فضاء البَوْح والذاكرة من النص الموازي إلى النص (3)

فضاء البَوْح والذاكرة من النص الموازي إلى النص قراءة في ديوان “المُعْتزِل” للشاعر أحمد عايد

د. ناهد راحيل

يستدعي بناء فضاء الذاكرة في المقطع الرابع علاقة الذات بالأبعاد الثلاثة للزمن: الماضي والحاضر، والمستقبل. كما ينبني فضاء االذاكرة كذلك من خلال محور الطفولة المستعادة، ذلك ما يكشف عنه بداية المقطع وانتقال الذات الشاعرة إلى (ساحة البيت القديم).

ففي هذا المقطع يتمحور فضاء الذاكرة حول استدعاء الذات الشاعرة لمشاهد من مرحلة الطفولة، وقد استعارت القصيدة تقنية التداعي الحر وأبرزته في شكل انتقال بين المشاهد التي تتلاحق الواحد تلو الآخر من خلال وعي الذات الشاعرة الذي يبدأ المقطع بتحديد فضاء المكان:

-4-

فِيْ سَاحَةِ الْبَيْتِ القديمة

لَمْ أَجِدْنِيْ فَجْأَةً

كُلُّ الَّذِيْ كَانَ. انْتَهَى.

وَالآنَ..

لَيْسَ مَعِيْ سِوَى الذِّكْرَى

وَيُهْلِكُ قُوَّةَ الإِنْسَانِ ذِكْرَى! [i]

وبالرغم من اكتفاء الذات الشاعرة بالوقوف عند الفضاء الخارجي للبيت (في ساحة البيت القديمة)، فإنها تمكنت من بناء فضاء أرحب يتقاطع فيه الواقعي مع المتخيل عبر استحضار عدد من المشاهد الخاصة بذكريات الطفولة. وإذ تعيد الذات الشاعرة استحضار تلك المشاهد بوصفها جزءًا من استراتيجية بناء فضاء الذاكرة؛ فإنها تفيد تحقق الشاعر في حاضره ومستقبله عبر ربطه بماضيه.

وباستحضار وقائع ماضي الذات الشاعرة، يتم الانتقال بين هذه المشاهد وفق منطق التداعي الحر للذكريات الذي يتحقق بالمغايرة بين الأزمنة وتداخلها وتقاطعها؛ حيث إنه استدعاء غير منظم أو مقيد بنظام منطقي للأحداث؛ فنجد الحضور المتوالي والمكثف لمجموعة من المشاهد المتداعية الموجزة التي يمثل كل منها موقفا، أو لحظة قائمة بذاتها في واقع الشاعر أو في وعيه على السواء:

مِثْلَمَا قَالَتْ فَتَاةٌ مَا:

   (أَكُوْنَ حَمَامَةً)

كُنَّا -أَنَا وَهِيَ– الْحَمَامَ

وَكَانَ فِيْ وُسْعِ التَّشَيُّؤِ أَنْ تَقُوْلَ:

          (… سحابةً)

لَكِنَّهَا مَفْتُوْنَةٌ بِجَنَاحِ سَبَّاحٍ يُحَلِّقُ فِي الْسَّمَاءِ

أَنَا اسْتَجَبْتُ لَهَا

وَكَانَ لَنَا رَصَاصُ الْبَاحِثِيْنَ عَنِ الْحَمَامِ

سَقَطْتُ قَبْلَ سُقُوْطِهَا

وَبَكَيْتُ مِنْ أَجْلِ الرَّفِيْقَةِ

لاَ التَّوَجُّعِ مِنْ رَصَاصَاتٍ [ii]

فعبر هذه الرؤية المستعادة تعيد الذات الشاعرة ترتيب أهم المحطات التي شكلت وعيها في مرحلة الطفولة. ثم ينتقل وعي الذات الشاعرة إلى مشهد آخر، وجاء الانتقال بين مشاهد هذا المقطع مؤطرا باسم الإشارة للبعيد (/هناك/) بين عارضتين مائلتين، فالشاعر يتوسل اسم الإشارة لينقلنا كتابيًّا إلى مشاهد ماثلة في الذاكرة البعيدة، يستدعيها ويخرجها بصورتها التي تدفقت بها من الذاكرة:

*

../هُنَاكَ/..

