شعرية الغموض الشفيف قراءة في قصائد معاصرة (1)

أ.د/ حافظ المغربي

أستاذ ورئيس قسم البلاغة والنقد الأدبي والأدب المقارن- كلية دار العلوم- جامعة المنيا

يقول فرلين عن القصيدة الغامضة غموضاً شفيفاً غير معمى “إنها أشبه بالعيون الجميلة تشِفُّ من تحت النقاب”. إن فرلين يفرق بين القصيدة المعماة التي تغمض بها اللغة، حتى تعمى القلوب التي في صدور قائليها من أدعياء الشعراء،يرددونها كمخموري الحانات، أشبه بالهرطقات والطلّسمات، وبين لغة غير قريبة المأتى، تسعى إلى كد الذهن وترويض القريحة والذوق لكشف بؤرة جمالها، التي تشبه عين امرأة سترت مواطن جمالها،كاشفة ً أجمل ما فيها،وهي العين،بوصفها فخاً من فخاخ صيد النقاد/متملي الجمال،للكشف عن باقي المسكوت عنه من جمالها/كمال دلالتها،تجليةً لمزيدٍ من أبكار دلالاتها.

لعل الرؤية السابقة تصح مدخلاً صحيحاً لاستجلاء شعرية قصائد معاصرة لشعراء من مصر،آثروا أن يركبوا مركباً صعباً، يتنكبون فيه الخيال قريب المأتى، على مستوى الأداة والرؤية، إلى حيث الغموض الشفيف،على نحو ما أفصحنا عنه،وبخاصة على مستوى بناء لغة الصورة في ما يشبه البكارة على مستوى الشكل والمضمون. متخذين من عتبات النصوص تصديراً وعناوين- خطاباً مخاتلاً، يمثل فخاً آخر،ومفارقةً دلاليةً واضحة بين شعرية البساطة في بناء خطاب العتبات،وبين شعرية الغموض الشفيف – التي جليناها- في نسغ النصوص المختارة.

وأول شاعر وقع عليه الاختيار الشاعر محمد طايل من خلال ديوانه “انطلاق النور”، الذي اخترنا منه قصيدة بعنوان:”قميص نبيٍّ”(1).

إننا حيال عنوانين، للديوان “انطلاق النور”، وللقصيدة ” قميص نبي”،وأمام عتبتين نصيتين من خلال عنوانين مطروقين لا يثيران الدهشة من خلال قصائد معاصرة،وفق أدبية التلقي،إذ عن أي نورٍ يريد أن يخبرنا الشاعر،وعن أي قميص يبحث في قصيدته ؟!

إذا أمسكنا بتلابيب عتبة أخرى هي عتبة التصدير،لتسعف شوق التأويل؛سوف نجد الشاعر،قد صدر ديوانه بثلاثة اقتباسات من القرآن الكريم والإنجيل والتوراة،تكرِّس لمعاني النور بالمفهوم الديني الأشيع،بمعنى الهداية والكشف والإبانة والوضوح…إلخ (انظر صفحة التصدير في أول الديوان)،لنرى أن قضية النور بمفهومه المعنوي الأشمل ذات خصوصية على مستوى التصوير سوف تكشف عنها آفاق التحليل.

وإذا ما انتقلنا إلى عنوان القصيدة المختارة “قميص نبي”؛سوف نجد أنفسنا أمام ذات عنوان قريب مأتى التلقي،إذا عرفنا أن أشهر قميص ارتبط بنبي؛ هو قميص نبي الله يوسف عليه السلام،ليظل يخايل أفق تلقينا القريب،أن القصيدة ستدور في حيز مئات القصائد التي دارت حول قصص سيدنا يوسف وقميصه، ولكن الشاعر الواعي يكسر أفق توقعنا باتخاذ قميص يوسف ذريعة مقدسة،يكشف بها     – دوراناً في فلك أكثر من نبي- عن زيف عالمه المعاصر/عالم الشهادة،إلى حيث عالم البكارة والقداسة (عالم الميتافيزيقا أو عالم الغيب)؛حيث يبدأ محمد طايل قصيدته، بمقطعٍ تمهيدي، يتبعه بمقطع مكرر له مابعده،حيث يقول في مطلع قصيدته(2):

