قراءة في التجربة الشعرية الشبابية المعاصرة (3)

 د. أحمد بلبولة

والقصيدة الثانية قصيدة “خلف حائط المبكى” لمحمد عرب صالح، تحمل عنوانا جانبيا كعتبة لازمة من عتبات النص (إلى طفل فلسطيني) لتحديد مكان الحدث الذي يبدو أنه خارج الوقت؛ لأنه زمن معطل لا ينتصر لمأساة تتكرر، ولا يمد يد العون لتخفيف المعاناة، هذه هي الواقعة التي ينطلق منها النص، واقعة محددة تدور أحداثها خلف حائط المبكى وبطلها طفل فلسطيني، وتوسلا بتقنية المونتاج السينمائي يعمد محمد صالح عرب لتقسيم القصيدة إلى مشاهد أربعة تحمل عناوين داخلية: (القصف الأول، القصف الثاني، القصف قبل الأخير، القتيل الأخير)، وهي عناوين تخرج على المألوف؛ إذ توهم بالترتيب العددي ثم تخرقه، تلتزمه في الأول والثاني، وتنحرف عنه في المشهدين الثالث والرابع؛ حيث ينصرف عن التوقع الذي كان من احتمالاته أن يقول : القصف الثالث مكان القصف قبل الأخير، والقصف الرابع أو الأخير مكان القتل الأخير، ويتم ذلك ليؤكد على فكرة الانتقائية التي تسقط أول ما تسقط منطقية الزمن تبشيعا لما يحدث، وإشارة منه إلى أن أية مشاهد كفيلة بعرض المأساة، وفي القصف الأول يبدأ المشهد / الواقعة بطفل يغني موالا بالمحكية أمام المدرسة، وأثناء الغناء تحدث عملية قصف يصمت على أثرها الصوت، بينما يطل الموت فاحصا جثث الأطفال – كأنما يمثل الكاميرا – إلى أن يعثر بالطفل الذي كان يغني مقطوع الإبهام ولم يفارق الحياة بعد، لينتقل المشهد بشكل سريع إلى رجل يقرأ في جريدة نقلت الخبر، تشي تطورات المشهد السردي أنه في مقهى، إذ يبدأ التعليق على الخبر ليشاركه التعليق بتقليبات حوارية متنوعة ثلاث شخصيات : شيخ المسجد، ونادل المقهى، والجد، قارئ الجريدة، والشيخ، ونادل المقهى تدور تعليقاتهم على أمر شكلي يتم التركيز فيه على إبهام الطفل المقطوع: (قارئ الجريدة : لن يتزوج حبيبته لأنه لن يستطيع استخراج بطاقة، الشيخ : صلاته لن تصح لأن تكبيرة الإحرام ينقصها أصبع، وسيأكل باليسرى وهذا ذنب آخر، والنادل : سيكون بائع ورد فلم يعد يصلح لعمل مرموق في المجتمع كما كانت تتمنى أمه)، ولا يخفى أن الشاعر هنا يجعل الملهاة في مواجهة مع المأساة؛ ليصنع مفارقة مؤداها حالة اللامبالاة من الشعب العربي الغارق في التفاهة، بينما يظهر تعليق الجد ليمثل النقيض بما يرى في حفيده فرصة كبيرة لتجديد الحياة، وتغيير الواقع حيث يذكر أن الدور الجدير بأن يلعبه هذا الحفيد أكبر من الأدوار الاعتيادية التي اختارتها له خيالات الشخصيات الأخرى المحدودة، ومن واقع الشخصية يكون التصور، فأعلن أن حفيده سيكون كاتبا، وسلطان الكاتب لا يحتاج حراسا :

قال الجد :

