شعرية الغموض الشفيف قراءة في قصائد معاصرة (3)

 أ.د/ حافظ المغربي

أستاذ ورئيس قسم البلاغة  والنقد الأدبي والأدب المقارن- كلية دار العلوم- جامعة المنيا

وتتخذ قضية عجز اللغة – عند الشاعر يوسف عابد- عن بكارة التعبير والتصوير عمَّا يعتمل في أنفس الشعراء، شكلاً أكثر عمقاً في فلسفة الاغتراب،من خلال رحلة بحثٍ جديدة في المسكوت عنه في باطن أسرار مجازات اللغة،وذلك حين يصوغ قصيدته “رحلة إلى المجاز”،الموقَّعة على بحر الكامل بروي الهاء المضموم،وقد اختار– كما فعل محمود شريف من قبل- شكل التفعيلات هندسياً،بوصفه بديلاً عن الشكل التناظري العمودي،ما يمكن أن يمثِّل ظاهرة واضحة عند جيل من الشعراء المتمردين،حتى على الشكل الواحد،ليقفوا – موقفاً يخصهم- في منطقة من مناطق الأعراف، يبدأ يوسف عابد قصيدته بقوله (11):

قال المسافِرُ

حينَ ودَّعَ أهلَهُ

للريحِ أن ترِثَ المكانَ وظلَّهُ

وبكى…

ليعرفَ أنَّ دمعَةَ تائهٍ

ستُريقُ ألفَ سحابةٍ لِتظِلَّهُ

كان الرَّحيلُ

إلى المجازِ محرَّماً

فاختارَ أن يبكي دماً ليُحِلَّهُ

تِيْهٌ من الوحيِ البسيطِ

وحكْمَةٌ

وحناجِرُ الشُّعَراءِ

تَرْقُصُ حولَهُ

إنَّ مظاهر الانعتاق من ربقةٍ ما،تسيطر على أجواء القصيدة،منذ مطلعها،حيال مسافر يودِّع أهله،ولعل المطَّلع على بقية أبياتها؛يمكن أن تتسع بأفق فكره مرامي التأويل أن يكون الأهل هنا ليسوا الأقارب من ذوي الرحم ، بل أهل اللغة التقليدية المعيارية تعبيراً وتصويراً،الذين أراد أن يرحل عنهم،إلى المجاز. فماذا قال لهم؟!

قال لهم مقرراً مودعاً:” للريح أن ترث المكان وظلَّه”، ولعل آفاق التأويل،تجعلنا نحدس أن هذه رياح التغيير التي أرادها الشاعر أن تذرو المكان/البيئة الحاضنة للغة القديمة التي لاكتها الألسن ، فأصبح ما كان مجازاً حقيقةً، بل أراد لها أن تمحو ظلَّه وآثاره.

وحين لم تُجْدِ الدموع أن تفتح له طريقاً لجديد التعبير؛راح الشاعر المجاهد الذي سُدَّت أمامه سُبُل المجاز الجديد،محرمةً من ضيقي الأفق شعراء القِدم والرجعيين من المؤولين،بذل الشاعر المعاصر الرمز دم عيونه بكاءً،ليحلُّوه،متذوقين بديع شعره.

وفي البيت الرابع تتبدى لغة الإيحاء غامضةً شفيفةً مُكَنىً بها،حول كارثة تصويرية،تتمثل في وصف الشاعر – عبر مفارقةٍ تصويريةٍ فادحة وفاضحة-؛ حين عبر عن خيبة أمله بعد تيهٍ في صحراء المجاز يبحث عن أبكار تصاويره، باذلاً الدموع دماً،ليرى أنَّ الوحي/ الإلهام ضعيفٌ،وهو يلمِّح ناعياً- إيحاءً وإغماضاً- إلى الخيال المبتذل قريب المأتى تعبيراً وتصويراً، بما مثَّل له من مطروق شعر الحكم التي لاكت معانيها،فأبلت جدتها آلاف من ألسنة الشعراء،وحناجرهم التي شبهها الشعراء في صورةٍ تشخيصيَّةٍ ساخرة،بالراقصين تقليداً كالقرود.

