شعرية الشكل وتحولات المضمون دراسة في دواوين شابة (1)

د.محمود الضبع

تحولات جذرية لحقت التوجهات المؤسسة للأجيال والجماعات الأدبية بدءا من الألفية الثالثة ، وهو ما كان له أثره  في طرق الإبداع والانفتاح المتسع على التجريب بأبعاده ومستوياته كافة ، حيث لم يعد مفهوم الجيل أو الجماعة يمثل توجها جماليا على جميع أفراده الالتزام به ، وإنما غدا ما يجمع بينهم هو الاتكاء والمساندة في مواجهة متغيرات الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية ، وهنا انهدم مفهوم نقاء النوع ، فظهرت جماعات أدبية ينتمي أفرادها إلى أنواع أدبية مختلفة فبعضهم يكتب القصة، وبعضهم يكتب الرواية ، وبعضهم يكتب الشعر التفعيلي وبعضهم قصيدة النثر… إلخ ، وفي كل الأحوال لم تكن بينهم اتفاقات جمالية تخص طرائق الكتابة أو شروط لأشكالها ، وإنما كان بينهم اتفاقات غالبا ما تمثل توجها سياسيا وفكريا وفلسفيا تعبر عن الكيفية التي يرون بها الأدب بوصفه وسيلة للتعبير ، وكفى.

هنا وفي هذه المرحلة المفصلية حدث تحول آخر ، وهو الانتقال من الوعي الجماعي إلى اليقين الفردي ، حيث التخلي عن المؤسسة الجماعية لصالح الفردانية وتحول الإيمان بالاتفاقات الجمالية للجماعة إلى تنامي الإيمان بالفرد والتجربة الفردية ، وربما كان ذلك ناتجا من نواتج فلسفة ما بعد الحداثة التي هيمنت عالميا بفعل العولمة ، حيث الثورة على القيم البشرية الموروثة والتأكيد على مبدأ النسبية في كل شيء وبخاصة السلوك الإنساني ، وتأكيد قدرة الإنسان على التأويل hermeneutics ، وبخاصة فيما يتعلق بتأويل دلالات سلوكه لتعني الشّيءَ عنده بينما قد تعني نقيضه عند الآخرين.

وهنا انفتح باب التجريب واسعا في الأدب ، وغدا الأدباء يمارسون وعيهم على مستوى التجريب ، حتى مع التحول من مفهوم الجيل إلى التوجه الفردي ، فقد انبرى التجريب على الدوام ليمارس دوره في الأدب بحثا عن الجديد وجمالياته ، وما إن يستقر الوعي الجمالي للنوع الأدبي حتى يبدأ البحث من جديد عن جماليات جديدة وأشكال جديدة ، وهو ما يفسر التغير المستمر في الأنواع الأدبية (قصة – رواية – شعر – مسرح ) ، ويفسر التطور الحادث في المدارس الأدبية والاتجاهات ، وإن كان بعضها لايلغي الآخر وإنما يتجاور معه ، أو هكذا يجب أن يكون .

والتجريب فى ارتباطه بالثورة على الوعى الجمالى السائد لايقدم إجابات بقدر ما يطرح التساؤلات التى تظل مكمنا لتلمس خطو جديد، ووعى جمالى مفارق، يتأسس على وعى الجماعات القليلة التى تبدع فى إطار استيعابها أو ما استثارته هذه التساؤلات فى وعيها، ومن هنا يعتبر التجريب رؤية وتغييرا فى العمق وليس تزيينا أو محض حيل يمكن استعارتها.

من هنا يمكن النظر إلى مسار حركة الشعرية المعاصرة بمنطق التجاور والتداخل ، وليس بمنطق المسار الخطي الواحد ، فلم تعد الشعرية مثلا تسير في مسارها إلى الأمام من الموزون المقفى إلى الشعر المرسل إلى التفعيلي إلى قصيدة النثر ، وإنما يشهد الواقع الشعري الآن استعادة لأشكال شعرية مما سبق جميعه ، لتتجاور على مستوى إنتاج الشاعر في دواوينه السابقة ، أو على مستوى شعراء عدة ينتمون لوعي متقارب .

من هنا كانت القراءة الإجمالية لعدد من الدواوين والأعمال غير المطبوعة لشعراء شباب ، من أقاليم مصر المختلفة ، منهم :

أحمد حافظ (الفيوم) ، وجعفر أحمد (المنيا) ، وعلي حسان ، وعمر مهران (القليوبية)، ومحمد العارف (الأقصر) ، ومحمد عرب صالح ، ومحمد منصور الكلحي (الإسماعيلية) ، ومحمد هشام (كفر الشيخ ) ، ومحمود علي .

