عرفانية القصيدة وفيوض الدلالة قراءة في ديوان دمعة تفك حصارين (1)

  د/ محمود فرغلي

     يطالعنا محمد المتيم في ديوانه الشعري الأول (دمعة تفك حصارين)[i] بشعرية تبحث عن تميزها، من خلال تفعيل مختلف الأدوات الفنية الممكنة لديه في صالح قصيدة مغايرة، قصيدة تحاول أن تكتسب شعريتها من ذاتها، وتحقق كينونتها المميزة، لا من خلال اتباعية ضاغطة تفقد النص قدرته على الدهشة، ولا بتجريبية ملغزة تقطع الصلة بتراث شعري ممتد لقرون، من الصعب ومن الخطورة في آن واحد تجاوزه، ووقوف المتيم في مجمل قصائد الديوان على أعرافه الخاصة بين التعبير والتجريد والنسق التفعيلي والعمودي، والوضوح والغموض، إلى غير ذلك من الثنائيات تكشف عن طبيعة الشعرية التي يؤسس عليها الشاعر قصيدته، وعليها تأسس وعيه الشعري، وهذا ما يمكننا أن نستشفه بوضوح في قيام القصيدة على رؤية عرفانية، تجعل من التجربة الشعرية تجربة أقرب ما تكون من التجربة الصوفية التي وضعها المتصوفة في تواز مع تجربة الوحي النبوي، وهنا يتماس الشاعر مع العارف بصورة يتولد عنها تشابها لغويا قوامه المراوحة بين الغموض والوضوح والإشارة والعبارة، والتعبير والتجريد، وتحتل اللغة والمجاز والانحرافات الدلالية المتتابعة دورها في تخليق هذا النمط من القصيد الذي يوحي ولا يوحي ويكشف ويلغز بصورة ملتفة ومثيرة للدهشة.

ديوان دمعة تفك حصارين
ديوان دمعة تفك حصارين

  • المرآة والنافذة

لو قمنا باستغلال تقسيمات صلاح فضل في كتابه أساليب الشعرية المعاصرة[ii]، فسوف نلحظ أن المتيم  يقف على الأعراف بين التعبير والتجريد، وغني عن البيان أن قدرا من الغموض ضروريٌ للشعر الجيد بشرط أن يكون هذا الغموض حافزا للتأني في القراءة من قبل المتلقي وإعادة القراءة، فالقصيدة كالمرأة، التمنع من علامات ملاحتها. وتتأسس أدبية النص لدى المتيم من المجاز، ولا يعني ذلك عزل أدبية النص لديه وقصوره على الاشتغال على الدوال، وعزل النص عن وظيفته الاجتماعية لصالح وظيفته الجمالية.

وتقدم القصيدة التعبيرية نوعاً من الحقائق المبتكرة بتحريف يسير للغة المعبرة، وتفعيل معقول لآليات التوازي والاستعارة والترميز بشكل يؤدي إلى الكشف عن التجربة في مستوياتها العديدة التي قد تصل إلى أبعاد رؤيويّة، مع الحفاظ على خيط رفيع من التواصل والإحالة إلى خارج التجربة، أما التجريدية في الشعر فتعتمد على زيادة معدلات الانحراف وتغليب الإيحاء والرمز على التصريح، فتعطي القصيدة إشارات مركزة يتعيّن على المتلقي إكمالُها وتنميتها من الداخل، وقد أشار فضل إلى فارق جوهري بين التعبيرية والتجريدية يتمثل في إشارة الأولى إلى التجربة السابقة على عملية الكتابة نفسها سواء أكانت حقيقية أم متخيلة، واختفاء هذه الإشارة في الثانية بناء على غيبية هذه التجربة. كما إن إزدواجية فيما بينهما على نحو ما نراه في قصيدة المتيم ” تعمل على خلق توتر أدبي بين القول بوصفه اتصاليا ويحيل إلى الخارج من ناحية، وبوصفه لا اتصاليا ويحيل إلى ذاته من ناحية أخرى، فهي مرآة ونافذة في آن”[iii] ، فهو ليس شاعرا تعبيريا محضا يتوجه بوضوح مع قليل من الانحرافات المحسوبة نحو موضوع شعري منفصل عنه يحاول أن يستقرئه شعريا وشعوريا من خلال رؤية خاصة، وهو أيضا ليس شاعرا تجريديا محضا يغرق في الانحراف ولا يرى شيئا خارج التجربة في تجريدها ولغويتها وكأن اللغة هي البدء والنهاية من خلال غياب الموضوع، اللهم إلا أن تكون القصيدة هي موضوع ذاتها من خلال التحرر من المرجعية.

