فضاء البَوْح والذاكرة من النص الموازي إلى النص (2)

فضاء البَوْح والذاكرة ..من النص الموازي إلى النص قراءة في ديوان “المُعْتزِل” للشاعر أحمد عايد

د. ناهد راحيل

فضاء النص الشعري:

بعد تحليل المصاحابات النصية، بقي لنا تحليل فضاء الخطاب الشعري لديوان “المعتزل”، والديوان أقرب إلى شكل الاعترافات الشِّعرية القائمة على البوح وتداعي الذكريات، وينبني فضاء البوح والذاكرة في الديوان من خلال اتكاء الذات الشاعرة على تقنيات التداعي الحر للأفكار وتقنية المونولوج التي تساعدها على نقل خطابها الشعري، بجانب عدد من عناصر التواصل البصرية غير اللفظية مثل نمط الكتابة، وترتيب المفردات والفقرات في فراغ الصفحة، بجانب علامات الترقيم التي يمكن إدراجها ضمن هذه العناصر غير اللفظية التي ساهمت في تشكيل القصيدة.

تبني القصيدة خطاب البوح من خلال إشكالية التحقق والبحث عن تحقيق الهوية، عبر ثنائية محورية هي ثنائية الوجود والعدم والتي تفضي بدورها إلى إنتاج مجموعة من الثنائيات منها الحضور والغياب، الحياة والموت، التذكر والنسيان.

تتشكل القصيدة/ الديوان من خمسة مقاطع تأخذ أرقامًا عربية قبل بداية كل مقطع، مما يجعل من الترقيم “عتبة من عتبات النص، مثله مثل العناوين الداخلية لأي نص أدبي، تسهم في فهم بنيته وتأويله، كما تعد علامة انتقال من مقطع إلى آخر توحي بترابط المقاطع وتواصلها عبر استمرارية عناصر البناء أو عناصر التشكيل الجمالي أو بعض الفقرات التي تؤدي دور التعليق على تلك المقاطع”[i].

وجاء ترتيب المقاطع ترتيبًا منطقيًّا؛ حيث جاء المقطع الأول معبرًا عن عوامل طرد الذات الشاعرة، وهي عوامل طرد معنوية ساهمت فيها حالة الاغتراب التي تعانيها والتي دفعتها للاستسلام لعوامل جذب بديلة وجدتها الذات الشاعرة في (رفّ الكتب) الذي سيرافقها في عزلتها، وفي رحلتها عن البحث عن الهوية:

-1-

الآنَ تَطْرُدُكَ الْمَرَافِئُ يَا “أَنَا”

لاَ قَهْوَةٌ فِيْ بَيْتِكَ الْمَجْهُوْلِ. بَلْ لاَ زَوْجَةٌ

لَكِنَّ مَكْتَبَةً تَكَدَّسَ رَفُّهَا

سَتَكُوْنُ كَافِيَةً؛ لِكَيْ تَنْسَى

بِأَنَّ النَّاسَ أَكْثَرُ قَسْوَةً

مِنْ صَرْخَةِ الرَّعْدِ الرَّهِيْبَةِ [ii]

وقد تم التأكيد على هذه العزلة منذ بداية المقطع الشعري الأول، عبر عزل ضمير المتكلم (أنا) كتابيا عن النص من خلال علامتي التنصيص، مما يشير إلى تضييق الحصار على الذات الشاعرة بما يتسق مع مضمون التجربة والأثر الذي يجب تركه في المتلقي.

وحوى هذا المقطع على إحالات إلى بعض الأمكنة التي تتم فيها وقائع القصيدة بوصفها عالمًا مسرودًا ومتخيّلاً (وَالآنَ أَجْلِسُ فِي الْقَنَاةِ/ أَرَى الْمِيَاهَ مُحَمَّلاَتٍ – بِالْكَلاَمِ/ بِقِصَّةِ الْبِلْدَانِ/ بَوْحِ الشَّاطِئَيْنِ/ وَقَسْوَةِ الإِنْسَانِ)، ويدل ذلك على رغبة الذات الشاعرة في التحقق عن طريق وجودها في الحيز المكاني؛ لأنه بشكل ما وسيلة لإثبات حضور “الأنا” التي هي العلامة الأساسية لتحقق الهوية، يتضح ذلك في حوار الذات مع نفسها مؤكدة على انتفاء “الأنوات” الأخرى وانشغالها بنفسها في بحثها عن الحقيقة:

أَنَا لاَ شَيْءَ يُرْهِقُنِيْ سِوَايَ

أَنَا فَنَاءُ الْبَاحِثِيْنَ عَنِ الْحَقِيْقِةِ فِي الْحَقِيْقَةِ،

وَارْتِعَاشُ النُّوْرِ فِيْ كَفِّ الْعَمَى،

وَتَنَزُّلُ الشِّعْرِ ابْتِدَاءً وَانْتِهَاءً

فِيْ قُلُوْبِ الشَّاعِرِيْنَ  [iii]

***

ومن خلال الاستمرارية بين المقاطع تتأكد حالة العزلة الذاتية وبحث الذات الشاعرة عن هوية خاصة بها، فينتهي المقطع الأول ببحث الشاعر عن أغنيته الخاصة (أَنَا أُغَنِّيْ مَا أُغَنِّيْ/ لاَ أُغَنِّيْ مَا تُغَنِّيْه الحَيَاةُ/ أُرَدِّدُ الشِّعْرَ الَّذِيْ/ يُنْسِيْ مَرَارَةَ قَسْوَةِ الأَيَّامِ) ثم يبدأ المقطع الثاني بتساؤل متردد من الذات الشاعرة عن كون الشعر هو الوسيلة المثلى للتحقق، ويرجع هذا التردد إلى خيبة أمل أصيلة تتعلّق بالموقف الوجوديِّ للشاعر تجاه جدوى الشعر*، منتهيا بالاعتراف بأنه، رغم هذا التشكك، (لَمْ يَكُنْ فِيْ وُسْعِهِ إِلاَّ الْغِنَاءَ):

-2-

بَلْ لَنْ نُصَدِّقَنَا إِذَا قُلْنَا الْحَقِيْقَةَ!

يَا صَدِيْقِيْ،

هَلْ سَتُوْقِنُ بِالْقَصِيْدَةِ جُرْعَةً كُنَّا سَنَأْخُذُهَا؛ دَوَاءً لِلْحَيَاةِ؟!

أَنَا زَهَدْتُ بِكُلِّ شِعْرٍ بَاهِتٍ

لاَ يَنْتَمِيْ لِلنَّاسِ فِيْ ضِحْكٍ، وَفِيْ حُزْنٍ

أَنَا..

أحْتَاجُنِيْ وَتَرًا سَمَاوِيًّا عَلَى عُوْدِ الْقَصِيْدَةِ

لَمْ يَكُنْ فِيْ وُسْعِهِ إِلاَّ الْغِنَاءَ

مُصَدِّقًا أَنَّ الْقَصِيْدَةَ مَذْبَحٌ

لاَ تَرْتَوِيْ إِلاَّ دَمًا مِنْ كَفِّ عَازِفِهَا [iv].

وبوصف الموت الحقيقة الأولى التي تهدد وجود الشاعر، يتمحور هذا المقطع حول ثنائية الحياة والموت، فيشخّص الشاعر الموت ويدير معه حوارًا فرديًّا من طرف واحد/ الشاعر دون أن تكون هناك إجابة من الطرف الآخر/ الموت، حيث يتخلص الحوار من الثنائية المرتبطة به، ويستحيل إلى نوع من الحوار الداخلي الذي يسير في اتجاه واحد، من الذات المتكلمة إلى موضوعها، دون أن يرتد من الموضوع إلى الذات كما هو مألوف في الحوار عمومًا، ويتضح من هذا الحوار تحدي الذات الشاعرة للموت والاستهانة به:

يَا مَوْتُ،

أَنْتَ مُبَرَّرٌ بَوُجُوْدِكَ الْعَادِيِّ

أَنْتَ طَبِيْعَةٌ.

بَلْ مَنْطِقِيٌّ لِلْحَيَاةِ بَأَسْرِهَا

لَوْ لَمْ نَمُتْ،

مَاذَا سَنَفْعَلُ فِي الْحَيَاةِ إِذَا كَبِرْنَا؟!

لَنْ نُحِسَّ بِلَذَّةِ الإِحْيَاءِ

سَوْفُ يَصِيْرُ شَيْئًا مَائِعًا

لاَ طَعْمَ فِيْهِ وَلاَ بَهَاءَ

فَمُتْ إِذَنْ! [v]

وقد مال الشاعر إلى توظيف الحوار الفردي في قصيدته بشكل موسع، واعتمد في ذلك على التكثيف والموضوعية والمواجهة الصوتية مما أتاح للمتلقي أن يسمع الصوت الخفي الذي يدور في أعماقه، اتضح ذلك في خطاب المجابهة مع “الحياة” الذي يظهر في هذا المقطع ويستمر في المقطع اللاحق كذلك، فبعد الخطاب المُوجه إلى الموت، يوجه الشاعر خطابه للطرف الثاني من الثنائية في قوله:

أَنَا عَرِفْتُكِ يَا حَيَاةُ بِلاَ خَبِيْرٍ

كُنْتُ أُدْرِكُ بُعْدَكِ الْمَوْحُوْلَ

كُنْتِ خَبِيْثَةً..

