عن موسيقى الشعر العربي – قراءة تحليلية في ثلاثة دواوين حديثة (1)

عاطف عبدالعزيز الحناوي

لنا أن نتجادل كثيرا أو قليلا حول قضية موسيقى الشعر العربي و العَروض الخليليّ  و لنا أن نتفق و أن نختلف و اتفاقنا و اختلافنا علامة صحية و دليل حياة و نمو و النمو سعي نحو الأكمل و الأجمل و الأكثر إبداعا و فيما يلي عرض و تحليل لثلاثة دواوين صدرت في هذا القرن الواحد و العشرين ألا و هي

  • “فتنة التاريخ المقيم” للشاعر بهجت صميدة

  • “سفر نشيد إنشادي” للشاعر خالد البوهي

  • “شهقة الجرح” للشاعر عبد العزيز سمير

فيما يلي أعرض جداول إحصائية مستخلصة من الدواوين قيد البحث ثم أبدأ في استخلاص النتائج و بعدها نرى إن كانت تستحق النظر و التأمل و الجدل أم لا و ما دلالتها  .

(ملحوظة : التحليل التالي مرتب وفق تاريخ صدور الدواوين الثلاثة و ليس وفق تفضيلات معينة أو معايير فنية) .

  • شهقة الجرح – صدر في العام 2012 :

  • أمل

البحر عدد القصائد الشكل البيتي الشكل التفعيلي النسبة المئوية لانتشار البحر في الديوان
المتدارك/ الخبب 1 1 2.77%
الكامل 12 12 33.33%
الخفيف 5 5 13.88%
الوافر 4 4 11.11%
البسيط 5 5 13.88%
الرمل 3 3 8.33%
الطويل 2 2 5.55%
المتقارب 4 4 11.11%
الإجمالي 36 36

 

الواضح من الجدول أن الشاعر عبد العزيز سمير مخلص تمام الإخلاص للشكل البيتي للقصيدة العربية حيث جاءت قصائده بنسبة 100% عمودية البناء و توزعت قصائده بين البحور الصافية و الممتزجة بنسبة 66.66% إلى 33.33% على الترتيب .

ب- سفر نشيد أنشادي – صدر في العام 2015 :

البحر عدد القصائد الشكل البيتي الشكل التفعيلي النسبة المئوية لانتشار البحر في الديوان
المتقارب 4 1 3 20%
المتدارك/ الخبب 5 5 25%
الطويل 1 1 5%
السريع 1 1 5%
البسيط 3 3 15%
الكامل 3 1 2 15%
المديد 1 1 5%
الرمل 1 1 5%
المتدارك 1 1 5%
الإجمالي 20 9 11

 

أما الشاعر خالد البوهي فقد جاء الفارق طفيفا بين نسبة القصائد البيتية (9 قصائد) بنسبة 45%  و التفعيلية (11 قصيدة ) بنسبة 55% بفارق قصيدتين فقط بين الشكلين أما البحور الصافية فقد جاءت بنسبة 70% و الممتزجة بنسبة 30%.

  • فتنة التاريخ المقيم – صدر في العام 2017 :

البحر عدد القصائد الشكل البيتي الشكل التفعيلي النسبة المئوية
الوافر 7 4 3 21.875%
الكامل 6 2 4 18.75%
المنسرح 3 3 9.375%
المتدارك/ الخبب 1 1 3.125%
الرمل 2 2 6.25%
الطويل 1 1 3.125%
المتدارك 3 3 9.375%
مزيج بين التفعيلات 1 1 3.125%
المقتضب 1 1 3.125%
الخفيف 3 3 9.375%
المتقارب 3 3 9.375%
المضارع 1 1 3.125%
الإجمالي 32 16 16

 

و الشاعر بهجت صميدة تساوى عنده تمثيل الشكل البيتي و التفعيلي بعدد 16 قصيدة لكل منها بنسبة 50% و جاءت البحور الصافية بنسبة 71.875% أما البحور الممتزجة فكانت نسبتها 28.125% في تسع قصائد فقط من مجموع قصائد الديوان الاثنين و الثلاثين .

نلاحظ أن نسبة البحور الصافية هي الأعلى عبر الدواوين الثلاثة كما أن نسبة تمثيل الشكل البيتي 69.3% تقريبا و هذه النسبة الكبيرة لدى شعرائنا الثلاثة لا سيما حينما نضيف إليها شاهدا آخر هو أن هناك أمثلة كثيرة من المبدعين الشباب يكتبون القصيدة البيتية – والتفعيلية أيضا –  و يبدعون فيها إبداعا متميزا بالفعل سواء على مستوى التمكن و السلامة اللغوية أو على مستوى بناء الصورة الشعرية أو على مستوى التنوع  و الثراء الموسيقي ألم يقل “إدجار ألان بو” أن : (الشعر هو خلق الجمال الموزون) !؟  .

