عرفانية القصيدة وفيوض الدلالة قراءة في ديوان دمعة تفك حصارين (2)

د. محمود فرغلي

-مفهوم الشعر

يمثل الشعر الحقيقة الأولى التي لا يتزحزج إيمان الشاعر بها، فهو في تعريفه لأناه يقول: يا اصطكاك الحرف بالحرف المجاور يا أنا[i] وهنا نلحظ أن ثمة تشابه بين التجربة الشعرية والصوفية في كون كلاهما تجربة يصعب تجسيدها من خلال اللغة العادية المباشرة، وإنما يمثل الترميز ضرورية لانفتاح المعنى في المكان والزمان، وهو في تجرب الصوفي ضرورة منهجية وفكرية، مرتبطة بطبيعة التجربة وعدم القدرة على اكتناه أبعادها ، فيما تمثل في التجربة شعرية ضرورة جمالية لفتح النص وتجاوز المباشرة، ويتأكد ذلك من وعي الشاعر بمفهوم الشعر ودور الشاعرالذي يقف على مشارف النبوة يقول في قصيدته المهاجر:

سأبكي

ربما يوحى إلي [ii]

والشاعر النبي صيغة تجسدت لدى الرمزيين من الشعراء نراها لدى أدونيس الذي عقد مقارنة بينهما ونراه صورة الشاعر النبي تكرر في قصيدة أخرى أنا واقف وأغني، حيث يقول:

غريب له من إدام النبوة طعم الشقاء ص35

ديوان دمعة تفك حصارين
ديوان دمعة تفك حصارين

والشعر للشاعر هو الوجود وهو الفاصل بين الموت والحياة، أو أنه الروح التي تبعث بها الحياة من العدم، ففي قصيدته أنا واقف وأغني ص35  يعتصر الشاعر تجربتين في قصيدته وكلتا التجرتين تتعلق بالموت والكلمة، أما الأولى فقصيدة لا تصالح لأمل دنقل، وخاصة أقوال اليمامة التي تناص مع قولها( أيها الناس كونوا أناسا) مباشرة، إضافة لتناصات أخرى على مستوى التراكيب والألفاظ التي تسربت إلى القصيدة من قبل لا مزيد، والشهيد، إلى أن … ثم يتبع هذا التناص بتناص آخر مع شاعر آخر هو صلاح عبد الصبور وشخصية الحلاج الذي مات بعد أن باح بسر الكلمة، والشاعر يمت بصلة نسب بينه وبين الحلاج ويصفه بالجد ، بل إنه يتماس من بعيد بقصيدة مقابلة مع ابن نوح  لأمل دنقل في مشهد الطفو، فقد تنوعت تناصات الشاعر مع الشعراء للتعبير عن خطورة الكلمة وإيمانه بجدواها.

ونستطيع أن نقرأ هذا في المقاطع الأولى من قصيدة المهاجر في مطلع الديوان، حيث ينفتح الزمان إلى بدايات الخليقة ثم يرتد إلى اللحظة الآنية أو يبدأ باللحظة الآنية فالظرف (الآن) في بداية القصيدة له دلالة تتمثل في أن الميلاد ليس ميلاد آدم الأولى، إنما هو ميلاد آدم الثاني أو الشاعر الذي لا تعنيه الأسماء، وإنما المفردات وفي ظني أن البون شاسع بين الاسم والمفردة.

الآن إذ تجتاح أغنية خريفا ما

 سأبكي

…………..

سيخرج آدم من طينه

الأسماء لا تعنيه[iii]

