قراءة في التجربة الشعرية الشبابية المعاصرة (4)

د. أحمد بلبولة

وبعد هذه المعالجة المَسْحيّة للمشكلتين السابقتين من مشاكل الإبداع الشعري عند الجيل الطليعي في الألفية الثالثة، التي استغرقت شريحة إبداعية شملت ستة دواوين لستة شعراء شباب، واكتفي فيها بتحليل بعض النماذج التي نجحت في الإفلات من الوقوع في حبائلهما وفقا لمعايير احترازية بدت من وجهة نظر المعالجة – على الأقل – مقبولة، قد يكون من المفيد اختبارا لصحة النتائج التي توصلت إليها المعالجة التوقف أمام مجموعة شعرية كاملة، والتوقف أمامها لا يعني المفاضلة، أو تفوق شاعر على آخر، فهذا غير وارد على الإطلاق في استراتيجية المعالجة التي وإن لم يعلن عنها فقد بدت ملموسة من خلال التطبيق، هذه المجموعة هي مجموعة محمد العارف؛ نظرا لأنها أقل المجموعات عدد قصائد؛ بما يسمح بعدم تجاوز المعالجة حدها المسموح من الصفحات، وفي الوقت ذاته ستتيح الفرصة للتناول الرأسي في مقابل التناول الأفقي السابق. والمجموعة تشتمل على خمسة قصائد هي بالترتيب:( الليلة تمطر، راقصة العرس القروي، حاجة بسيطة جدا، مضطر أن أبقى، أنا ذاهب للثورة يا أمي)، وبقراءة سريعة لهذه القصائد يظهر الجانب الذاتي متغلبا على الجانب الموضوعي بنسبة ثلاث قصائد ونصف إلى قصيدة ونصف، القصائد الثلاث هي: (الليلة تمطر، حاجة بسيطة جدا، مضطر أن أبقى)، وقصيدة (راقصة العرس القروي) التي تأتي متذبذبة بين الذاتية والموضوعية، أما قصيدة (أنا ذاهب للثورة يا أمي) فهي قصيدة واقعة، ومع ذلك استطاع الشاعر أن يفلت من الوقوع في دائرة الشجن مع اختلاف نسب النجاح من قصيدة إلى أخرى، ومرد ذلك بشكل عام الخصوصية التي استطاع أن يضفيها على تجاربه من خلال إيغاله في البيئية؛ كحديثه المكرر عن الحجر والإزميل والجبل. وبشيء من التعمق فالقصيدة الأولى “الليلة تمطر” تعالج قضية الشاعر النبي، القسيم المشترك بين دواوين هذه الطليعة الشعرية الشابة، وإحدى مآخذ المعالجة الأساسية على تجربتها ككل، تبدأ بحديث عن إحساس عال بالاغتراب يراكم جملا متتابعة ترسخ قيم السلب لشخصية الفتى وحجم الفرص الضائعة عليه: (في عينيه الخيبة/ أبلت معطفه الأيام/ يشبه بيتا طينيا هجرته فتاة الحي/ وجرب فيه الأصحاب معاولهم)، ثم يتبع ذلك ذكر المناخ الخاص الذي نماه والذي يتقاطع بشكل واضح مع شخصية النبي في التراث الديني: (رباه الجبل/ أفهمه الإزميل اللغة الأولى/ فغنى للصخرة والشجرة والنفس الخطاءة)، ثم ذكر الرسالة التي مهمة كل نبي أن يبلغها: (صبي يا قمر/ إذا مر عليه الليل كشحاذ/ أشعل شمعته للبسطاء/ يغسل شعر الأرض/ يزينها ويعطرها بالمسك)، وعلى العكس من عالم النبي الذي يحيط به الجلال يأتي التكريس لتقديس الخطايا الإنسانية العادية طالما أنها لا تؤذي أحدا، رافعا بذلك الشاعر العصمة عن النبي الإنسان الذي يبدو مهمشا على عكس ما يكون للنبي الحقيقي، ولا شك أن مثل هذا الموضوع يجعل المجال مفتوحا للقول في أشياء كثيرة، ينتقل فيها من الحديث عن أزمة الصداقة إلى الحديث عن الفرار من الملل باحتساء الخمر إلى الحديث عن الحب الضائع: (يبصر محبوبته ترقص مع صاحبها/ يبتسمان لشجرة كافور/ ويقولان: العالم أحلى من نظرة هذي الشجرة للزمن وما في بؤجته إلا الحلوى)، ثم يختم كلامه بالحديث عن الثورة التي يحاول أن ينساها؛ ليؤكد معنى النبوة الجديد الذي هو الخسران: (وأصبح بئرا تلقي فيه الأشياءُ خسارتها). وبهذا المنطق المقلوب لمفهوم النبوة يعالج قضية راقصة أعراس القرى في قصيدته التالية “راقصة العرس القروية”؛ حيث القيم السلبية التي خلعها على النبوة في القصيدة السابقة تتحول إلى قيم إيجابية يحشدها للراقصة هنا؛ فالشجر يكتب عنها، والزمن يخلع لها القبعة، والكون ينام بين ضفائرها، والقمر إنما يأتي نوره من عباءتها البيضاء التي أهدتها إليه. النحلة تحتسي معها الشاي، ويسكر من نظرتها الشحاذون، ومن رمشها الناعس يُطلّق الليل زوجته، ثم ينتقل بعد ذلك نقلة ذاتية تحدث تذبذبا ناجما عن شخصنة الحالة التي كانت تعمل في المطلق بشكل جيد، مما دفع بالقصيدة إلى التأرجح بين الذاتية والموضوعية كما سبق من إشارة إلى ذلك، فبإطلالة الشاعر/ العاشق في المشهد – حتى ولو جاء منفعلا بها – أنزل الراقصة من عليائها كنموذج إلى درك العشيقة، وعلى أثر ذلك انشعبت الرؤية وبدت وكأن بها شروخا ملحومة لجزئين غير متلائمين، ولا يشفع له بعد ذلك عدوله إلى ذكر أسمائها الحسنى وإكمال سرد صفاة الكمال فيها:

