شعرية الغموض الشفيف قراءة في قصائد معاصرة (2)

أ.د/ حافظ المغربي

 أستاذ ورئيس قسم البلاغة والنقد الأدبي والأدب المقارن- كلية دار العلوم- جامعة المنيا

ويستمر صراع الشاعر الدرامي بين اليأس والأمل،عبر مقاطع القصيدة الطويلة،مكرراً مقطع القدوم، من أجل محاولة “انطلاق النور” في أرض الظلام، حتى يختم قصيدته بقوله (5):

أنا قادمٌ،

والهدهد المخلوق من روحي،

سأطلقه إلى هذا الوجود،

كدمعةٍ،

من عين سنبلةٍ،

نفتها الريح عن حقل الوعودِ…

وإنه من شاعرٍ فتعالوا؛

سنضمِّد الأجراحَ في كبدِ البلادِ،

كأنَّنا ترتيلةٌ تُقْرِي بريقَ الله،

للأفقِ المحاصَرِ بالغيومِ،

غناءُ عُصفورٍ إلى وجهِ الصَّباحِ،

جِرارُ سيِّدةٍ،

يزِفُّ رسالةَ النَّهر المُسالِم للحزانى الظَّامئين،

وكأننا في الجوِّ،

أغنيةٌٌ هنالك من وعود الحالمين…

ونعبِّىء الأوقات ملحمةً،

نكوِّرُ جمعنا شمساً

وننزِلُها بقلب القارئين…

آمين…

إننا حيال المقطع الأخير الذي جاء مطلعه مكرراً؛ نقف أمام مشهدٍ يمثِّل قدوماً أخيراً للشاعر الحاضر في كل مقطع ؛يُلحُّ على حضوره من خلال حضور هدهدٍ سليمانيّ الظاهر،ليس كهدهد سليمان السماوي الذي أتي له بتاج بلقيس الأرضي قبل أن يقوم من مقامه،وقبل أن يرتدَّ إليه طرفه،ولكنه الهدهد الجواب المجاهد الذي شقي بأرضه وقومه،وأول مشاهد جهاده،في المقطع الختامي من القصيدة،جهادٌ يحدوه الأمل،الذي كرست له الصورة،وكرس له التصوير،من خلال شعريَّةٍ أكثر بساطة،لتسكن – أقرب إلى رسالة أخيرة- وعي القارئ.

يبدأ الشاعر المستشرف العرفاني المشهد الأول بدعوة سكان الأرض إلى تضميد “الأجراح” في كبد البلاد – عبر صورةٍ تشخيصيَّة توحي بنبل الغاية والقصد-. إن اختيار الشاعر لفظة “الأجراح” جمع قِلَّةٍ للجرح،بديلاً لجمعها كثرةً على لفظة “جروح”،لَيُوحي بأمل التئامها وئاماً وسلاماً.

وإذا كان لكل داءٍ دواء،فإن تضميد “الأجراح” – لو تم ونجع-،فحري بالشاعر وقومه أن يكونوا وفق قداسة مسعاهم ” ترتيلة تقري بريق الله”.وتوقفنا هذه الصورة الغامضة غموضاً شفيفاً بكراً،عند “تراسل الحواس”، بين مرئيٍ ومسموع.و”تراسل الحواس معناه وصف مدركات حاسة من الحواس بصفات مدركات حاسة أخرى،فنعطي للأشياء التي ندركها بحاسة السمع صفات الأشياء التي ندركها بحاسة البصر،ونصف الأشياء التي ندركها بحاسة الذوق بصفات الأشياء التي ندركها بحاسة الشَّم،وهكذا تصبح الأصوات ألواناً،والطعوم عطوراً…إلخ”(6).

ووفقاً للرؤية السابقة سنرى الشاعر صاغ صورته الغريبة المعجبة على نحو تراسل الحواس،فيتحول الشاعر وسكان الأرض المرئيون بحاسة النظر إلى تراتيل مقدسة مدركة بحاسة السمع،ولكي يوغل الشاعر في إغماض إحساسه عبر الصورة،يجعل المدركان بحواس تبدو متناقضة (السمع للبصر)،مشخَّصين في صورة كريم يُقرِي – من مدركات حاسة البصر- بريق الله- لا نور الله الذي لم يمنحهم من نوره إلا بريقاً-؛ ذلك لأنهم محاصرون – أُفْقاً – بين السماء العاتبة والأرض الضارعة بالقرى، طلباً للغيوم.