كُمْ تُوْجِعِيْنِي! [vi]

ينتهي المقطع الثاني بعدد من أفعال الأمر (كُنْ/ اسكنْ/ اركبْ/ انقُشْ/ اكتُبْ/ ابتكرْ) تتوجه بها الذات الشاعرة إلى نفسها، في صورة حوار داخلي يدور حول مفهوم الكتابة ووظيفتها الفلسفية والوجودية، فدعوة الكتابة التي يتم بناؤها في النص تتجه نحو أن تكون كتابة ضد الغياب، فهي بمثابة تشكيل للذات وإعادة اكتشافها، وعن طريقها يتم مواجهة الموت المحدق بالذات الشاعرة وباسمها الشخصي معًا، ويبقى فعل الكتابة معادلاً للخلود، لذلك تستجيب الذات الشاعرة لهذه الدعوة التي تفضي إلى التحقق معلنة في نهاية المقطع (لَنْ أَخْتَفِيْ.. سَيَظَلُّ شِعْرِيْ هَهُنَا):

 وَانْقُشْ لَنَا فَوْقَ السَّمَاءِ حَيَاتَنَا

وَلْتَعْتَبِرْ أَنَّ الْقَصِيْدَةَ جَنَّةً لِلْخُلْدِ

فَاكْتُبْ مَا تَشَاءُ، وَقُلْ لَنَا:

(مَا ثَمَّ إِلاَّ الشِّعْرُ يَبْقَى خَالِدًا)

فَلْتَبْتَكِرْ حَرْفًا يَلِيْقُ بِخُلْدِكَ الْمَوْعُوْدِ

وَلْتَشْكُرْ حَيَاتَكَ دَائِمًا؛ مَنَحَتْكَ كُلَّ قَصِيْدَةٍ رَنَّانَةٍ

قُلْ لِلْحَيَاةِ، وَقُلْ لَنَا:

(لَنْ أَخْتَفِيْ.. سَيَظَلُّ شِعْرِيْ هَهُنَا)[vii]

وعمل اعتماد الشاعر أسلوب “الحوارية” أو التداعي الصراعي داخل الذات ومحاورتها على صبغ الفقرة بصبغة درامية عالية خلصتها من الطابع الغنائي المتعارف عليه، فقد مزج الشاعر الغنائية بالسرد، وابتعد عن مباشرة موضوعه عبر اللجوء إلى أسلوب الحوار والمونولوج.

***

يكشف المقطع الثالث عن مواصلة سعي الذات الشاعرة إلى الخلود مؤكدة على رغبتها في تحقق ذاتها (لا أُرِيدُ سوَايَ فِيْ نصِّ خُلُودِيِّ) مع استمرار عناصر البناء والتقنيات الفنية ذاتها المستخدمة للتعبير عن ذلك؛ فيواصل خطاب المجابهة مع الحياة اعتماده على الحوار الفردي الذي يعد عتبة أساسية من عتبات البوح في القصيدة، والذي يكشف عن طبيعة العلاقة الجدلية بين الذات الشاعرة والحياة:

عُذْرًا لِلْحَيَاةِ –صديقتي–

مَا كَانَ أَقْسَاهَا عَلَى قَلْبٍ ضَعِيْفٍ مِثْلِ قَلْبِيْ

لَمْ تَتِحْ لِيْ فُرْصَةً:

حَتَّى أَقُوْلَ قَصِيْدَتِيْ،

أَوْ أَرْتَوِيْ حُبًّا،

وَأَدْخُلَ فِيْ ثَنِيِّاتِ ابْتِسَامَاتِيْ الَّتِيْ لاَ تَنْتَهِيْ.