حيث يشتركون جميعا في استحضار أشكال متنوعة من الشعرية العربية ، وتتنوع قصائدهم بين الكلاسيكي والتفعيلي وقصيدة النثر ، والأهم اشتراكهم في التجريب في الموضوع الأدبي.

التجريب في الموضوع الأدبي :

اتضح جليا في الموضوع الشعري لشعرية ما بعد الحداثة التعبير عن الوعي الفكري لإنتاجية النص (ثقافة المبدع – ثقافة التلقي ) ، انطلاقا من مبدأ أن كل نص أدبي ينتمي إلى مذهب فكري على نحو ما  تمثله جملة من الأفكار قد تحتكم إلى الفلسفي العميق أو مجرد الاشتباك أو الجدل مع منجزها ،  غير أنه في نهاية الأمر لا يخلو نص أدبي من أحد ملامح هذا الاشتباك الفكري ووعيه .

واتضح – كذلك – في المضوع الأدبي اشتغاله على التأثير في الوعي ، انطلاقا من أن الأدب ليس رفاها ، وليس انتماءً أيضا لتيار سياسي على نحو ما ، وإنما هو منتج ثقافي يمثل قمة الثقافة لما يحويه من إعادة إنتاج … وعلى قدر وعي الأديب بذلك على قدر القيمة الموضوعية لأدبه، وإن كان هذا جميعا يمثل رافدا واحدا من روافد الإبداع ، والتعامل معه هنا على مستوى التفكيك بهدف الوقوف على الأبعاد .

تأتي دواوين هؤلاء الشعراء الشباب مشتبكة مع هذا الوعي بإحداث القطيعة ، والتأسيس لتجربتها الخاصة غير معنية بمفهوم الجيل وتشكل ملامحه بالمعنى الكلاسيكي للجيل في فرض الهيمنة ورسم الإطار الذي لايسمح بالخروج عنه ، وتلك إحدى السمات المهمة في النظر إلى مشروع قصيدة  النثر على وجه الخصوص ، حيث يمكن القول باختصار إن كتاب قصيدة النثر انتقلوا من “سطوة الجيل إلى البحث عن هوية ” بما في ذلك من اختلاف وجهات النظر وآليات تداول القصيدة ، وهو ما يمكن التماسه عبر عناصر التشكيل التي تطرحها دواوينهم ، ومنها : الذات والموضوع –الوعي والقصيدة – النزوع نحو التجريب .

الذات والموضوع :

الذات في النص الشعري تمثل الفكر والوجدان بينما يحيل الموضوع إلى الواقعي والمعيش ، وكما رأي كانط فإن تفاعل الذات مع الحس يؤدي إلى حصول الموضوع ، أي أن الموضوع بهذا المعنى لا يكون موجودا في الأساس ، وإنما توجده الذات عبر جدالها مع الكون داخل القصيدة .

وقد تماهت العلاقة تماما بين الذات والموضوع مع شعرية الحداثة ، بحيث غدا الخطاب الشعري يتحرك بمنطق الكشف عن الذات وتمثيلاتها ، عن طريق السرد تارة ، وعن طريق تفكيك النص تارة أخرى .

وتأتي دواوين هؤلاء الشباب منطلقة منذ بدايتها من هذا الوعي ، تشترك هذه الدواوين جميعها في كون أصحابها يحتكمون إلى يقينهم الفردي أكثر بكثير من احتكامهم للوعي الجماعي ، إن لم يكن الأخير لا وجود له عندهم .

في ديوان “أقوال على هامش النوم” ، لمحمود علي ، تبدو الذات هي الموضوع منذ القصيدة الأولي “في البيت” :

في البيت تختبئ السجائر مثل فأر

ترتخي العضلات ،

أزداد اضطرابا

أحتسي من خيبتي .

وهي تتحدث عن مجموعة خيبات متعددة لذات إنسانية ، تمر حياتها سدى ، وينتهي بها المطاف لمحاولات لا تفضي لشيء .

والقصيدة الثانية “لحظات” ، تدور حول الذات وأزماتها ، على الرغم من مراوغتها في استخدام الضمائر بين المخاطب والغائب :

 قلق في عمر الأرض يمررها للمجهول

دعاء الرب يرابط حول القلب ،

وأغنية صدقها المنطق ،

فلسفة حائرة ،

تاريخ يلدغها في مقتبل العمر ،

وقافية تأبى أن يكتبها الحزن

فتكتبها الحيرة بعد الخوف .