فقضية اللغة هي الشغل الشاغل والحقيقة تتم مطاردتها، فيما يكون المعنى هناك ذا طبيعة موسيقية، وعليك لكي تدرك هذا المقطع وهو شديد الثراء ألا يشغلك الفاعلين من مثل الصبيان أو الفتاة، وإنما يشغلك الفعل وما يترتب عليه، فالمشهد كله إعادة شعرية لمشهد خلق آدم عليه السلام وابتكار اللغة. والرحلة هي رحلة الشاعر من الميلاد إلى الموت. وفي خضم هذه الرحلة نجد جدلية من متناقضات يفرزها الحوار بينه وبين امرأة على طرف الحكاية، فالقصيدة تأخذ طابعا سرديا جمعت بين الشعري والسردي والحواري في بوتقة واحدة مضمخة بتناصات خفية ولعلك تلحظ أول نداء قال به الشاعر: أبي أبي، لتدرك أن ثمة ثلاثة أصوات متداخلة، الشاعر واحد منها، ثم مشهد القيامة الحصرية في حالة سيرورة دائمة  ولننظر إلى هذه الصورة المدهشة

والقطارات التي حملت مواجيدا معتقة تمر ولا تمر

تعب من دمنا  نبيذا ملغزا كي لا تفيق من الرحيل [iv]

ومع تناصات آدم وبدء الخليقة ثمة تناص آخر يتعلق بالنهاية متمثلة في التناص مع المسيح عليه السلام وصرخته النهائية، وهنا يستوقفنا التحول إلى النسق العمودي في نهاية النص ودوره وربما  فهو بمثابة لحظة التنوير لملامح التجربة وعناصرها، كما أنه يعد مرثية داخل القصيدة ومن ثم جاءت مختلفة عنها حيث أخذت النسق العمودي، وكشفت على التداخل بين شخصية المسيح والشاعر، باعتبار أن الشاعر نبي يحمل خطايا البشر:

حملت مواجع الأرضين

صلبت…. ص20

وقد بلغت القصيدة ذروتها في هذا الجزء؛ لذا كان مناسبا لها هذا الشكل الموسيقي العالي في النبرة الذي جاء كلحظة التنوير واستل الشاعر من ذاته ذاتا أخرى ليلقى على الجسد المسجى هذه المرثية.  مع ملاحظة أن تيمة الموت المقابل للصمت والحياة المقابلة للشعر والغناء تكررت في غير موضع من الديوان.

4-من مرتكزات التجريد وآليات فتح الدلالة

إضافة إلى تمحور تجربة المتيم حول اللغة ظاهرها وباطنها نجد ظواهخر أخرى مميزة أسهمت في وقوف الشاعر على الأعراف بن التجريد والتعبير ومنها الظواهر الآتية:-

أولا- تغييب المنادى

من المعروف أن النداء بشكليه القريب والبعيد يقوم بعملية استحضار للمنادى ولكن نداءات الميتيم غريبة فهي إما تنادي جماد أو شخصا مجهلا أو عبارة ندائية بيانية إن ذلك كله يعطي مدى أرحب للعبارة الشعرية بحيث تتخطى سطوح الأشياء، فيتم النداء على أي شيء وكل شيء حتى إن الشاعر قد ينادي على نفسه أحيانا داخل النص الشعري” ففي النداء ثمة طرف آخر (المنادى) ينادى عليه، بإحدى أدوات النداء، لكأن حضور هذا الطرف الآخر بمثابة حضور لصوت آخر داخل النص، أي بمثابة تكوين بنية دراسية أولية سببها حضور هذا الآخر، سواء كان منادى قريبا أم بعيدا، وسواء كان كائنا حيا أم كان جمادا. فإذا ما كان حيا، مثل ذلك نوعا من أنواع الحوار، أو نوعا من تعدد الأصوات، سوى صوت الشاعر أو الذات الشاعرة داخل النص، واذا ما كان المنادى جمادا أو كائنا غير عاقل. أدرج في التو في خانة ما هو استعاري، حيث يتم تشخيصه وأنستنه”  عبد الله السمطي نزوي من خصائص الأسلوب في شعر السبيعينات لكن النداء يشكل ملمحا أسلوبيا حينما يأخذ منحى آخر مفارقا لطبيعته، لكنه يقوم بوظيفة استحضار لشخصيات أخرى للدخول إلى حضرة القصيدة ومن ثم تتحول القصيدة إلى نوع من المشهدية تتم من خلالها مخاتلة المتلقي، وكما أشرنا لتعريفه لنفسه بالنداء على اصطكاك الحروف في تعريفه لنفسه” ص79،