واتساقاً مع رؤى التحليل السابقة في غموضٍ شفيف بعيد المأتى:”تتعانق هذه الأشياء المتباعدة،على هذا النحو الغريب،لتوحي بهذه الأحاسيس الغريبة،وهذه المشاعر الغريبة المركبة،التي تعجز اللغة العادية عن التعبير عنها،وعن طريق هذا التراسل تتجرد هذه المحسوسات عن حسيتها وماديتها،وتتحول إلى مشاعر وأحاسيس خاصة”(7).

ويسترسل الشاعر مع آماله ودعاواه، فبعد أن جعل تراتيله المقدسة تقري بريق الله للأفق المحاصر بالغيوم؛،أراد أن يجعل منهم في تراسلٍ جديد بين المرئي والمسموع غناء عصفورٍ،قربى إلى وجه الصباح،إيحاءً بميلادٍ جديد،أو أن يستحيلوا – عبر خلقٍ مائيٍ جديد- إلى جرار سيدةٍ،تزف رسالة النهر المسالم – لا البحر الغادر- رياً لكل الحزانى الظامئين.

ويستخلب تراسل الحواس على هذا النحو المعجب بين وصف مدركات المرئي بصفات مدركات المسموع،من خلال بنية التشبيه، في عرفانيةٍ تسمو بالأرضي إلى السماوي،حين يستحيلون جميعاً في الجو إلى أغنيٍة مجسدة من وعود الحالمين.لكن هل للحالمين وعود؟!

ويعود الشاعر القلق المغترب الذي يميد ويعتصم إلى إغماض صوره،وهو المحلِّق المستشرف،وذلك حين يتمنى – عبر صورة تجسيدية غامضة- أن يعبئ الأوقات ملحمةً ، لكن بأية كيفية،وهذا سؤال إجابته صعبة لصعوبة تركيب الصورة بالتناص القرآني،إغماضاً جديداً بالصورة.حين يجعل الشاعر تعبئة الوقت بملاحم الجهاد الأرضي سبيلاً لأن يتكور جمعهم شمساً؛ تناصاً مع قوله تعالى:”إذا الشمس كُوِّرَت”…الآية.

فإذا عرفنا من كتب التفسير أن تكور الشمس ذهابها أو ذهاب نورها أو كسوفها؛كانت أمنية الشاعر سلبيةً، وطقساً من طقوس الموت والفناء.  إلا إذا كان الشاعر يقصد – وفق تأويل مفرط يأتي من غورٍ بعيد-،أن تكور الشمس من عليائها السماوي،لينزل ضوؤها نور تمامٍ بقلب القارئين/ العارفين/ المتصوفة الذين استوفوا مقاماتهم صعوداً ،جزاءً شكوراً بقلبهم المطمئن بقراءة القرآن…آمين…آمين.

******************************************************

الشاعر الثاني الذي سنستجلي شعرية الغموض الشفيف في شعره؛،هو الشاعر محمود شريف وديوانه “دَمٌ على شفة النَّاي”،الذي اخترنا منه للتحليل والاستبطان قصيدة “رائحة الليل”،التي يتغلغل فيها العنوان بوصفه عتبةً دلاليةً مهمة في نسغها،على نحو من الأنحاء.

إن عنوانا للديوان مثل:” دمٌ على شفة الناي”؛مغرقُ في زمانة الحزن والموت ومكانه،فالدم دليل جرح وموت موجود بالقوة وباترٌ في صورةٍ تشخيصية عارمة على شفة الناي أحفل الآلات الموسيقية ترميزاً بالحزن،ما يجعل أفق توقعنا يستقبل نذيراً من قصائد الحزن/القلق/الاغتراب/الموت،وهي معاني متحققة بالفعل شكلاً وموضوعاً في قصائد الديوان، الذي اخترنا منه قصيدة “رائحة الليل”،فهل لليل رائحة،وكيف تكون؟!.