*

وَالْبِنْتُ الَّتِيْ دَمَعَتْ

وَكَفُّ مُدَرِّسِيْ طَبَعَتْ بِوَجْهِيْ لَطْمَةً حَمْقَاءَ

مَا كَانَ احْتِبَاسُ دَمِيْ بِذِيْ شَأْنٍ كمثل

تَلَجْلُجِ الْقَلْبِ ارْتِبَاكًا مِنْ دُمُوْعِ الْبِنْتِ.

كَمْ كُنَّا صِغَارًا.

لَكِنِ اشْتَعَلَتْ بَنَا رُوْحُ الْقَصِيْدَةِ فَجْأَةً..

يَا بِنْتُ،

كَمْ أَحْبَبْتُ صِدْقَكِ فِي الْبُكَاءِ

فَكَمْ بَكَيْتِ عَلى الَّذِيْنَ أَهَانَهُمْ أُسْتَاذُنَا

لَوْلاَ بُكَاؤُكِ،

كَانَ يُمْكِنُ أَنْ تَمُوْتَ مَشَاعِرِيْ فِيْ لُعْبَةِ الدُّنْيَا. [iii]

ومن هذا المنطلق يتداخل تداعي الذكريات مع تقنيات أخرى مثل الارتداد؛ حيث إن التداعي حين يحدث في وعي الذات الشاعرة لا يهتم بالزمن المتعاقب المتعارف عليه، بل يتبع ما يسمى بالزمن النفسي الذي يمكن أن ينتقل بين الأزمنة المختلفة، وقد يتماس كذلك مع المونولوج؛ لأن استدعاء الذكريات يشبه حديث النفس إلى النفس، وهو ما نجده في المشهد الختامي لهذا المقطع حين تتحدث الذات الشاعرة إلى نفسها:

لِيْ مَا تَبَقَّى مِنْ طُيُوْفِ الذِّكْرِيَاتِ لِنَشْأَتِيْ

وَلَهَا أَنَا فِيْ كُلِّ وَقْتٍ

 لِيْ لَهَا

وَلَهَا، وَلِيْ:

    بَعْضُ الصَّدَى! [iv]

***

ثم يأتي المقطع الأخير كنتيجة أساسية للمقاطع السابقة وملخصا لها، وتعيد الذات الشاعرة عبره التواصل مرة أخرى مع الجهاز العنواني للقصيدة/ الديوان، لتفصح عن أسباب عزلتها من ناحية وتكشف عن أثر هذه التجربة عليها من ناحية أخرى. يبدأ المقطع بخطاب عتاب من الذات الشاعرة موجه إلى البوح الذي حمله على الاعتراف بسرائر روحه:

-5-

أَتْعَبْتَنِيْ -يَا بَوْحُ-

كَمْ مِنْ لَيْلَةٍ مَا نِمْتُ فَيْهَا هَانِئًا

أَسْهَرْتَنِيْ؛ ِلأَقُوْلَ مَا تَبْغِيْ

وَأَرْسُمَ نَافِذَاتِ الرُّوْحِ فِيْ جُدُرِ الْقَصِيْدَةِ[v]

بجانب احتفاظ المقطع الأخير باستمرارية التواصل بينه وبين المقاطع السابقة من خلال البناء الفني والتشكيل الجمالي، وسيطرة الطابع الاعترافي المتمثل في عتبة البوح عبر تقنيات التداعي الحر للأفكار والذكريات وحديث الذات الشاعرة لنفسها، يتميز هذا المقطع بتوظيف الأنماط المختلفة للتكرار، الأمر الذي أسهم إسهامًا ملحوظًا في إنتاج الدلالة الشعرية وتكثيفها بما يناسب طبيعة التجربة الشعرية لدى الذات الشاعرة، وبما ينسجم تمامًا مع كل عناصر التشكيل في القصيدة وبما يستجيب لواقع التجربة وخصوصيتها.

وحين يدخل التكرار في المجال الفني، فإن قدرته على التأثير في هذا المجال تتجاوز هذه الفائدة؛ إذ يعمل على إنتاج فوائد جديدة داخل كيان العمل الفني، غير أن طبيعة التجربة الفنية- ولاسيما الشعرية منها- هي التي تفرض وجودًا معينًا ومحددًا للتكرار، وهي التي تسهم في توجيه تأثيره وأدائه بالقدر الذي يجعل من القصيدة كيانًا فنيًّا لنظام تكراري معين[vi].

