شعر العاميَّة وأزمة التلقي (3)

شعر العاميَّة وأزمة التلقي:قراءة في ديوان آخر صلاة للشاعر حامد عامر (3)

د. صفوت علي صالح

4. التعبير عن واقع الطبقة المهمشة

أحد الأنساق الثقافية التي تسيطر على الشاعر الريفي في هذا الديوان هو مقاومة الهيمنة المجتمعية والتعبير عن واقع الطبقة المهمشة. ونظرة متعمقة في لوحته التي رسمها  تنم عن براعة في تضفير ما تكابده هذه الطبقة الفقيرة من كفاف العيش ومغالبة الحياة، وما تعانيه لمقاومة الجوع والبرد والمرض والحزن والبكاء والتجاهل والتهميش. ففي قصيدة “آخر صلاة” وقصيدة “تصاوير” وقصيدة “علامة تنصيص”، تلح علي الشاعر حالة التهميش والشعور بالعدم والألم:

وانا مش كيان ولا محتوي
حاجه كده شبه العدم

انا كل يوم بانحني / انا كل يوم بانفرد

ساعة ما اقول نظره..

واتفك من كيس الغلابه رمل

من أول السطر القديم اللى تعب من وقفته جنب القلم
خد مسافه للحياه شرطه واكتب دمعتين
اعمل علامة اقتباس واملاها برضو بضحكتين
سيب باقى صفحه للالم …

وقد تنوعت الاستراتيجيات الفنية التي وظفها الشاعر في إضمار هذا النسق الثقافي، منها مثلا الاستقطاب الطبقي الذي يقاوم فيه الثنائية المجتمعية (الفقر والغنى أو الريف والمدينة). ففي قصيدة ” السقف البوص” يفرد الشاعر لوحة مأساوية يستلهم ألوانها من الواقع المهيمن في البيئة الريفية المهمشة التي تفترش الأرض، وتلتحف بسقف من بوص، وتتصبر باللقمة الحاف، وتتزين بثياب العيد القديمة البالية ــــ في خطاب استقطابي تبرز فيه المفارقة المجتمعية الشاسعة بين الطبقة المهمشة والطبقة الغنية التي تزخر حياتها بثقافة الأوبرا واللوفر وغاندي ومانديلا وثياب العيد الجديدة:

 مالحيطه الطين والسقف البوص

والبرد اللي بيزعق فيهم

الحزن بيفرد هنا رجليه

ويبيت فوق ملا محنا..

أنا كنت اول حد جاع

ساب لقمه حاف

علشان يسكت جوع أخوه

وأنا كنت اول من بكا

فليلة شتا علشان مكانش

ليه غطا غير توب أبوه

أبويه اللي قضي…

طول عمره راهب

ما طلعش من دير الشقا

غير لمـــا مــــات

ماكانش يعرف الاوبرا ولا اللوفر

ولا غاندي ومانديلا..

أبويه كان يغني ساعات

عشان مجروح

صوته يشبه للنايات مخلوق ينوح

“أتى عليا العيد مالقيت جديد فصلته”

كام عيد يا والدي واحنا بالتوب القديم

عيال الخلق لابسه جديد

وانا واخواتي نتطــــلع

عيال الخلق ليها العيد

بتفرح فيه وتجـــلع

كام عيد يا والدي..!

وامي لسه فيها من طبع الغلابه

كحبة قمح فرحايا

بتطحنها السنين لينا

بتخبز باقي ضحكتهاعشان نفرح

وترجع تبكي قبلينا

كام عيد يا والدي…!

وانت مبلي زي توبك

ولا خابر تعيش يومك

ولا قادر تموت فــ نهار

وفي قصيدة “حافظاه الشوارع صم”، يوظف الشاعر استراتيجية السرد الشعرى القائم على التصوير والتشخيص في مشهد متكامل يعرض فيه تجربته الشعرية و يشد الانتباه إلى الصورة الكلية لمعاناة الشاب الباحث عن لقمة العيش، هاربًا من الفقر الذي يلاحقه ومستجديًا الستر من شوارع المدينة، حيث يقول :

عن حد حافظاه الشوارع صم
ومكانه اول صف / فموائد الرحمن
سايق عليكي الدوسه وانا نايم
فوق الرصيف عالريق..
تعفيني من برد الشتا والموت انا وعرقان
وماهوش ضروري الشقا
يدخل معايه القبر ..
الفقر لو زنازين فالمسجونين جدعان
سايق عليكي الصبر والعفه والمرجله
ماتكمليش سجان..

يصر الشاعر على ملاحقة الشاب الذي يواصل هروبه من الواقع المهمش، فيقرر الرحيل باحثًا عن حظ محتمل، فيعود من طريقه جثةً غارقة. يصور الشاعر هذا المصير في قصيدة “موسم الهجرة” في لقطات شعرية مركّزة اختزل فيها موقفه من متعة الحياة في شرائح مأساوية، يقول:

ضميني يــــ  اما بين عينيكي فموسم الهجره

سامحيني لو ضرك فلحمي نسبة النترات

كان ودي أطير زيهم وفشلت فالتقليد

كان نفسي انبت حب لكن بلادنا جليد

دمي نشف ..لو سال مايرودليش الروح

عمري اللي ما حوشت غيره عالورق

وآهي نازل في كعوبهم عرق

لم حسوا بيها فدوشة التطبيل

ماعرفش ليه الغنا يومها مارقصنيش

رغم اني محتاج المهازل لاكتشاف الذات

يمكن عشان انا والغنا متعه

مايجوزش نبقي لبعض لاننا اخوات

يمكن عشان ……يمكن عشان …..

