شعر العاميَّة وأزمة التلقي (2)

شعر العاميَّة وأزمة التلقي: قراءة في ديوان آخر صلاة للشاعر حامد عامر (2)

د. صفوت علي صالح

مدونة الديوان

  1. مقاومة أزمة التلقي المهيمنة على الساحة الثقافية

يستهل الشاعر ديوانه بدفاع عن ذاته الفنية في قصيدة “لأنه” التي يلخص فيها تبريراته لحالة اغتراب المثقف وتجاهله في مجتمع لا يجد فيه الشاعر الحقيقي من يقدّر رسالته وإبداعه. استطاع الشاعر في هذه القصيدة (وغيرها) أن يجسد صراع الأنا مع الآخر، في محاورة لنفسه اللوامة التي تحاسبه على شعره وتَحمُّله مرارة ما يكابده الناس من مواجع الحياة وأحزانها وأشجان العشق وألوان المشاعر. حينما لم يجد من يبرر وحدته ووجدانه بهذه المشاعر المختلطة والمتراكمة رغم محاولاته إلا أنه عاد بلا معنى وبلا مبرر يؤنسه ويهدئ من روعه ولوعته، شاربا كأس النسيان، مفتشًا بقلمه عن نفسه بخياله السابح في غياهب الذكرى، يقول:

” لإنــــه… “

لانه شاعر يمتلك مالخيال قيراطين
حط السحاب فــ كياس..
دار عالغلابه وقصيدته في عز الضحى
دق البيبان كلها لم أتاه معنى

لانه شاعر يمتلك مالخيال قيراطين
هيعيش يفتش بالقلم
عن روحه بين الناس

وكما يحاول الشاعر مقاومة أزمة التلقي للفن الحقيقي الصادق، يقاوم أيضًا هيمنة الفن الزائف المتلاعب باللاوعي المجتمعي والمضيع للهوية والمتصنع في تعبيره عن واقع الثقافة الاستهلاكية، يقول:

الحرف فاعل خير لكنه ناقصه ضمير
ازاي بيسرق مالسما حاجتها
ويأكل الطمي فكتافي حرام
يجيبلي ضحكه من بلاد بره
انسي النشيد والرسم
وانسي اللي غابت يوم عن حصة العربي
فبقيت بليد فالنحو..

وفي قصيدة “قماشة ..” يواصل الشاعر مقاومته لسطحية التلقي وسطحية النظرة للفن الأصيل ونوعية الجمهور (الظالم) الذي لا يرى في الفن إلا ما يمتعه ويسليه، ولا يلتفت إلى رسالة الفن أو معاناة الفنان الصادق وهو ينوح بهموم الواقع ويتقلب في أمشاج التجارب الإنسانية. وبريشة الفنان المتمكن، استطاع الشاعر أن يقدم لوحة يتضافر فيها التراث الديني (قتل هابيل المظلوم) والأسطورة الفرعونية (قصة الإلهة إيزيس)؛ ليرمز من خلال هذه اللوحة إلى الظلم الذي يتعرض له الفنان صاحب الرسالة النبيلة الذي يقتله المتلقي بعدم تقدير فنه؛ فلا يريده إلا في صورة البهلوان الأراجوز المشخصاتي، وليس الفيلسوف صاحب الرؤية والخبرة والتجربة. ويستلهم روح المقاومة من الإلهة إيزيس التي جمَّعت أشلاء زوجها أوزوريس من شتى الضواحي والأقاليم، ثم أخذت تبكي عليه حتى عادت إليه الحياة. وهي رسالةُ مقاومة يبعث بها الشاعر إلى الفنان المتأزم بفنه ألا ينكسر أمام هيمنة الثقافة المستهلكة، وأن يظل مؤمنًا برسالته، وألا ينتظر قوة كونية تعيد الحياة لفنه، وألا يستسلم لتيار التماهي فيسترخص فنه ويدور يتسول به إضحاك الناس وتسليتهم، يقول:

بيطردوك من ضحكهم عنوه
وبيقتلوك قتله بتشبه موت هابيل
وخلاصة الموضوع انك ياصاحبي بين وبين
حبر فدوايه .. كلمه فراويه
أراجوز بينبح حسه لاجل التذكره
فاللاوجود وفلسفات الأمكنه
فادخل فجو النص وابدأ متعتك كمشخصاتي
الدور بيفرض تبقي منهم بس خاين
جمع بواقي اللحم من جوه الضوافر
ايزيس ماتملكش النهايه
ايزيس ماتملك غير تعافر
علشان تكمل فقرتك قبل الستاره
جمهورنا ظالم
واخد مواجعنا فرح..
لسه يدك تحت خدك
لسه هتقول الديباجه
لسه فيك عقدة خواجه
بس خوفك من عنيهم لقنك آخر دموعك
لو بكيت راح تبقي فاشل
او تكمل بيك بدونك
بهلوان والمهزله من طبع لونك
بس يومها كلهم..علشان كتير ضحكتهم
راحم بكولك..