  • المجاز وتحولات الدلالة.

الشاعر مشغول باللغة وهو في ذلك يقترب من الرمزيين من ناحية والمتصوفة من ناحية أخرى، ومن ثم نجده في انحرافاته الدلالية يتحرر من من قيد القرينة في الربط بين اللفظ والمعنى، ومن ثم كثيرا ما نجد النص لا يحيل إلى شيئا خارجه إلا بمقدار، ولا يتحصل عليه المتلقي إلا في إطار التأويل،  ولا تتحول اللغة إلى مجرد وسيلة أو أداة للتواصل بل تتخطاها الشعرية لتحولها إلى وسيلة وغاية وعنصرا فاعلا ومؤثر في صلب القصيدة ويتم تشييئها بوصفها موضوعة قائمة بذاتها لها القدرة على الفعل والإنجاز:

واجه مجازك

كلما حدقت فيه

تضاءلت لغة وذابت في عيونك [iv]

ويقول أيضا:

لكن السما مغلولة

حررتها من وطأة المعنى بحرفك [v]

فاللغة بمكوناتها ودلالتها تتحول إلى أشياء لها القدرة على الفعل،  مع انحيازواضح للمجاز على العادي من القول، وللحرفية الرمزية على حساب المعنى الذي يرى فيه قيدا .

والمجاز عمود الخيمة بالنسبة لقصيدة المتيم، وهذا أمر طبيعي يتعلق برؤية الشاعر ذاته ومفهومه للشعر وقناعاته الفنية التي تلفها غلالة من التصوف ألقت بظلالها على الديوان كله لا في مجرد استخدام مفردات بعينها، وإنما أقصد هنا أن قصائد الميتم مليئة بالحركة و تقوم دائما على تعدد الأصوات والسير بين طرفين، وكأن القصيدة لديه تجربة صوفية قوامه السعي والمكابدة للوصول إلى أسرار الوجود فلا شك أن ثمة تماثلا بين الحقيقة الصوفية والشعرية في هذا الشأن، إن كل الموجودات بأشكالها الحسية والمعنوية لها قدرة على الفعل في قصائده، وكل شئ قابل أن ينسب إلى كل شئ، فكل شئ في التجربة في متناول الخيال. والقصيدة العرفانية  تنطلق من موقف عرفاني إنتاجا وتجربة، بمعنى أنه يتضمن معنى الفرار والسعي المستمر للخروج من وطأة الواقع، وفي الوقت ذاته المقاومة ومحاولة مجابهة هذا الواقع بالشعر.

