شعر العاميَّة وأزمة التلقي (4)

شعر العاميَّة وأزمة التلقي: قراءة في ديوان آخر صلاة للشاعر حامد عامر (4)

د. صفوت علي صالح

  1. العشق العذري المكتوم والشعور بالمعصية

يمثل العشق العذري مرارة أخرى يكابدها الشاعر، وهي تجربة لا تنفصل عن مرارة التهميش التي رسمها الشاعر بفنية عالية. وكم كان قاسيًا على نفسه حين جمع بين مرارة العيش وحرقة العشق والشعور بالذنب في عشقه!  استطاع الشعر ببراعة أن يرسم خمس لوحات غزلية تمتزج فيها هذه المرارة المركبة في قصيدة “العامــــــــــــــرية”، وقصيدة “مريم” وقصيدة “ما نيش من نسل آل عمران”، وقصيدة ” هامش داخل المتن “، وقصيدة “سجده للترتيل “. يحشد الشاعر الهائم في هذه اللوحات حشدًا من المفردات والصور الغزلية البديعة في وصف “المليحة في الخمار الأسود”، وحوارها ومناوشتها واعترافه بالمعصية في عشقه، يقول في قصيدة “العامرية”:

واسأل شيوخ الوعظ عن ليلي

أسكرها ولا ياشيخنا دي (لاتقربوا)

فسر بما أوتيت من علم الجمال

عن آيه فعيون الصبيه عن ريق بيجري سلسبيل

انهار عسل عذب فرات

والشعر سندس ملمسه حوريه من اهل الجنان

وانا لسه واقف عالصراط

ياليلي كل العاشقين فوق الأرائك

ياوقت شاهد عالممالك والعصور

خبرني عن وصف”المليحة فالخمار الأسود”

كل القصايد يومها قالت هيت لك

غلقت كل البيبان

العشق لو مخلوق جبان بنهابه ليه

عارف ياشيخنا لون عنيها ازاي يكون

قديت قميص القلب

وريته صوره ليها من آخر لقا

قطع ايديه..

وفي قصيدة “هامش داخل المتن”، يختلق الشاعر العاشق لنفسه مشهدًا حواريًّا داخليًّا ينسج فيه موالا غزليًّا بخيوط السكوت والعشق المكتوم والظلم الذي يتعرض له آدم العاشق الذي يسطر بعشقه سطرًا في “الصفحة الحرام”، يقول:

لو تفهمي معنى الغزل

هتلاقي اصله فالسكات

انا حد عمره ماقال فيوم كلمة بحبك

وبرضو حد بيختشي يكلم بنات

عيل صعيدي بجلابيه وقلب خام

بينام يوماتي وريحته زرع

كان كل امله/ يسرح فطيفك عالشجر

وكل حلمه وأمنياته فالحياه لو يبقي فرع

بيحكي لخضار السنابل / عن عنيكي بحر موجه مالعسل

عيل وطول ماهو عالطريق

راسم حدوده خط بين رمشك ورمشك

مبدوره جواه الحكايه

ليه كل قصه فيها عشق

محتاجه لحبيب اتظلم

لكل آدم سطر فالصفحه الحرام

ولا فيشي غير الكعبه من جنس القصايد

 فضلت شريفه…

وفي قصيدة “مــريـــم”، يختزل الشاعر الدنيا في ستة أحرف صماء لا يكتمل معناها ولا جمالها إلا بمحبوبته، معترفًا بذنبه أمام نفسه التي تلومه في حب مريم، راجيًا المغفرة من الله “المحبة”، يقول:

الدنيا ست حروف..

بس النقط انتي

يامكمله المعني..!