كَمْ كُنْتُ أَقْسَى مِنْكِ؛

حَيْنَ كَشَفْتُ عَنْكِ غِطَاءَكِ الكَّذَّابَ. [viii]

وبرغم كشف الذات الشاعرة لخديعة الحياة وزيفها، ومعرفتها بالفخ الموجود في آخر الطريق، إلا أنها تقرر استكماله بمفردها (لَمْ أُخْدَعْ بِلَوْنِ عِيُوْنِكِ الْفَتَّانِ/ لَكِنِّيْ بَصِيْرٌ؛ كَيْ أَرَى الْفَخَّ الَّذِيْ فِيْ آخِرِ الْمِشْوَارِ/ هَيَّا فَاتْرُكِيْنِيْ هَـهُنَا/ وَحْدِيْ أَسِيْرُ) وفي هذه الفقرة يلجأ الشاعر إلى ما يمكن تسميته بـ”حركية المضمون” أي محاولة الربط بين الكلمات وشكلها الكتابي، وبين الدلالة التي يسعى إليها.

فبينما يتخذ النص شكلاً كتابيًّا معتادًا ومألوفًا، ينحرف هذا الشكل فجأة باتجاه اليسار عن نسق الكتابة متخذا شكلاً رأسيًّا مائلاً، ثم يرتدّ الشكل مرة أخرى جهة اليمين بشكل رأسي مائل كذلك ليكتمل شكل المثلث بتكرارت كلمة (السراب) التي تأتي في مواجهة كلمة (الطريق)، وكأن السراب هو المعادل الموضوعي للطريق ليوحي بمجهولية مصير الذات الشاعرة، ومن هنا قامت الأسطر الشعرية برسم صورة مرئية للمضمون ولعبت دورًا في إنتاج الدلالة:

هَذَا الطَّرِيْقُ

             إِلَى الْغِيَابِ،

                          إِلَى الْحُضُوْرِ،

                                           إِلَى السَّرَابِ،

                              وَبِالسَّرَابِ،

             وَفِي السَّرَابِ،

مِنَ السَّرَابِ [ix]

وعلى الرغم من مجهولية المصير الذي ينتظر الذات الشاعرة، فإنها توقن بتحققها وتواصل سعيها من أجل البقاء. ومن خلال هذا الصراع “تتجسد المفارقة التي تعيها الذات الشاعرة، حين أدركت أن الفنون هزمت الموت في إطار رمزي، لكنها لم تستطع هزيمته في الواقع”[x]، فيوحد الشاعر بين تجربته وتجربة الرسام الإسباني “سلفادور دالي” في بحث كلاهما عن الخلود –عبر الفن–الذي هو نقيض الموت:

أَنَا وَ”دَالِيْ”

رَامِزَانِ إِلَى الصَّدَى

لاَ شَيْءَ يُشْبِهُنِيْ سِوَايَ، وَلَمْ أُشَابِهْهُ

خُذُواْ مِنْهُ جُمُوْحَ الرَّمْزِ فِيْ رَسْمٍ

خُذُواْ مِنِّيْ جُمُوْحَ الرَّمْزِ فِيْ قَوْلٍ

أَنَا وَهُوَ الْتَقَيْنَا فِي الرُّمُوْزِ.

أَضَلَّنَا حُدُّ الْحَقِيْقَةِ.. فِي الْحَقِيْقَةِ

فَاسْتَحَلْنَا شَاهِدَيْنِ عَلى الْبَقَاءِ [xi]

[i] سامي سليمان: الشعر والسرد، تأصيل نظري ومداخل تأويلية، الهيئة العامة لقصور الثقافة، 2012، ص 277

[ii] المعتزل، ص 7

[iii] السابق، ص 13

* لمزيد من التفاصيل راجع: محمد سالم عبادة: رماد أخضر.. لغة تحيل إلى نفسها، أخبار الأدب، عدد 1148 يوليو 2015

[iv] المعتزل، ص 15

[v] السابق، ص 16- 17

[vi] السابق، ص 19

[vii] السابق، ص 22

[viii] السابق، ص 24

[ix] السابق، ص 26

[x] الشعر والسرد، ص

[xi] المعتزل، ص 27

موضوعات متعلقة:

فضاء البَوْح والذاكرة من النص الموازي إلى النص (1)

فضاء البَوْح والذاكرة من النص الموازي إلى النص (3)

شارك المقالة عبر

تعليقات القراء

أضف تعليق

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تابع صفحتنا على فيسبوك

لأحدث أخبار فعاليات وندوات بيت الشعر بالأقصر

أحدث أنشطة البيت

أحدث المقالات

شعراء البيت

إنضم الى القائمة البريدية

إشترك في القائمة البريدية لبيت الشعر بالأقصر لتصلك أحدث الأخبار و المقالات عبر البريد الإلكتروني

الكلمات الدلالية الأكثر بحثا

spot_img