فكثير من النداءات يأخذ شكل النكرة غير المقصودة مثل

يا فتاة

يا عالم

ويلعب النداء دور في تحول الضمائر والانتقال من الغائب إلى المخاطب فمثلا في قصيدته  الغياب قبل الأخير يتحدث عن الأحباب بصيغة الغائب لكنه يعود إلى استحضارهم من خلال المنادى بقوله:

يا أحبابنا هاتوا السكينة ص99

ثم تحول إلى الغائب مرة أخرى مع النداء إلى الله في حركة بندولية بين الغياب والحضور وعليك أن تلحظ هذه العبارة:

يا ربنا يحيون قربك

حضور – غياب

يارب قد ضاقت مدينتناص100

غياب- حضور

صيغة النفي  وقد أولع الشاعر بصيغ اللا رغبة منه في انفتاح النص للتآويل فوجدنا اللانهاية واللامزيد واللاشيء، بل إن صيغ النفي من أكثر الصيغ ترددا في قصائد الديوان فمثلا نجده تكرر في قصيدة أناواقف و أغني تسع مرات.  اضطراب في علاقات الإسناد في اللغة يؤدي إلى تغييب العلاقات الواضحة للعلاقات

ثانيا الضمير المعلق

لا تخلو الضمائر كلها من إبهام وغموض، ولابد من شيء يزيل ابهامها ويفسر غموضها. فأما ضمير المتكلم والمخاطب فيفسرهما وجود صاحبهما وقت الكلام .. وأما ضمير الغائب فصاحبه غير معروف لأنه غير حاضر ولا مشاهد، فلابد لهذا الضمير من شيء يفسره ويوضح المراد منه. والأصل في هذا الشيء المفسر الموضح أن يكون مقدماً على الضمير ومذكوراً قبله، ليبين معناه .. ثم يجيء بعده الضمير فيكون خالياً من الإبهام والغموض. ويسمى ذلك المفسر الموضح: مرجع الضمير ” ضمائر لدى المتصوفة، لأنها ضمائر رمزية لا يمكن فهمهما منقطعة عنسياقها الفلسفي. وهي وسيلة المتصوفة الى الإيهام بامتزاج النفوس البشرية بالنفس الكلية. وقد استغلوا هذه ” الشجاعة ” الاسلوبية بما يتلائم مع مفاهيمهم الروحية. قد احتواه التصوف احتواء بفضل ما حمله أصحابه من طاقات تعبيرية وقوى روحانية تجاوزت بمراحل شاسعة وضعيته الأصلية كعلاقة لغوية”  وقد يتمثل الشاعر الواعي العلم الشعري لآخر يضعه قناعا له، فهو يكتشف فيه وجهه، ويرى في ملامحه صورته بعد تأويله كما يشتهي، وعنئذ لا يستعير صوته، بل يعبر رؤيته  فتصبح أنا قناعا للهو” [v]وقد لجأ الشعر في إطار لعبة الضمائر إلى الالتفات في البلاغة العربية، حيث يتحقق من خلاله الانشطار واللتحام في آن، والحضور والغياب في الآن ذاته، ولا يتوقف الأمر على الالتفات الضمائري والتنقل بين الضمائر المختلفة، بما يتيحه من مسافة بين المتكلم وذاته، وإنما يتجاوزها فيما يرى الباحث إلى ما يُعرف بالالتفات النفسي، بالدرجة الأولى لما يحمله من تحولات تعتري النفس قربا وبعدا وحضورا وغيابا، في رحلة بحثها عن الخلاص،  وهذا هو التعبير الأمثل عن أزمة متعددة الأبعاد تتوحد فيها هموم الأنا بهموم الآخر، ليصبحا وجهين لمعاناة واحدة، فتتجلى بذلك تقنية المغايرة على سبيل القناع، وتتسع أمام الأنا حدود الممكن من التعبير والاعتراف، والكشف عن المعرفة الابداعية، وتتعدد تسميات هذا الوضع قهو المغايرة وانقسام الذات، وانشطار الذات، القرين وتسمى الذات الخاضعة لهذه الأسلبة الذات المتحولة، الذات الثانية، الذات الأخرى، الذات الحديثة، الذات المتعددة”  حيث تفرز كل ذات نقيضها داخل الإشارات بصورة تكسر أحادية الصوت، وتعمق التجربة، لتتجاوز مجرد الغنائية إلى تجربة عرفانية. وهو ما يتماس تماما مع التجربة الصوفية في خطاباتها النثرية والشعرية.