سأطير للسُّحْبِ التي تمشي بهدي حمامتينِ،

وأسرق الريشَ السماويَ،

المعلَّقَ في جناحِ الرِّيحْ

وأقول للأرضِ التي كبرت على الإنسانِ في قفزاته،

بمجرتينِ:الحبَّ والتَّجريحِ:

إن فعل الطيران إلى السحب من عالم السماء بعيداً عن عالم الأرض التي كبرت وضاقت على الإنسان بما رحبت – وفق تناص قرآني عكسي يأتي من غورٍ بعيد- لَهُو فعل اغتراب عن عالم أرضي لا يحتفي بقفزات الفكر الإنساني روحياً وربما علمياً، حتى أنَّ السحب التي تمرُّ بطيئةً؛لَتِمْشِي بهدي حمامتين بسرعة محسوبة ، رغم أن لهما صلة رحمى بعالم الأرض، الذي باعد الشاعر نفسه عنه،حتى أنه تمنى أن يشارك عالم السماء/الحمام طموحه، فاستعار عبر صورٍ تشخيصية ناطقة للسماء ريشاً كجناح الحمامتين، وجعله – عبر صورة تشخيصية أكثر دهشة- معلقاً في جناح الريح.

إن الشاعر – عبر تصوير غامض شفيف- استطاع أن يوحد بين الإنسان المعاصر المغترب وعالم السماء الميتافيزيقي الصوفي وحمولاته الدلالية من عالم الطير،ليتخذها ذرائع معنوية ومادية،يجابه بها عالمه الأرضي المتسفِّل عن استيعاب طموحاته نبوية الآمال في قفزاتها الطَّموح،إلى حيث يسكن مجرتين متباعدتين رؤية وطموحاً وثأراً – عبر مفارقة تصويرية فادحة وعارمة-،فالأولى مجرة حب يمارس فيها طقوسه تعبداً في محراب العلم،والأخرى لتجريح زيف عالمه الأرضي وكشفه سعياً إلى تعديله.

فماذا قال الشاعر للأرض،وبماذا توعَّدها ووعدها،بوصفه نبياً لم يُكْرَم في قومه؟!

عبر مقطعٍ كاسرٍ لأفق التوقع – سوف يكرره الشاعر بنصه عبر القصيدة- وأفق توقعنا في انتظار ظهور يوسف وقميصه،يدهشنا بقوله (3):

أنا قادمٌ،

والهدهدُ المخلوقُ من روحي…سأطلقهُ،

إلى هذا الوجودِ،

كدمعةٍ،

من عينِ سنبُلَةٍ،

نفتها الريح عن حقلِ الوعودِ

وإنَّه من شاعرٍ،

إن الشاعر القادم بعنفوان ثقته قادمٌ، وقد تقمص روح هدهد نبي الله سليمان، وقد أحياه الله روحاً في جسده من جديد – ربما وفق توقعٍ أول بديلاً لقميص يوسف-،حتر إن الشاعر – عبر تشبيه مقلوب- بَالغَ في الصورة وجعل هدهد سليمان مخلوقاً من روحه، متقمصاً روح نبي سليمانيٍ معاصر له ملك الوجود:أرضاً مغيبةً وسماءً سماوية صوفية ربانيةً معيشة،لكن كيف سيطلق هدهده المبارك وعلى أية هيئة؟!

لقد قرر الشاعر أن يطلق هدهده إلى الوجود – عبر صورةٍ تجسيدية ناطقة- كدمعة بِكْر من عين سنبلة تشاركه اغترابه عن عالم الأرض،باكية تذرف دمع الاغتراب، بفعل ري أرضٍ نفتها اغتراباً ومظنة موتٍ ،عن حقل وعود بإثمار قمحٍ رمزٍ للحياة،جعله الشاعر مكرِّساً للموت،متماهياً معه،بقوله: “وإنه من شاعر”، يتبَعَهُ هواه نبوءة اغتراب.