وتشكل البنية التكرارية في هذا المقطع نظامًاً خاصًّاً داخل كيان القصيدة يقوم على أسس نابعة من صميم التجربة، ومن أنواع التكرار الذي تم توظيفه في هذا المقطع تكرار اللازمة القائم على انتخاب سطر شعري يتكرر عبر فقرات القصيدة؛ فعبر فقرات المقطع  تتكرر اللازمة (الآن تعتزل) أربع مرات في مستهل الفقرات، وقد جاءت في الفقرة الأولى للتأكيد على قصدية النص والإلحاح على دلالته المتمثلة في “الاعتزال” وغايته:

الآنَ تَعْتَزِلُ الأَنَامَ.

وَتُجْهِدُ الأَصْحَابَ فِيْ بَحْثٍ طَوِيْلٍ عَنْكَ

أَنْتَ تَرَكْتَهُمْ؛ لِتُحِبَّهُمْ.

وَتَرَكْتَهُمْ؛ كِيْ تَعْرِفَ الدُّنْيَا.[vii]

ثم تتكرر اللازمة مرة أخرى، لإيضاح هدف آخر من أهداف اختيار الدخول في تجربة العزلة، مع التأكيد على البعد النفسي الذي سيطر على مقاطع القصيدة بأكملها:

الآنَ تَعْتَزِلُ الْحَيَاةَ؛ لِكَيْ تَقُوْلَ لَهَا الْحَقِيْقَةَ!

كَانَتِ الأَيَّامُ خَادِعَةً.

تُدَبِّرُ كُلَّ شَيْءٍ –يَا ذَكِيُّ- بِخُفْيَةٍ

غَمَرَتْكَ فِيْ أَثْوَابِهَا

كَشَفَتْكَ.[viii]

وبجانب تكرار اللازمة في الفقرة التالية، نجد توظيف لنمط آخر من أنماط التكرار، وهو التكرار الاستهلالي الذي “يستهدف الضغط على وحدة  لغوية وتأكيدها عدة مرات بصيغ متشابهة ومختلفة من أجل الوصول إلى وضع تشكيلي معين قائم على مستويين: إيقاعي ودلالي”[ix]؛ حيث يتكرر استخدام أداة الاستفهام (مَنْ) أربع مرات في مستهل الفقرة؛ ليلح على الدلالة التي ينتجها النص وهي التساؤل عن جدوى الاعتزال والنأي عن الحياة:

الآنَ تَعْتَزِلُ الْحَيَاةَ

وَمَا سَتَفْعَلُ هَذِهِ الدُّنْيَا بِدُوْنِكَ؟

مَنْ سَيَكْتُبُ حَالَهَا؟

مَنْ يَفْضَحُ الدُّنْيَا؟

وَمَنْ يُضْفِي ابْتِسَامَتَهُ عَلَى الأَصْحَابِ فِي الْمَقْهَى مَسَاءً؟

مَنْ يَقُوْلُ لَهُمْ قَصَائِدَكَ الَّتِيْ عَشِقُواْ سَمَاعَ أَنِيْنِهَا مِنْكَ؟ [x]

وتتكرر اللازمة للمرة الأخيرة في تركيب مغاير، يتضح في قول الذات الشاعرة:

وَالآنَ تَعْزِلُنِي الْحَيَاةُ عَنِ الْحَيَاةِ

حَيَاتُنَا مَنْفًى كَبِيْرٌ لِلْحَقِيْقَةِ.

لاَ سَبِيْلَ إِلَى الْحَقِيْقَةِ

غَيْرُ حَدِّ فَنَائِنَا بَوُجُوْدِهَا. [xi]

وقد عمدت الذات الشاعرة إلى توظيف نمط آخر من أنماط التكرار تمثل في تكرار بدايات السطور الذي “يحقق بملامحه المتعددة توازيًا صوتيًّا واضحًا نتيجة للترجيع الصوتي، كما أنه يسهم في ترابط مكونات/ سطور القصيدة، فهو وسيلة ناجحة في تمديد العبارة ومطها، وعرض الكثير من تفاصيل الفكرة/ الصورة التي يعرضها الشاعر”[xii].