ونلحظ الالتفات بوصفه ظاهرة لافتة في ديوان المتيم حيث نجده يتنقل بسهول ويسر وحرفية من الغائب إلى المتكلم والمفرد إلى الجمع، ومثالها الناصع( ما لم يقله آخر الشعراء الهاربين) وهنا يستوقفنا النفي الذي يقصد الإثبات بدءا من العنوان فالشاعر يتلبسه شاعر آخر شاعر هارب يحاول أن يتبرأ من ضرورة الشعر وقضاياه المصيرية:

لست معنيا إذا ارتبكت حبيبات

إذا دقت طبول الحرب

واتحدت ثقوب القلب

واشتعلت خطابات

ونامت أمهات في صناديق البريد[vi]

إن النفي من قبل الشاعر الهارب هو إثبات من قبل الصوت الأصلي الذي يرى أنه معني تماما بهذه القضايا قضايا الإنسان على الأرض وأسئلة الوجود منطلقا الذات والقصيدة.

مني إلي

وما انفصال قصائدي عني

سوى غيري تشكل في حشاي

وما اتحاد حقيقتي و قصيدتي

إلا حلولي في المعاجم

وانفصالي عن خطاي

والحلول والانفصال عملية درامية تأخذ طابع الصعود وهبوط في حركة منعكسة، فانفصال القصيدة مثل تجربة الميلاد والولادة يعني وجودها في صورة بشرية من نفس الشاعر، ومن ناحية أخرى يمثل اتحاد الشاعر بقصيدته صورة من صور الحلول في الكلمات، فالشاعر يشد قصيدته إلى الحياة والقصيدة تشده إلى عالمها المجازي المؤسس على الكلمة، فنحن أمام عالمين يتحدان وينفصلان في آن. وحقيقة الأمر أن الاتصال والانفصال يتعلق برؤية الشاعر للغة وللقصيدة بوصفها تجربة وجودية أو حالة من الوجد اللغوي تقابل حالة الوجد الصوفي، ولأن الصوفية في عمق معناها سعي إلى الله لذا وجدنا المقابل الشعري لتلك الرحلة في حركة دائبة من خلال تتابع الأفعال والمجازات، وأصوات تتقاطع وتفرد وتجمع وتثني في انسيابية، لتعبر عن هذا التوق وهو توق لا يتم من خلال صوت أحادي وإنما يأخذ أشكالا عدة، كما يلجأ الشاعر إلى فتح الدلالة من خلال الانحرافات المستمرة من ناحية ومن خلال انفتح الزمن بصيغ وعبارات حول اللانهائية والأبد والأزل من ناحية أخرى  فهو “لا يرتب للقاء بقدر ما يحيا يرتب للرحيل”

المراجع:

السابق ص69.  -[i]

– السابق ص9[ii]

-السابق، ص 9[iii]

  السابق،ص15    -[iv]

  صلاح فضل شفرات النص، الهيئة العامة لقصور الثقافة، القاهرة 1999 ص16  -[v]

الديوان ص82  – [vi]

موضوعات متعلقة:

لمتابعة الجزء الأول من الدراسة اضغط هنا

شارك المقالة عبر

تعليقات القراء

أضف تعليق

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تابع صفحتنا على فيسبوك

لأحدث أخبار فعاليات وندوات بيت الشعر بالأقصر

أحدث أنشطة البيت

أحدث المقالات

شعراء البيت

إنضم الى القائمة البريدية

إشترك في القائمة البريدية لبيت الشعر بالأقصر لتصلك أحدث الأخبار و المقالات عبر البريد الإلكتروني

الكلمات الدلالية الأكثر بحثا

spot_img