ثم في نقلةٍ مفاجئة،كاسرة لأفق الانتظار،عبر حيرةٍ  وقلقٍ وجودي، وتحولٍ في مرامي الخطاب من اجتماعي إلى مظنة سياسي وديني،يستدعي صورة أنبياء كثرين،يقول محمد طايل (4): 

يا أهلُ!:

لا قمرٌ سينشقُّ احتفالاً بانتصاراتِ الشعوبِ،

ولا السَّماء تزُفُّ مائدةً،

لجوعى السِّلْمِ،

من تفَّاحةِ الحربِ الخطيَّةِ…

بل لا مسيحٌ سوفَ يَخرُجُ من براءٍ،

كي يسيرَ على بُحيراتِ الرُّؤى

إلا الذي كانت خُطاهُ الأبجديَّه

لو لاحَ لي شجرٌ مضيءٌ؛

لاقتبستُ النَّارَ،

أشعلتُ النُّبوءَةَ في منارات السَّماء المظلِمَهْ…

لو أنَّ لي عرقَ النبيِّ،

لَرُحْتُ أخلعُ عنِّيَ القمصانَ،

ثمَّ أقولُ للرِّيحِ:احمليهم والسّلامَ إلى البلاد المعتمهْ…

لو أنَّ سُلَّمَةً إلى بلدِ الإله تكسَّرِتْ؛

                       لوهبتُ عَظْمِي سُلَّمَهْ

إن مخاطبة الشاعر لسكان الأرض بالأهل،متبعاً إياها بعلامة التعجب دالاً سيميائياً في لغةٍ غير محكيَّة “يا أهلُ!”،لَأَمْرٌ يثير الريبة في مصداقية إحساسه بالصفاء الكامل المستحق تجاههم، والدليل ما يحمله مقول القول،من تناصات دينية،تكسر المألوف في أفق التوقع.عبر مشاهد ترسم معالمها مفارقات ساخرة.

إن المشهد الأول الذي يخاطب فيه الشاعر من وصفهم من أهل الأرض بالأهل يحيلنا إلى أولى المفارقات الساخرة،عبر تناصٍ فادح مع سورة القمر ينفي عن أهل هذه الأرض زمن المعجزات،فالله لن يشقَّ القمر من أجل انتصاراتهم المزيفة التي هي بطعم هزائم الرؤية حيال الذين استمروا،كاذبين متَّبعين أهواءهم.

ثم في مشهدٍ تالٍ يؤكد على سخيمة أنفسهم، من خلال تناص جديد، يستدعي فيه صورة سيدنا عيسى عليه السلام وحوارييه والمائدة التي أنزلها الله لهم عيداً من السماء،إذ السماء لن تزفَّ لهم المائدة عيداً وهم جوعى السلم – عبر مفارقة تصويرية فادحة وفاضحة-،لأنهم في حربٍ مع أنفسهم ومع معنى الإنسان الذي مات في داخلهم.منذ خلق الله آدم عليه السلام أبا الأنبياء والأناسيِّ – الذي يستدعيه الشاعر من غور بعيد- وخلق معه شجرة الغواية والخطيئة،وهنا يبرز دور التناص العكسي في إبراز فداحة المفارقة.فإذا كانت حرب آدم غوايةً أكل على إثرها التفاحة وكان ما كان في وقت السلم وهو النبي؛فإن حرب هؤلاء وخطيئتهم مع عصيان أوامر الله وهم بشر لم يتعظوا.

ويستثمر الشاعر فكرة الغواية ويستخلبها نفياً لقيمة المعجزات وزمن تحقيقها ،انتقاصاً من سكان الأرض،عقاباً لهم ،حين ينفي عنهم – ربما مسلمين ومسيحيين- فكرة بعث المسيح ليبريء منهم الأكمه والأبرص،ليصوغ الشاعر ببراعة وبكارةٍ في التصوير فكرة خروج المسيح من البراء بريئاً منهم،ليحيله في مشهدٍ جديد عليه السلام إلى صورة مغترب،يسيرعلى بحيرات الرؤى يعيد اكتشاف العالم الغارق في المقولات/ الكلمات المعلبة ،التي لمَّح وأوحى بها الشاعر من خلال قوله في ما استثناهم المسيح: “إلا الذي كانت خطاه الأبجديَّة”،وفق معنى غموضه يشف من الاستدعاء التناصي لما جاء في مقدمة إنجيل يوحنا:”في البدء كان الكلمة والكلمة كان عند الله،وكان الكلمة الله … والكلمة صار جسداً”.. وهي كلمات منسوبة زوراً وبهتاناً للمسيح عليه السلام، وقائلها الحقيقي هو يوحنا. ومن هنا كانت العندية منزلة تشريف لا مثلية لله كما زعم الصليبيون،ومن هنا جعل الشاعر،الأبجدية خطاً من الألف إلى الياء بما تتضمنه من أسماء الله الحسنى،غير مقصورة على حرف في كلمة هي “الله”،مقصوداً بها المسيح،تعالى الله عما يقولون.