حفيدي سوف يكون كبيرا بين جموع الناس

سوف يكون نبيَّ الكلمة والسلطانَ بلا حراس

سيكون حفيدي شاعر هذي البلدة

ولحضرته ستدق الأجراس

وفي المشهد التالي أو القصف الثاني، يعود محمد صالح عرب إلى ساحة القصف، يظهر فيها حجر يتكلم (لا تخفى المرجعية الدينية هنا) يوقظ الطفل ذات الطفل الذي فقد سبابته، ويحرضه على استكمال مهمته المقدسة، بأن يكون قناصا يصيد الخوف، أو يتوحد والحجر فيكونا واحدا، وأن يهزأ بما حدث ويسخر من أعدائه بأن يستبدل إبهامه المبتور بالوسطى، وتأكيدا على تلاحم المشهد ينتقل محمد عرب صالح بنصه مباشرة للقصف قبل الأخير بعد أن ينهي المقطوعة المخصصة للقصف الثاني مستخدما تكنيك القطع في الكلمة (قم يا خالـ…..) حتى يشحن البنية بالقدرة على التعبير عما لا تستطيع اللغة التعبير عنه حيث يصبح السلبي أقوى حضورا الذي هو صوت القصف بما يصاحبه من هلع وغياب تام لقيمة الزمن، وانشطار لم تسلم بقايا “خالد” الذي هو اسم الطفل من شظاياه، ثم يكون المشهد الثالث الذي يتصدره الطفل ليس باقيا له من أصابعه سوى السبابة، التي تتمثل أهميتها في أنها هي المنوط بها أن تضغط على زناد البندقية وتنتقم، لكن اختبار الشاعر / الطفل هنا يعدل عن البندقية لتكون غصن زيتون بما يحمله الزيتون من قيم السلام القيم التي ستنتصر على قيم الحرب، حين يهزم زناد الزيتون الدبابة، فيكون مصيرها الصلب على البوابة الخلفية لمتحف التاريخ :

ما بقيت من كف الطفل سوى السبابة

فرح الطفل وقام وأمسك بزناد الزيتون

وأشهره في وجه الدبابة

قال الراوي :

ولمن قرر أن يتثبت فليذهب للمتحف يوم العطلة

سيرى الدبابة والقائد مصلوبين على الباب الخلفي هناك

وأخيرا المشهد الأخير (القتيل الأخير) الذي يتحول فيه الشاعر من المشهدية إلى الدرامية، من خلال حوار يعقده بين اثنين، قد يكون أحدهما الحي هو الطفل والآخر يكشف الحوار في النهاية أنه ظله الذي لا يفارقه في محاولة ناجحة جدا لإخراج الواقعة عن محدوديتها، وفتح باب الرؤية على مصراعيها لتأكيد فكرة أبدية الصراع، وأنه طقس وجودي لازم وكأس مر محتوم، والحوار يبدأ بسؤال للقتيل الأخير: هل ثمة من لا يريد قتلك؟ فيجيب: مغن، وسيف لقيصر منكسر من ميراث الهزيمة، ثم يطرح عليه سؤالا آخر، هل خفت يوما؟ فيجيب بأنه قد قتل خوفه منذ وقت طويل، ولا شك هنا أن محمد صالح عرب على وعي بتشكلات نصه الأولى حيث الخوف الذي ورد كتيمة مركزية أولا يختم به هنا، ثم ينهي الحوار بينه وبين الظل ليحكم خاتمته بإطلالة للجد الذي يمثل الحكمة الخالدة لتكون رسالته الوجودية التي يحرص على أن يظل طنينها حاضرا لدى متلقيه بعد الانتهاء من النص :

يقول لنا الجد :