يتساءل قلبي من أين أتت لتعانق صخب الأعراس

وأجري لأعانق ضحكتها

مسكين قلبي لا يحتمل الحلوى

وفي القصيدتين التاليتين : “حاجة بسيطة جدا” و “مضطر أن أبقى” يعالج قضية الحب، ويرى في المرأة مخلوقا خالقا به يستطيع الإنسان مواجهة العالم، ورفيقا يستطيع أن يخلصه من الضجر، وهما تجربتان ذاتيتان جاهدت حركة المجاز فيهما، وتقاليب اللقطات الحسية المضيئة أن تخرجاهما من دائرة الشجن إلى دائرة التعاطف، والرثاء لحال الرجل الوحيد الذي يبحث عن نصفه الآخر، وعبثا يبحث، وسرابا يطلب، غير أن معالجة هاتين القصيدتين تفصيلا هنا سيكون من نافلة القول، وتكرارا لما سبق ذكره في معالجة القصيدتين السابقتين. لذلك فالانتقال إلى قصيدة الواقعة الوحيدة في المجموعة “أنا ذاهب للثورة يا أمي” يبدو أكثر منطقية، وأقرب لاكتمال الرؤية وتمام الفائدة.

إن الجدلية الحوارية الخالصة التي أسس عليها محمد العارف بناء قصيدته “أنا ذاهب للثورة يا أمي” تمثل مغامرة جسورا على مستوى الشكل، فالقصيدة عبارة عن حوار بين الشاعر/ الابن هنا وأمه، يتكون من جمل قصيرة، كل جملة تضيف جديدا لتصاعد الحدث، وتعطي تعريفا بخصوصية تاريخهما النفسي وخبرتيهما الحياتية، والواقعة تبدأ بحالة رفض من الأم المشاركة في الثورة، تشفعها بخبرتها القديمة بمثل هذه الأحداث، في مواجهة ابن تأهب – بالفعل – للمشاركة، وأحكم عزمه على الخروج إيمانا بالثورة وبعدالة قضيتها، والأم لكي تثني ابنها عن هذا العزم تحشد كل حنانها وتتوسل بكل ضعف مسئول عنه سيخلفه من ورائه، الحنان الذي تحدثه من خلاله عن احمرار عينيه وهزال روحه وخشية الفقد مما يترصده من خطر؛ فالثورة محرقة البسطاء الأبدية من الفلاحين وعمال المناجم، وتذكره بأنه لم يفلح في الحب، وكيف لمن لم يفلح في الحب أن يفلح في الحرب؟ وكيف من لم يستطع أن يقبِّل زوجته أن يرفع عقيرته بالهتاف؟ إنها القيامة التي لا تعقب سوى الحسرة. والضعف الذي تكشف عنه أمامه الذ يتمثل في الزوجة التي لن يخلف لها موته سوى الحزن، ولا شك أنها كأمٍّ ستكابد أضعافه إذا ثكلته، ثم تختم عظتها معه بقولها: (خلق الإنسان سواكا للسادة يا ابني)، لكن الابن يظل مصرًّا على الخروج طاردا كل المخاوف عنها ومفندا كل حجج العدول عن المشاركة؛ لينحل الديالكتيك في النهاية لانتزاع الموافقة ومباركة الخطى. ولا شك أن جريان القصيدة على هذا النحو قد وفر للشعر أن يظل وتره مشدودا حتى النهاية، مُحْكما بأعلى قيمة من قيمه الخالدة التي هي التوتر:

_لم تفلح في الحب ولا في القبلة يا ابني

_القلب معدٌّ لرصاصتهم والشفةَ أعرتُ قديما لغناء رفاقي يا أمي

_قبضتهم جائعة والحلم شهيُّ يا ابني

_يهدينا الورد المطرقة ويصنع سرب فراشات منجلنا يا أمي

_أنتم نحاتون بسيطون ألم تر إزميلاً يضحك والحجر الجيريُّ يقبِّلُ يده يا ابني

_ يا أمي نحن غناء الحجر الجيري وثورته في وجه الإزميل

_احذر فسيهدم برج حمام وسماء الله ستقذفكم بالحسرة يا ابني

_وبضحكة طفل مات من الجوع سنقذفها يا أمي

_زوجتك سيشعل موقدها الحزن، وتبكيك كثيرا يا ابني

_ زوجتي السمراء إذا طار الشال انكسفت ورأيت مجرات بين ضفائرها يخبزن الحلوى

طار الشال فذبحوها يا أمي

_خلق الإنسان سواكاً للسادة يا ابني

_الإنسان قصيدة نثر يكتبها العالم يا أمي

_اذهب..  بوابة قلبي فتحت يا ابني

وختاما فقد اتضح من المعالجة أن التجربة الشبابية الطليعية من خلال السبعة الدواووين المختارة من بين أحد عشر ديوانا برغم أنها تحمل أخطاء البدايات، وأخطاء أخرى جاءتها من المناخ الثقافي الذي تهيمن عليه ميديا الإعلانات، والجوائز التي تروج لسيادة ذائقة بعينها، فقد استطاعت مشفوعة بمواهب حقيقية استطاعت أن تتجاوز هذه الأخطاء وتفلت في بعض تجاربها مقتربة من معنى الشعر الحقيقي، ساعدها في ذلك ثقافة شعرية لا بأس بها وإتقان لأدوات الشعر من لغة مزجت بين العامي والفصيح أحيانا، ووزن ركب ما هو بسيط وما هو مركب من البحور وما هو سهل وما هو صعب كبحر المنسرح، وتنوع بين العمودي والتفعيلي والنثري، واستخدام البحر المركب في الشعر التفعيلي كقصيدة “عازف الجيتار العجوز” لمحمد هاشم، وساعدها أيضا اتخاذ الخصوصية البيئية متكأ أساسيا في التشكيل الشعري، والتجارب الشخصية معينا للموضوعات المعالجة، وتنوع هذه الموضوعات وخروجها عن الذاتية إلى الحديث عن الثورة والقضية الفلسطينية والهموم العربية المختلفة، وإن بقيت مسألة الحقيقة غير محسومة عند أغلب هؤلاء الشعراء، لكنها ليست أمرا مقلقا لأن علاقة الفنان بالحقيقة تنضج مع الوقت، والاستمرارية وحدها هي التي ستقول قولها الفصل في هذه المسألة الشائكة.

موضوعات متعلقة:

قراءة في التجربة الشعرية الشبابية المعاصرة (1)

قراءة في التجربة الشعرية الشبابية المعاصرة (2)

قراءة في التجربة الشعرية الشبابية المعاصرة (3)

شارك المقالة عبر

تعليقات القراء

أضف تعليق

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تابع صفحتنا على فيسبوك

لأحدث أخبار فعاليات وندوات بيت الشعر بالأقصر

أحدث أنشطة البيت

أحدث المقالات

شعراء البيت

إنضم الى القائمة البريدية

إشترك في القائمة البريدية لبيت الشعر بالأقصر لتصلك أحدث الأخبار و المقالات عبر البريد الإلكتروني

الكلمات الدلالية الأكثر بحثا

spot_img