إن ما يجيب عن هذا السؤال،تشكيل العنوان تشكلاً تصويرياً،بتراسل الحواس.

إن “رائحة الليل” في تلقٍ أول صورة شخَّصت لليل رائحة ،ليبدأ تغلغل العنوان في نسغ القصيدة، على جناح “تراسل الحواس” بطعم الغموض الشفيف،فالرائحة من مدركات حاسة الشم جاءت وصفاً لليل من مدركات حاسة البصر،ليظل العنوان مخاتلاً وعينا عن كنه هذه الرائحة مقترنةً بالليل،بين الراحة والقلق،يبدأ الشاعر،قصائده بمشاهد وشواهد،يصوغها بلسان الجمع على شكل قصيدة،موقعة على بحر البسيط،كان حقها أن تكون عمودية تناظرية،لكن الشاعر،إيغالاً في المخاتلة والغموض صاغها على شكل التفعيلة، حيث يقول (8):

ممددين على

صمت الحديقةِ

محفوفينَ بالليلِ

لا عُشبٌ ولا حجَرُ

بِعُريِ أشواقنا

نمنا

بلا وَجَعٍ

ولا مواويلَ

تُنْسي الليلَ مَنْ سَهِروا

كشاطئينِ ننامُ..

الحزنُ متَّسَعٌ

لكل مَنْ هُجِرُوا

إن تماهي وعي الشاعر مع صحبه الذين لنا أن نتخيل أنهم من بني جيلهِ،قلقاً واغتراباً يتبدى في أكثر من مشهد عبر كل بيتٍ فكَّكه الشاعر تفعيلاتٍ، محافظاً على قافيته رائية الروي.

فالبيت الأول؛ يتبدى في مشهد صحبٍ ممددين – عبر صورة يشكلها تراسل حواس آخر-، إلى حيث كان التمدد على صمت الحديقة، محفوفين بغطاء الليل ورائحته الغامضة التي أوحى بها العنوان،فالصمت الذي هو من مدركات حاسة السمع يوصف في علاقة تشبيه وينسب إلى الحديقة التي هي من مدركات حاسة البصر،وربما تشمل مدركات حاسة الشم،اتساقاً مع رائحة الليل إغماضاً في التصوير،وإيغالاً في الشعور بالتصحُّر؛ نفى الشاعر عن حديقته العشب من أسباب الحياة،والحجر من دواعي الموت.

ثم يأتي البيت الثاني يعكس حيال الحزن حالة من اللامبالة تجاه الواقع المعيش،ربما يعيشها الإنسان المعاصر ممن ينتسبون إلى جيل الشاعر.إنهم ينامون بعري أشواقهم.إن هذه الصورة التجسيدية تكرِّس لشيء من الانعتاق والحرية،وبخاصة حين نربطها بأفعال الاستلاب والنفي،حيث كان نومهم عاري الأشواق بلا وجع،وبلا مواويل لناي عليه آثار دمٍ على شفتيه (ذلك لو ربطنا بين هذا المقطع وعنوان الديوان)،شخَّصها الشاعر منسِّيَةً الليل ذاته سبب الاغتراب،البشر الذين سهروا تحت كآبة سواده. في غير اكتراثٍ بدمٍ على شفة الناي.

ويتفاعل الشاعر مع دواعي الليل وملازماته من دنيا الطبيعة عبر فعل النوم في مشهدٍ جديد،حين يعلن أنهم سينامون كشاطئين بلا ذكرٍ لبحرٍ،في حديثٍ ربما له ما بعده من المسكوت عنه،ثم يربط الشاعر نومهم كشاطئين باتساع الحزن،حزن من هُجِروا على من هَجَروا وبسببهم،لكن من هم ومن سبب غيابهم وكيف غابوا؟!،فلربما غيبهم البحر المسكوت عنه سبباً، بالهجرة أو بالموت.