ولأنهم يكررون مشاعرهم ولأن شعرهم مطروق؛فهم يتساقطون على الطريق،ولم يزل الشاعر المجاهد بينهم بخياله العاري حراً طليقاً سامقاً بمعانيه كالنخيل، يؤبره/يلقحه بأبكار صوره،حرٌ في مجازاته حد الفوضى الخلاقة التي تمنحه نضج الفكرة على نار التجربة،ينجح مرة ،ويخفق أخرى. كلما انطلق بخيل فكره وظن أنه بلغ بها نهاية مضماره؛تشتت في المنتصف،كما يتبدى ذلك من البيتين الخامس والسادس.

وتعبيراً عن دوي الفكرة مجازاً تأتي بغتةً مع خلق الإبداع؛نرى الشاعر يعبر عن ذلك في البيت السابع بإدهاشنا،حين يجعل لضجيج الفكرة ودويها الذي يشبه دوي النحل فعلاً مجنوناً،يفقده – ما إن يقتنصها تعبيراً وتصويراً- صواب اللياقة،وامتلاك الوقت لشكر ما منحته النحلة التي طافت بزهور المعاني،لتمنحه أبكار الصور.

ثم يتتبع الشاعر،أسباب خلق شعرية الشعر،إيقاعاً ورواءً وصقلاً وتنقيةً من خلال ثلاثة الأبيات التالية؛ حيث يقول -عبر تراسل الحواس بين صور بصرية ولمسية وذوقية-(12):

كالريحِ

يحملُ نايَهُ في روحهِ

ويذوبُ إيقاعاً،ليحميَ حِمْلَهُ

كالماءِ

إذْ لا شيءَ يوقفُهُ إذا ما

مرَّةً في الأرضِ أطلقَ سيْلَهُ

كالنارِ

يحرقُ بعْضَهُ في بعْضِهِ

     ومن الرَّمادِ المحضِ يَبْعَثُ كلَّه

ثلاثة أبياتٍ تشير – في بكارةٍ من المعنى- إلى لحظة الإبداع في خلق شعرية القصيدة،إذا ما وُلِدتْ فكرةً ،يتبدى في البيت الثامن الحُدُو على الجانب الإيقاعي،حيث يتمثل الشاعر في صورة ريحٍ – عبر تراسل في الحواس- بين وصف الشاعر وهو المرئي بالريح من مدركات حاسة اللمس،شافعاً المحسوسان بمحسوسٍ آخر من محسوسات حاسة السمع ،حيث تتحول أنغام أصوات كلماته ناياً في روحه الشاعر،تذوب إيقاعاً،تحدو عليه شعرية الشعر.

وفي البيت التاسع يتمثل الشاعر في صورة ماء – عبر تراسل حواس بينه مرئياً موصوفاً بمدركات حاسة الذوق،وكأن الحواس تتسابق مع الماء الذي لايوقف سيلانه في أرض مجاز الشعر شيء،تعبيراً مكنىً به عن رواء مائية الشعر،كما كان يستحسنها نقادنا القدامى.

وقد نجح الشاعر – كما نجح أقرانه ممن وقفنا على شعرهم- في اتخاذ تراسل الحواس من تشكلات الصورة في الخطاب البلاغي المعاصر؛وسيلةً ناجحة في الكشف عن مرامي الغموض الشفيف،إذ من الطبيعي في مثل هذا السياق ” أن يستعير الشاعر من مجال إحدى الحواس ما يخلعه على معطيات حاسة أخرى،إذا كان في هذه الاستعارة ما يعين على الإيحاء بما يستعصي على التعبير الدلالي من دقائق النفس وأسرارها الكامنة.فالنفس في جوهرها وحدة ترتد إليها وسائل الإدراك على تعددها”(13).