الرب قال للجمال عالارض كن

يامريمي كنتي

بيني وبينك رمش خارج حدود الزمن

اسعى بطول البعد القاني فمكاني

واتمني اوصلك.. فقوليله يسمحلي

ايه ذنب روحك والقصيده والورق

يرضوا بغواية حد حب

كل البشر اصلا عصاه والإثم قلب

_غفرانك اللهم بس فعشقها_

عارف بان عنيها اول معصيه

وان الكلام عن روحها في شرع القصايد لا يجوز

ان الصلاه فوق الشفايف دول حرام

انا باعترف اني عصيت

لكن لقيت…الله محبه

وفي قصيدة “ما نيش من نسل آل عمران” وقصيدة “سجدة للترتيل”، تبرز قدرة الشاعر على استلهام صوره من الموروث الديني، فيستدعي منه عروقًا شعرية نفيسة يعيد صياغتها وصهرها في ذاته الشعرية ليعزف من خلالها ألحان العذرية للعاشق المذنب؛ فإلى جانب ما يحمله عنوان القصيدتين من دلالات، يطرز الشاعر فنه بمفردات بالغة الشعرية كمهد عيسى، ورحل يوسف، وضلع آدم، وساق بلقيس، ويم موسى، يقول:

وليه طعم الصباح فالقلب

مع صوتك بيصبح شهد / ما أحلاه ..

ودقه بتبتسم فالمهد / تقول الله..

مانيش من نسل آل عمران

ولا حبي شغف نسوه / وكلي ذنوب

قصايد عشق ذات أفنان

بتكشفلي حجاب الحور

حجابك شفلي ماشفت

غواني شيطاني باللمسه

وانا البنور..

فعطرك سور بيمنعني

وقال للخلق ده سارق

ولسه بهم وهفارق

وجدوا عنيكي في رحلي

بريء الدمع فعيونك..
وطايش حرفك البكري
بيحفر جوه عضم الواد
قنايه يصب فيها الدم
ويتعب يترمي ف ضله
كشفتي يومها عن ساقك
وحس السطر باقدامك
نطق فالمهد برأني
وانا عراب لعشاقك
وبحار مركبك فاليم
وخانت دفتي النوه
وهبتي الارض مني الدم
وهبتك ضلع يا حوا..

 

6 . صورة الأب والأم

في ملمح شعري بارز، يرسم الشاعر لوحتين يجسد فيهما شخصية الأب وشخصية الأم في لاوعي الطبقة الريفية المهمشة. والمتأمل في ديوان “آخر صلاة” يلمس كيف اتخذ الشاعر من أبويه فاعلين اجتماعيّين يؤنساه في كل مواجعه بطريقته الخاصة. رسم الشاعر لوالده لوحة الأب الريفي المؤمن المتصبِّر المكابد الراضي بنصيبه وحظه من الحياة. يحضر الأب في لقطات مأساوية مختلفة، كحاله وهو يسبل ولده في مشهد موته يملأه اليقين، وهو يبتسم ابتسامة “لهتانة”، وهو يقضي عمره راهبًا في دير الشقاء، وهو يغني كالناي ينوح بمواجع الحياة، وهو غطاء يلتحف به أبناؤه من برد الشتاء، وهو جثة في غرفة الإنعاش، وهو عابد مؤمن يصلي ويرتل الآيات، وهو يستحق تقبيل رأسه ويده الكليلة المتشققة. استطاع الشاعر في قدرة فنية عالية أن يمزج كل هذه الألوان القاتمة ليجسد صورةً ذهنية للأب في ذلك الواقع البعيد عن الأوبرا واللوفر وغاندي المدينة. يقول:

سَبل يا والدي وابكي حالي
شق توبك قول يا واد.. أمر الإلاه
واني الفك فالكفن ده أمر عالي
الموت علينا دين وحق لكن فراق الاهل غالي

تنهيدة أمي وبسمة ابويه اللهتانه

فليلة شتا علشان مكانش

ليه غطا غير توب أبوه

أبويه اللي قضي…

طول عمره راهب

ما طلعش من دير الشقا

غير لمـــا مــــات

كان يسبح قد ما تدوق الطريق

من حس قدمـــه..

ويصلي غير بتلت آيات

أبويه ده اللي كل شق فكفه كان

آية من سورة ياسين

كان بيحلب لينا من لياليه العجاف

صـــــبر طيـــــب

فنخضه جوه القلب يطلع

حلم يكفي سبع سنين

قوته كان..فبتاوه وحكاوه

وفردت ضهر فالضله

ماكانش يعرف الاوبرا ولا اللوفر

ولا غاندي ومانديلا..