ثم يفيق الشاعر تحت عباءة الليل وربابته صنو الناي حزناً،ليقول (9):

نقول:يا ليلُ

لا تأخذْ حكايتنا

ربابةً من صداها

ينزفُ الوَتَرُ

فلا الرَّباباتُ

تحكي عن مواجعنا

ولا يضمِّدُ جُرْحَ

الظَّاميءِ المَطَرُ

يا ليلُ

ما حُرِّرَتْ

من صدرِنا لُغَةٌ

       إلا رأيتَ عُيونَ الآهِ تنفَجِرُ

إن الليل الذي لا ملجأ من الشاعر منه إلا إليه؛يستحيل الخصم والحكم،حين يتوسل إليه الشاعر ألا يأخذ حكاياتهم – في صورة تجسيدية- ربابة حزينة،جعل الوتر ينزف من صداها.إن صورة نزيف الوتر مرتبطاً بالربابة- في صورة تشخيصية مؤلمة-؛ يستدعي فوراً عتبة العنوان “دم على شفة الناي”. فصورة الدم تتصل بكل ما يترصد الإنسان المعاصر وأمنه وسلامته.والدليل في البيت التالي.

إن الربابات التي ينزف من صداها الحزين الوتر؛لَهِي ربابات فقدت أهليتها وتأثيرها في التعبير عن الحزن والحكي عنه والبوح به من جُوَّانيتهم،بل حتى المطر فقد تأثيره الروحي والمادي، فلم يعد يضمد جراح روحهم الظاميء.

وتأبى الروح الشاعرة عند محمود شريف أن تتخذ من اللغة الشعرية مشاركاً وجدانياً أسيفاً على الشاعر وجيله،حين يشهد الليل الخصم والحكم،على آلام الكبت وجعاً والبوح شعراً،فما أن يتحرر البوح شعراً إلا وتنفجر عيون الآه، من خلال صورة تشخيصية تسمو بالآه صوتاً إلى التماهي مع الشاعر وجدانياً.

وبعد أن أعيا الشاعر ليله،لجأ متعزياً بليل أجداده،فهل شفا غليله،حين يقول (10):

في ليلِ أجدادنا

ما ليس نعرفهُ

ينبيكَ عنه الصَّدى

والنَّاي والشَّجرُ

يُنبيكَ عنه صهيلٌ ما

على لغةٍ

تعيشُ أيَّامهَا

تبكي وتنتظرُ

إن ليل الجدود لم يكن أسعد حظاً من ليل الشاعر ومجايليه،فالشاعر يخاتل وعينا بأنه ليل مجهول الهوية فيه ما نجهل كنهه،وفي صورةٍ عبثية ومفارقة تصويرية فادحة؛يجعل الشاعر سر نبأ ليل الجدود هم الصدى الذي لا نعرف مصدر صوته،والناي المدممة شفته (إذا ما ربطناه بعنوان الديوان “دم على شفة الناي”)، وشجر الليل الحزين مخزن سر الريح.

ثم يوغل الشاعر مختتماً قصيدته،بعرض مشكلةٍ أزليَّة أرقت الشعراء – ربما فلسفها أزمةً وهويَّةً- شاعرٌ آخر سنلتقي معه بعد قليل،ألا وهي:عجز لغة الشجن بكل ألفاظها ومعانيها وصورها،عن أن تستوعب– منذ الأزل وحتى الآن- حجم مواجعنا،حتى أنها هي نفسها تبكي شفقةً ورثاءً لحالنا،تنتظر من يغيٌّرها،ويغير فلسفة بوحنا…ولكن هيهات.

موضوعات متعلقة:

شعرية الغموض الشفيف ….قراءة في قصائد معاصرة (3)

شعرية الغموض الشفيف ….قراءة  في قصائد معاصرة (1)

 

شارك المقالة عبر

تعليقات القراء

أضف تعليق

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تابع صفحتنا على فيسبوك

لأحدث أخبار فعاليات وندوات بيت الشعر بالأقصر

أحدث أنشطة البيت

أحدث المقالات

شعراء البيت

إنضم الى القائمة البريدية

إشترك في القائمة البريدية لبيت الشعر بالأقصر لتصلك أحدث الأخبار و المقالات عبر البريد الإلكتروني

الكلمات الدلالية الأكثر بحثا

spot_img