن كل الأشكال يمكن لها أن تتجاور وليس فقط في اعتماد المسار الخطي ، والبحث عما يمكن أن يلي قصيدة النثر .

 

 

شارك المقالة عبر

تعليقات القراء

أضف تعليق

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تابع صفحتنا على فيسبوك

لأحدث أخبار فعاليات وندوات بيت الشعر بالأقصر

أحدث أنشطة البيت

أحدث المقالات

شعراء البيت

إنضم الى القائمة البريدية

إشترك في القائمة البريدية لبيت الشعر بالأقصر لتصلك أحدث الأخبار و المقالات عبر البريد الإلكتروني

الكلمات الدلالية الأكثر بحثا

spot_img