ثم يدهشنا الشاعر من سيرة النبوة بلبوسٍ جديد، حين يتقمص صورة نبي الله موسى عليه السلام،أيضاً من غورٍ بعيد تلميحاً وإيحاءً في غير تصريح،حين يستبدل بشجر الخطيئة شجر النور بوصفه انطلاقة من عنوان الديوان “انطلاق النور”،الذي يتغلغل عتبةً في نسغ قصائده ،نتاجاً لمزيد من الدلالة،من النور المقدس إلى النار النبوية الموسوية المقدسة،التي لو لاحت للشاعر شجراً مضيئاً لاقتبسها – متقمصاً شخصية سيدنا موسى- هدايةً،يشعلها – من خلال صورة تجسيدية ناطقة- نبوءةً في منارات السماء/عالم الشهادة، التي أظلمت في وجه الأرض وناسها،لعله يجد – وهو النبي المجهول- على النار لهم هدىً وهدايةً.

وفجأة وبعد طول انتظار لأفق التوقع؛يتغلغل عنوان القصيدة “قميص نبيِّ”،مع مشهد جديد،يستدعي فيه الشاعر قميص سيدنا يوسفَ،بوصفها قمصانَ وليسَ قميصاً واحداً،من هول ما رأى من أفعال سكان الأرض،وذلك في بكارة في الرؤية توظيفاً للأداة.

إن قميص يوسف عليه السلام الذي دارت حوله القصص المطهرة في تأويلات المفسرين،وخيالات الشعراء رمزاً للطهارة وارتداد البصر والبصيرة لأبيه الأعمى،يستحيل في بكارة من التصوير عند محمد طايل،إلى قمصان يتمناها مغرقةً في عرق النبي يوسف،لا ليلقيها على عيني سكان الأرض الذين اغترب عنهم،وأراد تغييرهم فلم يرتدعوا،لكن ليلقمها للريح والسلام المزعوم في أرض حرب وعتمة،حتى تضيع نبوءة عيسى بموسى، بين السماء المظلمة، التي نجح الشاعر أن يشعل فيها النور،وبين بلاد الأرض المعتمة،التي فشل – بسببٍ من حرابتها- أن يضيء فيها السلام.

ولا يكاد الشاعر القلق المتوتر أن يميد إلا ليعتصم بالأمل من خلال بناء أملٍ جديد،من خلال مشهدٍ جديد.فلو أنَّ سلمة أملٍ تكسَّرت صعوداً إلى ماوصفه – كنايةً- ببلد الإله،لوهب عظامه – بوصفها تضحيةً وفداءً- سلمةَ أملٍ بديلة. وهنا يحق لآفاق التأويل أن تتذرَّع بمنحىً صوفيٍّ عرفانيّ،فترى في قول الشاعر “بلد الإله”،الحضرة الإلهية،التي يرقاها العارفون مستوفين مقاماتهم ، حتى يصلوا إلى مقام رؤية نور الله.

موضوعات متعلقة:

شعرية الغموض الشفيف ….قراءة في قصائد معاصرة (3)

شعرية الغموض الشفيف ….قراءة في قصائد معاصرة (2)

شارك المقالة عبر

تعليقات القراء

أضف تعليق

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تابع صفحتنا على فيسبوك

لأحدث أخبار فعاليات وندوات بيت الشعر بالأقصر

أحدث أنشطة البيت

أحدث المقالات

شعراء البيت

إنضم الى القائمة البريدية

إشترك في القائمة البريدية لبيت الشعر بالأقصر لتصلك أحدث الأخبار و المقالات عبر البريد الإلكتروني

الكلمات الدلالية الأكثر بحثا

spot_img