أبويه كان يغني ساعات

عشان مجروح

صوته يشبه للنايات مخلوق ينوح

“أتى عليا العيد مالقيت جديد فصلته”

كام عيد يا والدي..!

واصنع لابويه مركبه وحديه
تجبر بخاطره لما يستغشوا
اللي كساهم بسمه من عرقه

لوكان يجوز عندك ياموت
اني اقبل راس ابويه
يمكن تطول بينا السنين

وانسي ابويه وانتظار جثته علي غرفة الانعاش

وبالريشة ذاتها يجسد الشاعر صورة الأم الريفية البسيطة التي تقاسم زوجها مكابدة الحياة وأوجاعها. تحضر الأم في مشهدين مأساويين قدمهما الشاعر ببراعة؛ فهي الراضية من الحياة بالنصف: نصف اللقمة، ونصف الموتة، ونصف الابتسامة، والنصف الآخر تخبزه لأولادها في صورة قوية تجسد أوفى معاني العطاء.

وامي لسه فيها من طبع الغلابة

نص شبعه .. ونص ضحكة.. ونص موته

قلب محروق مالوجع لكنه بينبت خضار

كحبة قمح فرحايا

بتطحنها السنين لينا

بتخبز باقي ضحكتهاعشان نفرح

وترجع تبكي قبلينا

المشهد الثاني الذي حضرت فيه الأم هو مشهد الأم النائحة الباكية بحرقة وصدق على فراق ولدها، تغيب صورته إلا عنها، ويزول طيفه إلا في خاطرها، وتبهت ذكراه إلا على لسانها تحكيها قصة للصغار، يتقلب وجدانها بين الخيال واليقين فتحلم بولدها سيعود بعد غياب، يقول:

وانتي يا اما هاتي شاشي حزمي الجرح القديم
وابكي علي شاب فحياته كان فغربه
واما مات اصبح نديم
حِلي شعرك ده اللي عمري ماشفتهوش
دوري علي وشي من بين الوشوش
زيدي نواحك عالضنا يمكن تحنله النعوش
يا اما بنـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــادم
بطلتي ليه يا اما البكا
زيدي نواحك كتري اليوم الأهات
مش سامعه قال انا هتدفن
وقال خلاص انا يا اما مات
واوعي تنسي…!
تكوي قمصاني الجديده
اللي انا ما لبستهم
لو مره تشتاقي لضناكي
هينفعوكــــــــــــي
اتخيليني فشكلهم
وولاد اخويه اللي بكوا
ولا يدركوش ان اللي مات
ده عمهــــــــم
احكي ليهم عني ولكل الحبايب
قولي ولدي كان حنين
قولي كنا نزعله ولا كان يبين
قولي كانت ضحكته تقتل
لياليه الحزينه
قولي كانت طلته

تشبه البيت الجديد بهجه وزينه
قولي ولدي ياناس مماتش
هي غيبه وبكره يرجع كل غـــــــــايــب…

موضوعات متعلقة:

شعر العاميَّة وأزمة التلقي: قراءة في ديوان آخر صلاة للشاعر حامد عامر (5)

شعر العاميَّة وأزمة التلقي:قراءة في ديوان آخر صلاة للشاعر حامد عامر (3)

شعر العاميَّة وأزمة التلقي: قراءة في ديوان آخر صلاة للشاعر حامد عامر (2)

شعر العاميَّة وأزمة التلقي: قراءة في ديوان آخر صلاة للشاعر حامد عامر (1)

شارك المقالة عبر

المقالة السابقةشعر العاميَّة وأزمة التلقي (3)
المقالة التاليةالمبشرون بالشعر

تعليقات القراء

أضف تعليق

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تابع صفحتنا على فيسبوك

لأحدث أخبار فعاليات وندوات بيت الشعر بالأقصر

أحدث أنشطة البيت

أحدث المقالات

شعراء البيت

إنضم الى القائمة البريدية

إشترك في القائمة البريدية لبيت الشعر بالأقصر لتصلك أحدث الأخبار و المقالات عبر البريد الإلكتروني

الكلمات الدلالية الأكثر بحثا

spot_img