ومما يلحظ في مجاز المتيم أنه لا يكثر من التشبيهات فكاف التشبيه نادرة والتشبيه البليغ قليل إذ يقوم المجاز على الاستعارة في مجمل الديوان، وترك التشبيه يحمل دلالة في رأيي ترتبط برؤيته الشعرية التي لا تقوم على الفصل بين الواقع والخيال، والتشبيه في أغلبه يفعل ذلك، كما إن التشبيه ذو طبيعة تزينية أي أنك يمكن أن تستغني عنه على خلاف الاستعارة. ومن ثم فهو لا يخدم الدرامية التي تضمخ النص بحركيتها وفاعليتها، ولا يتماس مع الموقف العرفاني القائم على الحركة والتحول، من خلال إسناد كل شئ لكل شئ، حيث يقوم بعمليات إزاحة مستمرة تجعل من خياله خيالامركبا كليا لا ينفصل عن التجربة بل هو لبها ومرجعها، وإمعانا في ذلك يستعين بمفردة المجاز ذاتها ليمنحها قوة إضافية، فهو لا يقوم بوظيفة جمالية بل أصبح المجاز لديه مثله في ذلك مثل شعراء الحداثة عالما من الايحاءات، من شأنه أن يخلق حالة شعورية ومن ثم يصعب تحليلها بأدوات البلاغة القديمة لانفتاحها إلى عالم لا محدود  من خلال خلق علاقات مثيرة بين أشياء العالم ومكونات التجربة الإنسانية ولا تكتفي بذلك بل إنها تقرن مكونات التجربة في أبعادها المختلفة مع معطيات العالم الحسية.

إن المجاز هو لب التجربة وسداها، فهو أولا من المفردات الأثيرة لديه حيث تكررت أكثر من مرة، بوصفها دالا لا مدلولا، أي بوصفها كلمة في ذاتها لا قيمتها فيما تحمله من دلالة وهنا نرى أننا أمام معضلتين الأولى معنى المجاز نفسه أو دلالالته، والثانية الفعل المسند إليه في سياق العبارة وهذا ما يمكن أن نلاحظه من السياقات المختلفة التي تعطي لكلمة المجاز ذاتها أبعادا وإيحاءات معنوية وحسية ومكانية متنوعة :

  • والجنايات التي ارتكب المجاز بنا ص13
  • واجه مجازك كلما حدقت فيه تضاءلت لغة ص25
  • فتنهار كل المجازات فوق رؤس الحزانى ص35
  • لو تدركين رحيلنا نحو المجاز ستدركين إذا تساقطت النجوم بأن سرا إلهيا أضاءك ص102

وهذا الاستخدام للفظة المجاز ذاتها يكشف عن رؤية الشاعر له فهو مغاير للغة وأكثر اتساع منها، إنه مفتاح التأويل والتعبير، وإنه أنا الشاعر التي لا وجود لها بدونه، وغني عن البيان أن المجاز قد يكون مجرد زخارف أو محسنات في بعض الأحيان، ولم يتوقف في نصوص الميتيم عند غاية جمالية، أو مقاصد دلالية، بل تحولت مفردة المجاز ذاتها لموضوعة مضمخة بالدلالة المنفصلة على دلالتها الاصطلاحية، لترمز إلى معانى متعدة متنافرة ومتوازية في إطار رؤية عرفانية تقوم على جسر المسافة بين الدال والمدلول.

 محمد المتيم، دمعة تفك حصارين،دائرة  الثقافة والإعلام ، الشارقة، ط1، 2016م – [i]

 صلاح فضل، أساليب الشعرية المعاصرة، الهيئة العامة لقصور الثقافة، القاهرة 1996، ص413 وما بعدها.- [ii]

  السابق، ص 415- [iii]

  دمعة تفك حصارين، ص25-  [iv]

–السابق، ص25[v]

موضوعات متعلقة:

عرفانية القصيدة وفيوض الدلالة قراءة في ديوان دمعة تفك حصارين (2)

شارك المقالة عبر

تعليقات القراء

أضف تعليق

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تابع صفحتنا على فيسبوك

لأحدث أخبار فعاليات وندوات بيت الشعر بالأقصر

أحدث أنشطة البيت

أحدث المقالات

شعراء البيت

إنضم الى القائمة البريدية

إشترك في القائمة البريدية لبيت الشعر بالأقصر لتصلك أحدث الأخبار و المقالات عبر البريد الإلكتروني

الكلمات الدلالية الأكثر بحثا

spot_img