وسينطلق الشاعر – في رحاب البيت العاشر- كالنار يحرق بعض مجاز الشعر الجديد بعضه في بعض،وليس الحرق هنا سوى تعبير عن تفاعل البنى الإيقاعية والدلالية في صراع درامي،يولد مع كل قراءة جديدة،تنتج دلالات جديدة،يقوم بعضها متوهجاً من رماد بعض،كما يرى نقاد التفكيكية المعاصرون،وصفاً للنصوص المتميزة.

لكنَّ مركب الشاعر – في سبيل رحيله إلى المجاز- صعبٌ،كرحلة الصوفي عبر المقامات وصولاً لمقام المشاهدة،على مستوى الأداة ذريعةً للرؤية،ليظل الشاعر يدهشنا حتى آخر ثلاثة أبياتٍ من قصيدته،ذات الغموض الشفيف،حيث يقول : (14)

في صمتهِ

سيفُ الكلامِ مُخبَّأٌ

ورؤاهُ نازفةٌ لكي تستلَّهُ

يمشي بأرصفَةِ الظُّنونِ

يريدُ أن يُلْقي

بأروقَةِ الحقيقةِ رَحْلَهُ

متزوجٌ روحَ الخيالِ

وكم قضى بالغيمِ شَهْوتَهُ

وأنكَرَ طفلَهُ

الشاعر الذي أتعبه الكلام؛ينشد في صمته الشعري – إذا صح هذا التعبير-  أداةً جديدة،يتذرَّعُ بها إلى مضامين بكر،في سبيل التخلص من القديم البالي،بكلمات جديدة وحيواتٍ جديده.كما تبدى في البيت الحادي عشر.

ومع البيت الثاني عشر؛تتبدى معاناة جديدة،وطريقٌ في الرحيلِ إلى المجازِ جديد،من خلال صورةٍ تجسيديةٍ ممضة،تتجلى في مشهد الشاعر المستريب في كل ما حقق – من خلال لغةٍ لعوب وتصوير لعوب-،حيث طريق الشك والظنون،الذي خيَّل إليه – وفق مفارقة تصويرية فادحة- أن يمشي بأرصفة الظنون،يريد أن يلقي بأروقة الحقيقة رحله/مجازه الجديد،بوصفه عبئاً،في صورة أقرب للعبثيَّة.

ليأتي البيت الأخير بكارةً جديدة في صدمة الإدهاش وكسر أفق الانتظار، حيث يعلن الشاعر زواجه من روح الخيال وليس جسده،حيث أفرغ شهوته الجسدية بالغيم بين الشكل والمضمون،ليظل المجاز طفلاً سفاحاً ومعنىً مطروقاً من كل الشعراء– رؤيةً وأداة- لا يُعْرَفُ – وفق رؤية شبقية دالة- أبواه.

وهكذا استطاع الشعراء الثلاثة – محل هذه الدراسة- أن يتخذوا من الغموض الشفيف – أداة ورؤيةً- ذريعةً،لإنتاج شعريات ودلالات بكر – في جلَّ صورهم-،عبرت عن رؤيةٍ جديدة،من أزمة وجودية تجاه عالمهم المعاصر،مواقف ورؤىً ولغةً.

موضوعات متعلقة:

شعرية الغموض الشفيف ….قراءة في قصائد معاصرة (2)

شعرية الغموض الشفيف ….قراءة  في قصائد معاصرة (1)

شارك المقالة عبر

تعليقات القراء

أضف تعليق

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تابع صفحتنا على فيسبوك

لأحدث أخبار فعاليات وندوات بيت الشعر بالأقصر

أحدث أنشطة البيت

أحدث المقالات

شعراء البيت

إنضم الى القائمة البريدية

إشترك في القائمة البريدية لبيت الشعر بالأقصر لتصلك أحدث الأخبار و المقالات عبر البريد الإلكتروني

الكلمات الدلالية الأكثر بحثا

spot_img