نعم يجب الاعتراف بأن شعرية عبدالعزيز سمير أكثر لصوقا بالكلاسيكية شكلا و مضمونا و لكن البوهي و صميدة أكثر اقترابا – بل توغلا – في الحداثة الشعرية من حيث تعدد الأصوات و استخدام السرد و تكنيكات الفنون المختلفة في كتابة القصيدة و كذلك التعبير عن أزمة الإنسان المعاصر في هذا الكون الغامض كل هذا مع قام به شعراؤنا مع التسلح برصانة اللغة و سلامة قوامها و الارتباط بقواعد ثابتة و أصول و جذور راسخة و معنى الرسوخ و الثبات هنا لا يدل على السكون و عدم التطور بل هو رسوخ و ثبات جذور النبات و الذي لولاه ما عاش النبات و أينع و أثمر و تطور .

و يتحدث الدكتور صلاح فضل عن ” ثورة الإيقاع” و التي يمثل التكرار – تكرار التفعيلات و القوافي – فيها عنصرا يحمي الشعر الغنائي من التفكك و الانحلال و أن قصيدة النثر تمثل غاية الانحراف عن هذا القالب المحتوم المقولب أو الصلابة العروضية و التشكيلية كما عبر عنها ( أساليب الشعرية المعاصرة  صفحة 28 و 76 )

و يذهب المذهب نفسه الدكتور محمد عبدالمطلب في كتابه ” قراءات أسلوبية في الشعر الحديث حين يصف الإيقاع الخارجي / العروض بأنه بنية صورية لا سبيل إلى التمايز فيها بين مبدع و آخر  و المعاناة تتمثل في التوفيق بين الإيقاع الصرفي و العروضي ( صفحة 26 ) لكنه يعود ليؤكد أن الشعرية يتم تخصيبها بمجموعة من الظواهر الإيقاعية و بخاصة ما تنتجه البنى البديعية و التي يعتبرها البعض مجرد زينة هامشية و لكن التدقيق في دورها التعبيري يؤكد تدخلها الحاسم في إنتاج الدلالة  ( صفحة 36 )

و لعل الدكتور السعيد الورقي في كتابه الثمين ” لغة الشعر العربي الحديث – مقوماتها الفنية و طاقاتها الإبداعية ” و في فصل بعنوان ” موسيقى قصيدة النثر من صفحة 245إلى صفحة 247″ يذكر القضية بوضوح و حسم أكبر حيث أن قصيدة النثر ألغت كلية  الموسيقى الموسيقى الظاهرة في كل أشكالها و أصبحت تعتمد على الإيقاع الذاتي الخاص الذي يتبدى كإيقاع حدسي ندركه من خلال إدراكنا للتجربة الشعرية و يقول لم يعد الجمال الموسيقي المطلوب من الصورة الموسيقية في القصيدة جمالا منسجما منطقيا و إنما أصبح جمالا – لا نكون مغاليين إذا وصفناه بأنه جمال موضوعي يتملص من كل محاولات التقنين القواعدي و يعرض نموذجا لمحمد الماعوط في قصيدته ” مصافحة في أيار” :

هل وجدت عملا ؟

لا

هل كتبت شيئا؟

لا

هل أحببت أحدا ؟

لا

يقول أستاذنا تعليقا على هذا المقطع : هذا المونولوج الشعري إلى جانب ما فيه من سيولة نثرية ، يمتلك أهم خصائص الموسيقى كلغة شعرية و هي الشحنة الانفعالية المتوترة !.

و هذا الكلام و ما شابهه إنما هو من باب الاحتفاء بكل موجة وافدة و كل تيار صاعد أو صاحب سطوة و شهرة و انتشار و إن الزبد يذهب وأما الذي يبقى  فهو ما ينفع الناس . و أتساءل كيف يمكن لشئ أن يكون موضوعيا و هو يتملص من كل محاولات التقنين القواعدي ؟!

قصيدة النثر ليس بإمكانها أن تلغي الموسيقى من اللغة إلغاء تاما و حتى النثر نفسه تظهر فيه جملا و مقاطع موزونة على عروض الخليل و هذا شائع في كلامنا كله  هكذا اتفاقا  و بدون تكلف وزن و تقفية فتلك خاصية فريدة في لغتنا لا يمكننا إلغاؤها إلا إذا تخلصنا من اللغة العربية بكاملها .