وقد ظهر ذلك في نهاية المقطع والذي يمثل تكثيفًا للدلالة التي يريد أن يتنجها النص، وخلاصة للتجربة التي خاضتها الذات الشاعرة في عزلتها؛ حيث تكرر التركيب الفعلي (الآن + فعل الأمر “اخرج”) خمسة مرات في أول السطور، وأدى التكرار هنا وظيفة دلالية مهمة تنحصر في الإلحاح المباشر على دعوة الذات الشاعرة للخروج لمواجهة الحياة والمشاركة الفعلية بها:

الآنَ، فَاخْرُجْ لِلْقَصِيْدَةِ شَاعِرًا

وَالآنَ، فَاخْرُجْ لِلْحَقِيْقَةِ بَاحِثًا

وَالآنَ، فَاخْرُجْ لِلْحَدِيْقَةِ حَارِثًا

وَالآنَ، فَاخْرُجْ مِثْلَمَا كَانَ انْبِثَاقُ الشَّمْسِ مُعْجِزَةً عَلَى قِمَمِ

الْحَيَاةِ..

الآنَ، فَاخْرُجْ شَاعِرًا فِيْهِ الْحَيَاةُ جَمِيْلَةٌ

لاَ شَيْءَ يُرْهِقُهُ، وَلا شَيْءٌ يَضَايِقُهُ

وَكُنْ شِعْرًا. وَنَثْرًا كُنْ.

وَإِنْسَانًا جَمِيْلاً مِثْلَمَا عَوَّدْتَ صَحْبَكَ دَائِمًا

    فَاخْرُجْ لَهُمْ. وَاخْرُجْ لَهَا. [xiii]

***

وفي النهاية، ساهمت المصاحبات النصية من جهاز عنواني وتصدير وغلاف واسم المؤلف في بلورة ملامح المتخيل الشعري، مما وجه القارئ وساعده في تأويل دلالة النص. ومن هنا كشف التحليل على أن المصاحب النصي ينهض بوظائف متعددة تعينية أو تعريفية أو وصفية إيحائية، وقد هيأ تحليل هذه العناصر من المصاحب النصي في ديوان “المعتزل” تحديد مداخل قرائية للنص الشعري ذاته؛ فكانت فضاءات البوح والذاكرة والطفولة المستعادة هي ما بينت به الذات الشاعرة متخيلها الشعري، وكان خطاب الثنائيات التي أفضت إليه إشكاليتي التحقق والسعي إلى الخلود هو خطاب البوح الرئيس الذي تمحور حول ثنائية الحياة والموت، والتذكر والنسيان، والوجود والعدم.

ونظرا لعائدية أغلب الأحداث والأفعال للواقع الفعلي للذات الشاعرة، ولخصوصية التجربة وارتباط موضوعها بالشاعر يمكننا القول بأننا أمام سيرة ذاتية شعرية جاءت في شكل اعترافات اتخذت من الكتابة وسيلة للتداوي اتضح ذلك في هيمنة ضمير المتكلم في سرد الأفعال واستدعاء الأحداث وتداعيها من الذاكرة البعيدة، وتجلي الذات الشاعرة عبر تأمل علاقتها مع نفسها ومع العالم.

[i] السابق، ص 32

[ii] السابق، ص 33

[iii] السابق، ص 35

[iv] السابق، ص 37

[v] السابق، ص 38

[vi] محمد صابر عبيد: القصيدة العربية الحديثة بين البنية الدلالية والنبية الإيقاعية، اتحاد الكتاب العرب، دمشق 2001، ص 186

[vii] المعتزل، ص 40

[viii] السابق، ص 44

[ix] محمد صابر عبيد: القصيدة العربية الحديثة، مرجع سابق، ص 190

[x] المعتزل، ص 47

[xi] السابق، ص 50

[xii] شكري الطوانسي: مستويات البناء الشعري عند محمد إبراهيم أبو سنة، دراسة في بلاغة النص، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1998، ص 150

[xiii] المعتزل، ص 53

موضوعات متعلقة:

فضاء البَوْح والذاكرة من النص الموازي إلى النص (1)

فضاء البَوْح والذاكرة من النص الموازي إلى النص (2)

شارك المقالة عبر

تعليقات القراء

أضف تعليق

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تابع صفحتنا على فيسبوك

لأحدث أخبار فعاليات وندوات بيت الشعر بالأقصر

أحدث أنشطة البيت

أحدث المقالات

شعراء البيت

إنضم الى القائمة البريدية

إشترك في القائمة البريدية لبيت الشعر بالأقصر لتصلك أحدث الأخبار و المقالات عبر البريد الإلكتروني

الكلمات الدلالية الأكثر بحثا

spot_img