قبل الغروب على حافة الجسر

ظل يفر وفي يده السيف

والموت جاث جوار المغني

وكان اليتامى على الشط يقتسمون الأغاني

والشمس تغمس في البحر فرشاتها

لتتم لوحتها

قرب ناي يغني لزيتونة

ثم ترحل

والقصيدة الثالثة : قصيدة “ميري” للشاعر علي مهران، وهو شاعر ليست لديه أزمة مع الشكل؛ فهو ينتقل بحرية بين الأشكال الشعرية المختلفة من القصيدة العمودية لشعر التفعيلة لقصيدة النثر، ويتحرك في القصيدة الواحدة عبر مستويين لغويين مختلفين؛ فينتقل من الفصحى للعامية والعكس، موظفا الأغنية كتكنيك يطعم به الشكل على الطريقة الباروكية في الفن، بالإضافة إلى توجهه الذي يميل إلى كسر التابوهات، ومغامرة جيدة مع اللغة ولادة مجازات تتضح بمجرد قراءة عناوين بعض قصائد مجموعته، وتشي باطلاعه على أسلافه من الشعراء (هلاوس ليلة القبل، توثيق لأحداث خارج توقيت القلب، معانقة لغصن الشوك : رسالة دمع لسيدة العواصم)، وفي هذه القصيدة التي تأتي كعينة دالة على تشكلات العالم الشعري عنده، وفي الوقت ذاته نموذجا متمما للقصيدتين السابقتين لرفيقيه محمود علي، ومحمد عرب صالح، على قصيدة الوقعة، بداية من العنوان “ميري” الذي يحدد عالمه، وهو لفظ عامي يستخدم كعلامة دالة على الانضباط العسكري، هذا العنوان بتردده المنتظم داخل النص يعمل تأثير المارش العسكري؛ حيث تكرر مرتين أخريين بالإضافة إلى كونه عنوانا يمارس الفعل الإيقاعي ذاته، عنوانا يحدث جلبة حين يلقى لأول مرة، وله تأثير فرض الصمت على المتلقين لحظة التفوه به، بعدها يأخذ النص متلقيه عبر تشكيل أقرب إلى رسم البورتريه، مستخدما في ذلك السرد الحكائي الذي يؤثر من بين الضمائر الثلاث ضمير الـ”هو”، فالجمل الوحدات التكوينية للسرد مسندة كلها لضمير الغائب لإبعاد أدنى شبهة تعاطف مع الشخصية مناط المعالجة الفنية، وهو إذ يرسم هذا البورتريه يقسم السرد إلى ثلاث نقلات زمنية الأولى لحظة غاية في البرود لحظة حلاقة الشارب والنظر في المرآة، تعقبها لحظة الصحو بمخالفة للتراتب الزمني؛ فالمنطقي أن لحظة الصحو تعقب لحظة حلق الشارب وتسوية الهندام، غير أن هذه اللحظة الثانية لا تخلو من تعبيرات تعكس حالة من التشنج تتلبس الشخصية وتعكسها البنية، ثم تأتي اللحظة الثالثة لحظة مغادرة البيت خلسة؛ كأنما ينسل هذا الذي يبدو أنه ضابط جيش من أهله متخلصا من آدميته لينتهي البورتريه به واقفا هناك على الجبهة، يتعاون هذا الإيقاع المتسارع ليصل لنقطة النهاية التي تكشف عن المهمة، المفارقة التي تتكشف عن عداء لكل ما هو جميل، فعلى أرض ارتوت بدماء الشباب، وقبرت الأحلام يقف هذا الضابط ليقص ريش حمام بري ويقاتل نفسه، هذه اللقطة المكثفة تعطي درسا قويا كيف يكون الفن، حين يعدل الشاعر عن الإفصاح إلى الصمت الذي يكتفي بالمس الطفيف للسطح الذي يجرح الروح، لتظل الدلالات في متواليتها تتوالد عبرها الاحتمالات كطاحونة رؤى:

يَحفو شاربَهُ بهدوءِ روائيٍّ

وبراعةِ حلاقِ القريةِ

ينظرُ في المرآةِ

هناكَ سيتركُ ضحكتَهُ

ورفاقَ تشردِهِ

وفتاةً تطلُعُ بدراً في آخرِ ليلتِهِ

والكتبَ المستاءةَ جداً من رقدتِها

ويؤدي تمريناتٍ لا طائلَ منها

( ميري )

يصحو فَزِعاً

فيرتبُ شنطتَهُ

يتناولُ نصفَ فطورٍ

ويضيّعُ شايَ الإفطارِ اليوميِّ

يودعُ أهلاً بدموعٍ ودعاءٍ

ويفضُّ شجارَ عواطفِهِ

ويغادرُ خِلسَةْ

وهناكَ على رملٍ حارِ

ممتزجٍ بدماءِ شبابٍ

وأمانٍ وأدتها الجبهةُ

سوفَ يُقَصِّصُ ريشَ حمامٍ بريٍّ

ويقاتلُ نَفْسَهْ .

موضوعات متعلقة:

قراءة في التجربة الشعرية الشبابية المعاصرة (4)

قراءة في التجربة الشعرية الشبابية المعاصرة (2)

قراءة في التجربة الشعرية الشبابية المعاصرة (1)

شارك المقالة عبر

تعليقات القراء

أضف تعليق

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تابع صفحتنا على فيسبوك

لأحدث أخبار فعاليات وندوات بيت الشعر بالأقصر

أحدث أنشطة البيت

أحدث المقالات

شعراء البيت

إنضم الى القائمة البريدية

إشترك في القائمة البريدية لبيت الشعر بالأقصر لتصلك أحدث الأخبار و المقالات عبر البريد الإلكتروني

الكلمات الدلالية الأكثر بحثا

spot_img