ثم في نموذج الماغوط السابق و غيره لا نرى أن التخلص من سلطان الوزن له مزية على الإبقاء عليه من حيث الشحنة الانفعالية المتوترة بل إن الشحنة الانفعالية المتوترة تكون أكثر حضورا و جمالا حينما تأتي في إطار من الموسيقى و الإيقاع العروضي المنتظم و يكفي نماذج شعر صلاح عبدالصبور أو نزار للتدليل على هذه القضية و هو نفسه ما ذهب إليه الدكتور الورقي في فصل بعنوان ” موسيقى التعبير” من كتابه سالف الذكر و لعلنا نعرف جميعا قصيدة ” لاعب النرد ” لمحمود درويش و هي من أكثر قصائده تحقيقا لجوهر الشعر و هي من قصائده الموزونة على بحر المتدارك – في أغلب أجزائها – و هي أكبر نموذج يؤكد ما ذهبت إليه من الارتباط الشديد بين الشحنة الانفعالية المتوترة و بين الموسيقى الظاهرة دون اللجوء إلى تهويمات و ألعاب لفظية لتبرير براعة و إنجاز قصيدة النثر الرهيب في التخلص من موسيقى الشعر و عروضه الخليلي ! و إني أتفق مع أحمد عبدالمعطي حجازي في قوله للأستاذ الصحفي أسامة الرحيمي في كتاب ” بوح المبدعين الصادر عن الهيئة العامة للكتاب ” : “قصيدة نثر يعني أنها غير موزونة و أنا أعترض على عدم وجود الوزن ؛ فالوزن ليس حلية ، بل هو في جوهر البناء الشعري ، و لا يمكن الوصول إلى اللغة الشعرية بكامل تحققها بدون الوزن ”

“منذ ظهور الشعر في اللغات المختلفة و من أهم أدواته الوزن و التقفية “.

عودة إلى شعرائنا الثلاثة :

في قصيدته ” ما بعد الغرق ” و هي من بحر الخفيف يرسم عبدالعزيز سمير صورة كلية تتبادل فيها الجمل الاسمية و الفعلية بما يدعم حالة النص الدرامية بين السكونية و الثبات التي تدل عليها الجملة الاسمية و بين الحركية و النمو التي تؤكدها الجمل الفعلية ثم نلاحظ غلبة الفعل الماضي على النص كله إلا قليلا فانظر إلى شاعرنا يقول  في جمل اسمية :

عينها العش و اللحاظ غصون

 و أنا الطير نحو عشي لاجئْ

و قوله في جمل فعلية :

خيم الصمت في خيام هوانا

 إثر هذا شب الحريق المفاجئْ

و هي قصيدته التي بدأها بقوله :

مر موج على ضفاف الموانئ

هيج القلب و الحنين يناوئْ

نرى الجناس بين ” خيّم و خيام  ” كما نرى اجتماع حرف الخاء و الغين و هي حروف مفخمة  و فيها ثقل بعض الشيء بحرف الصاد و الهاء و الميم  و كذا في مثال الخصر غصن – سيأتي ذكره بعد قليل –  فهذا التراوح بين حروف اللين و الصفير و الرقة و التفخيم كل هذا يسبب نوعا من الاتساق و كسر الاستكراه الصوتي مسببا قدرا كبيرا من الهارموني و التوازن الموسيقي الفعّال في إنتاج جماليات النص .

و كذا فإن الأفعال تتراوح صيغتها بين الماضي و المضارع تكريسا لصراع الأمل و اليأس في وجدان المبدع كما يتضح من مطلع القصيدة و دلالته النفسية البارزة .

و في قصيدة ” همت بشاعرها”  من بحر الكامل نرى التناص مع قصة يوسف – عليه السلام – إذ يقول :

همت به ، لما بها همّا

  قلبي! و زادت مهجتي همّا

قدت قميص الحب من قبُلٍ

  و تأججت و توهجت لمّا….

فتبعثرت منى الرؤى عجبا!

 كيف استطاعت للرؤى لمّا؟!

و هنا نلاحظ التجنيس و قد يعتبره البعض مجرد حلية لفظية  و لكن الحقيقة أن  له دوره في إنتاج الدلالة الشعرية كما أسلفنا و انظر الحذف و استخدام النقط و هي بديل عن الفراغ التشكيلي في البيت الثاني و له فائدة كبرى في البناء الفني للنص و في انفتاحه الدلالي كذلك .

و القصيدة فيها العديد من الصور الجزئية الطريفة منها قوله :

و الخِصر غصن في تمايله

   أيُلام عصفورٌ إذا ضمّا ؟

و كذلك تقديم و تأخير فيه الكثير من البلاغة في قوله :

ضد و حلّ اليوم في خلَدي

  ترياقَ كانت أبطل السُّمّا

موضوعات متعلقة:

عن موسيقى الشعر العربي – قراءة تحليلية في ثلاثة دواوين حديثة (2)

شارك المقالة عبر

تعليقات القراء

أضف تعليق

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تابع صفحتنا على فيسبوك

لأحدث أخبار فعاليات وندوات بيت الشعر بالأقصر

أحدث أنشطة البيت

أحدث المقالات

شعراء البيت

إنضم الى القائمة البريدية

إشترك في القائمة البريدية لبيت الشعر بالأقصر لتصلك أحدث الأخبار و المقالات عبر البريد الإلكتروني

الكلمات الدلالية الأكثر بحثا

spot_img