وهكذا تستمر قصائد الديوان ، حتى تلك التي تنحو نحو إيقاع الشعر الكلاسيكي ، مثل قصيدة “تفرقة ” وغيرها ، مما يعيد إنتاج الإيقاعية المتوارثة ، ولكن مع التماس البحث عن الذات ومحاولة رصد ملامحها .

وقريبا من هذا الوعي ، يأتي ديوان “عاريا من ضعفه ورتابة الإنشاء” لمحمد هشام ، إذ تصبح الذات هي المركز الذي تدور حوله القصيدة ويدور حوله الفضاء الشعري ، يقول:

أَسيرُ وأَتْرُكُ جِسْمِي على الطُّرقاتِ!

لكي يَأْنَسَ الأصدِقاءُ بِأَحْرُفِهِ

جَسَدي لُغَةٌ تَأكُلُ الطَّيْرُ من رَأْسِها وحُشاشَتِها

وَهيَ مَصْلوبَةٌ في المَدَى

آهِ كَمْ سَكَنَ الشَّوْقُ يَوْمَ الْتَقَيْنَا

وغَنَّيتِ لي

ثُمَّ ضاعَ الغِناءُ سُدَى!

جَسَدي حَيْرَةٌ

وارْتِحالٌ إلى بَلَدٍ لَيْسَ يَبْلُغُهُ الرَّاحِلونَ

هُناكَ يُكَشَّفُ عنِّي الغِطاءُ

وأُبْصِرُ قلبي وَحيدًا

ويأتي ديوان “آناء الحب وأطراف الوداع ” لمحمد عرب صالح ، مستعيدا لتقنيات الكلاسيكية الشعرية ، من اعتماد البحر الشعري في مجزوئه ومنهوكه ، إلى اعتماد التصريع عبر كل المقاطع /الأبيات ، إلى الإعلاء من شأن اللغة ، إلا أنه في كل ذلك لا يعتمد الغنائية العربية بمفهومها التقليدي (استخدام ضمير الأنا على سبيل التغني بالآلام والآمال ) وإنما يدخل تجربة استكشاف الذات والبحث عنها ، لأنه بفعل فلسفة ما بعد الحداثة ، لم يعد يعرف ويمتلك الحقائق كما كان يفعل شعراء الكلاسيكية ، وإنما الشعر بحث تائه عن الذات ، ومحاولة للوقوف علي بعض ملامحها :

حملت قصائدي ، وجرحت ليلي

بمصباحي المكنى “بالسهاد “

ولولا أن قافيتي دليلي

لما خلت القوافي من سناد .

ويأتي ديوان علي حسان “مُعطَّل الروح ” متنوعا بين قصائد الموزون المقفى ، وقصائد التفعيلي المعتني بالإيقاعية ، وتبقى الذات هي المنطلق :

ارفُضْ كما شئتَ إن السَّهمَ قد خرجا

لـمَّـا استـقـامَ تثنـَّى قوسُهُ عِوجًا

وتُبْ عن الصبرِ عند نُزولِ ضائقةٍ

ما الصبرُ إلا غريمٌ يُسقِطُ الحِجَجا

إنّا لدَى الدهرِ ماشيةٌ بحوزتِهِ

فكيف يصبرُ يومًا مَن يرَى حرجًا؟!

وأغلبُ الظنِّ أنّا في أصابعِهِ

 مُعلَّقونَ، فإنَّ الدهرَ قد نسجا..

قال الزمانُ لقد سوَّيتُهم حُمُرًا

وها أنا اليومَ قد ألبستُهم سُرجًا!

عرِّجْ على تلِّ هَمِّي تدْرِ جائحتي

مُعَطـَّلُ الـرُوحِ أنكِرُ كلَّ مَن عرجا!

مِثلُ الحطامِ ترانا، ما لنا حِيَلٌ

بما يدورُ، ونُبْصِر حولنا اللُّجَجا

والذات هنا عبر الدواوين السابقة ليست كامنة فقط في ضمير المتكلم الفرد وتحولاته ، ولكنها أيضا في المنظور الذي تنطلق منه القصيدة ، وفي الرؤية التي يرى كل منهم من خلالها العالم ، وفي الفلسفة التي تحكم هذه الرؤية .

 

شارك المقالة عبر

تعليقات القراء

أضف تعليق

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تابع صفحتنا على فيسبوك

لأحدث أخبار فعاليات وندوات بيت الشعر بالأقصر

أحدث أنشطة البيت

أحدث المقالات

شعراء البيت

إنضم الى القائمة البريدية

إشترك في القائمة البريدية لبيت الشعر بالأقصر لتصلك أحدث الأخبار و المقالات عبر البريد الإلكتروني

الكلمات الدلالية الأكثر بحثا

spot_img