عنيكي يومها دمعت..

سامحيني لو ضرك فلحمي نسبة النترات

وفي قصيدة “تسعة ملي”، يواصل الشاعر مقاومة الهيمنة المؤسسية والغربة في صورة عتاب المحبة لوطنه الذي يعشق ترابه، فيقول معاتبًا:

لابسه الدهب ده لمين ومكحله رموشك

ياختم فالبسبور يشبه رغيف العيش

غيرت لون جلدنا من قمحي لرمادي

الغربه شئ عادي

بس انتي حضنك يختلف

وانا قلت احبك قوي لاجل اتقتل بشويش

وفي قصيدة “شبيه النيل”، يستحضر الشاعر صوت الجدة الحاكية التي تحكي للأجيال أحاجي الكفاح، ليضع المتلقي مباشرة في حالة وجدانية بالغة السوداوية في التجاوب مع الواقع الموروث لهذه الفئة المهمشة منذ القدم، فيقول:

الأرض فبلادنا لابسه النخيل عاللحم
الشمس غازله مالتياب النور
علي بدنها البور
لولا الحكاوي ياجده ما اتذكرت

ان الغلابه مخلوقين للضرب

والظلم والتهميش
ان القتيل بيعيش
يوماتي اقابله فحزننا المزحوم
داير يبيع الصبر باللفه
وكتير اشوفه فصفحة الجرنال دمه بيتصفي
يغرق الابراج فماشوفش حظ اليوم
لولا الحكاوي ياجده ما اتذكرت
اني بحبك قوي وانك تحبيني
برغم رزقي قليل
برغم اني بشيل
لو حاجه تستاهل
لولا الحكاوي ياجده ما اتذكرت
اني شبيه النيل

ببكي بالساهل..

  1. الأحلام البسيطة بعيدة المنال

في حوارية عالية الإيقاع مع (صنايعي القلوب)، اختزل الشاعر باقة الأحلام التي تراود الشاب الريفي البسيط المهمش في قصيدة “كترت فالأحلام “. يحلم بقلب نقي، قلب شاعر عاشق، (غية) حمام يؤنس بنواحه أمه الحزينة، ومركب يجبر بخاطر والده المكابد. ويعتمد الشاعر في هذه القصيدة على عنصر المفاجأة؛ فحتى حين تتحقق له أحلامه المتواضعة، يستكثرها على نفسه، فتوجعه حتى الابتسامة. وفي لقطة شعرية مكثفة، يلمح الشاعر إلى قيمة التمسك بالقديم الموروث في قوله “سيب البراويز القديمه فنفس مطرحها”؛ فهو رغم أحلامه بتغيير واقعه، يخشى المجازفة بتغيير ماضيه، فيتجرد من كل قيمة حتى وإن كانت قديمة، يقول:

آه ياصنايعي القلب لو ينفع
نفسي فحتة قلب مش أبنوس

وانقش علي ضهره قصيدة شعر
تبدأ بذكر حبيبه لو تضحك
توهبله دقه يغير الأوزان
واعملي غيه للحمام بينوح
أمي الحزينه بتهوى تسمعهم
واصنع لابويه مركبه وحديه
تجبر بخاطره لما يستغشوا
لون بيبانه فرح .. أه وكتر الشبابيك
سيب البراويز القديمه فنفس مطرحها
عارف هتوقع لما يتدحرج
من فوق تلال الصبر والايام

ــــ قلبك أهو كل اللي قلته تمام

* شكرا..لكني ليه لما ابتسم بانهج

ــــ يمكن عشان كترت فالاحلام

موضوعات متعلقة:

شعر العاميَّة وأزمة التلقي: قراءة في ديوان آخر صلاة للشاعر حامد عامر (5)

شعر العاميَّة وأزمة التلقي: قراءة في ديوان آخر صلاة للشاعر حامد عامر (4)

شعر العاميَّة وأزمة التلقي: قراءة في ديوان آخر صلاة للشاعر حامد عامر (2)

شعر العاميَّة وأزمة التلقي: قراءة في ديوان آخر صلاة للشاعر حامد عامر (1)

شارك المقالة عبر

تعليقات القراء

أضف تعليق

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تابع صفحتنا على فيسبوك

لأحدث أخبار فعاليات وندوات بيت الشعر بالأقصر

أحدث أنشطة البيت

أحدث المقالات

شعراء البيت

إنضم الى القائمة البريدية

إشترك في القائمة البريدية لبيت الشعر بالأقصر لتصلك أحدث الأخبار و المقالات عبر البريد الإلكتروني

الكلمات الدلالية الأكثر بحثا

spot_img