  1. الهروب إلى تجربة الموت في المشهد الأخير

وجد الشاعر نفسه أخيرا في مشهد أخير(مشهد الدفنة) في قصيدته “آخر صلاة”، وهو يرقد في نعشه متدثرا كفنه، يشهد الصلاة عليه. رسم الشاعر لنفسه مشهد الميت الحي الذي مات جسدًا وظلت الحياة تسري في حواسه الشعرية، فسمع بكاءً كاذبا، ورأى دموعا بلا معنى أو اكتراث من مصلين غرباء يستعجلون السلام قبل الإمام. وفي نظرة من يرى وهو مغمض العينين ويتكلم ولا أحد يسمعه، راح الشاعر يفتش عن حزن صادق لدى والده المتصبِّر وأمه النائحة وشقيقه المسافر بعيدًا الذي يود لو أذن له الموت في قبلةٍ على رأس والده أو ضمةٍ إلى صدر أمه أو وداعٍ لأخيه أو نظرة أخيره على بيوت الجيران قبل أن يسافر في نعشه إلى بلاد الميتين التي يجهل لغتهم! يقول:

آخر صلاه ف بيت ربنا
فنعشي كنت انا الامام
سامع بكا شبه البكا
شايف دموع كده والسلام
والحزن واقف فالصفوف
عمال يقول سدو الفرج
خلو القدم جنب القدم
وانا لسه هبكي مالندم..
راحو الحبايب سلموا قبل الامام
سَبل يا والدي وابكي حالي
شق توبك قول يا واد.. أمر الإلاه
الموت علينا دين وحق لكن فراق الاهل غالي
وانتي يا اما هاتي شاشي حزمي الجرح القديم
وابكي علي شاب فحياته كان فغربه
واما مات اصبح نديم
حِلي شعرك ده اللي عمري ماشفتهوش
دوري علي وشي من بين الوشوش
كان نفسي احضن مره اخويه
لوكان يجوز عندك ياموت
اني اقبل راس ابويه
طب حتي يد امي اليمين
طب نظره علي بيت الجيران
ولا عمري جربت السفر
جوه الكفن !…
كان ضروري تجيب معاك اي واحد
من بلاد الميتين …
يحكيلي عن عيشة هناك
ايه هناكل ايه هنشرب
وازاي هنام من غير غطا
والفرش طين

حتى الموت الذي يتمثل الشاعر الفرار إليه من واقعه المرير ــ لا يحظى بشرعيته بين الميتين المشهودين، وكأن حالة التهميش تلاحقه حيًّا وميتًا. ففي قصيدة “نزيف غير مطابق لمواصفات العاصمة”، يصور الشاعر بفنية شعرية عالية مشهدًا تمثيليًّا يلعب فيه دور الكومبارس الصامت، يطعّم فيه السرد بالحوار لتقديم مشهد شعرى من خلال التمثيل وليس الوصف؛ مما يكسب لوحته حيوية ودرامية أوقع أثرًا في تصوير تجربة تسول الموت في كشوف المتوفين،  حيث يقول :

مشهد نهاري..

كل المجاميع يظهروا كومبارس صامت

الكاميرا زوم علي وشهم هاتهوملي بالتدريج

ركز علي كل العيون اللي اتكسر جواها ضلع

وكل خد اتداس عليه..

دخل موسيقي..

بس صوت الواد فموته ده الاهم

الموت وجب..

والكادر دايما عندكم اضيق كتير مالدم

شهل عشان آخر نفس كلا كيت

حرك صوابعك..كل المجاميع فانتظار

انا ليه صوره فصفحه اولي للجرايد

علي يمين المدبحه..

وفصفحه تانيه صوره لاخويه

راقد فقلب المشرحه

* اكشن

ـــــ آسف ياباشا انا اتقتلت

اسمك مافيش عندي فكشف الميتين

مين اللي قلك اني مقتول ضمن دول

انا حد ميت من سنين..

روحه بتطلع كل ماعياله يشوفوا دمعته

وقت العشا..ولا بيلاقوش

او ليله من برد الشتا كان الغطا نومهم سوا

او نقص من حق الدوا..

والله انا م المقتولين بس انت ركز فالوشوش

تلقي الملامح باهته من أثر النعال

كل الأسامي دي حضرتك

موجوده فالكشف اللي خــــــاف..

لطمة قلم ـــ stop

انت اكتشاف…

موضوعات متعلقة:

شعر العاميَّة وأزمة التلقي: قراءة في ديوان آخر صلاة للشاعر حامد عامر (5)

شعر العاميَّة وأزمة التلقي: قراءة في ديوان آخر صلاة للشاعر حامد عامر (4)

شعر العاميَّة وأزمة التلقي:قراءة في ديوان آخر صلاة للشاعر حامد عامر (3)

شعر العاميَّة وأزمة التلقي: قراءة في ديوان آخر صلاة للشاعر حامد عامر (1)

شارك المقالة عبر

تعليقات القراء

أضف تعليق

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تابع صفحتنا على فيسبوك

لأحدث أخبار فعاليات وندوات بيت الشعر بالأقصر

أحدث أنشطة البيت

أحدث المقالات

شعراء البيت

إنضم الى القائمة البريدية

إشترك في القائمة البريدية لبيت الشعر بالأقصر لتصلك أحدث الأخبار و المقالات عبر البريد الإلكتروني

الكلمات الدلالية الأكثر بحثا

spot_img