قراءة في دواوين الشعراء كرم عز الدين-محمد ملوك- نور الدين جمال-هناء المشرقي

د. مصطفى رجب

إن طرح سؤال مثل: ما القراءة؟ يبدو غريباً، لأن كثيراً من الناس لديهم أفكار غير صحيحة عن القراءة، لكن لابد من إجابة واضحة عن هذا السؤال.

والقراءة في رأي كثير من المفكرين – عملية عقلية تشمل تفسير الرموز التي يتلقاها القارئ عن طريق عينيه، وتتطلب الربط بين الخبرة الشخصية ومعاني هذه الرموز، ومن هنا كانت العمليات النفسية المرتبطة بالقراءة معقدة لدرجة كبيرة.

       وعلى هذا فللقراءة عمليتان منفصلتان:

العملية الأولى: الشكل الاستاتيكي، أي الاستجابات “الفسيولوجية” لما هو مكتوب.

العملية الثانية: عملية عقلية يتم خلالها تفسير المعنى، وتشمل هذه العملية التفكير والاستنتاج

       والقراءة بهذا عملية تفكير معقدة، تشمل أكثر من التعرف على الكلمات المطبوعة، ولا يقر بعض المدرسين هذه الحقيقة، ويعتقدون أن الطفل الذي يقدر على النطق الصحيح للكلمات المكتوبة قارئ جيد، لكن الحقيقة أن الطفل الذي يتعرف على الكلمات والعبارات فقط يفشل غالباً في فهم ما يقرأ.

أحببت أن أقدم بهذه الكلمات قبل الشروع في قراءة عجلى في دواوين متميزة طلب إلي بيت الشعر في الأقصر أن أنظر خلالها في تلك التجارب التي أبادر بالقول بأنني استمتعت بها حقا من خلال المجموعات الشعرية الآتية:

  • كلارنيت: في حضرتها وأعزف للشاعر / كرم عز الدين
  • أنتِ الذينَ أُحبهم للشاعر / محمد ملوك
  • هوامش على الصراط للشاعر / نور الدين جمال
  • جوامع الألم للشاعرة / هناء المشرقي

والحقيقة أنني لمست أن هذا الجيل من شعرائنا الشباب – من خلال هذه الدواوين – يدركون أن الصورة الشعرية خَلْقٌ صافٍ من فكر المبدع نفسه، ولا يمكن لها أن تُولَد من تشبيه، أو تُقتبَس من نص سابق.

 وهذا الفهم للصورة الشعرية عند هؤلاء الشعراء يعطينا دلالة أكثر ذهنية عن الصورة، ويربطها بحركة الفكر الصافي، ويبعد التشبيه كل البعد عن إنتاج الصورة.

فالصورة الشعرية عندهم رُسمت بكلمات، وقد تتولد هذه الكلمات من وصف أو استعارة أو تشبيه، أو تقدم إلينا في تعبير أو فقرة هي حسب الظواهر وصفية خالصة للوصف ولننظر مثلا في قول كرم عز الدين:

لماذا تبسَّمْتُ في قبريَ المتلاشي؟!

كأنَّ ملاكًا تجلَّى

على حزَنِي المتجنِّي

بباقةِ وردٍ

وأوقدَ شمعَةْ !..

فالشاعر هنا يتجاوز بنا مرحلة النظر في صورة شعرية تقليدية محدودة الجوانب إلى فضاء إبداعي مترامي الأطراف، متجاذب الدلالات، وحين نقرأ قول شاعرنا نفسه:

أعمَتْ عيونَ الجهلِ مني

حينَ قلْتُ: بصرْت ُما لم ْتبصروا

خزيًا وتكليمًا وثوبًا أسودًا !..

أعطَتْ عيوني

نورَها

فبصرْت ُبينَ سوادِها

قمَرًا يناجيني

وشمسًا باقيةْ..

وحبيبتي قديسة ٌ

شقَّتْ فؤادي

أخرجت ْمنِّي سوادي

وانحنت ْلي

مثلَ أمٍّ

لملمتْ طفلاً صغيرًا

بينَ كفيْها حنانًا

تلثمُ الجرْحَ القديم َ

ببسمة ٍ

وتفاؤلٍ

وأعيشُ حبًا

حينَ تبتسمينَ

أحيا للأبد!

 إن إنتاج الصورة الشعرية – بمعناها الأوسع – هنا بوجود الأشكال المجازية المتعددة كالاستعارة والتشبيه، ساهم في وجودها في تعبير وصفي خالص.

على أن الصورة الشعرية ليست عند شاعرنا تعبيرا لغويا خالصا عن حالة من التماثل ، بل هي تصور ذهني يُنتجه العقل نتيجة معاناة حقيقية.

ولعل هذا ما نتج عنه عند بعض نقادنا هذا الخلط في مصطلح الصورة بين كيفية تناولها بالدراسة، ففريق يرى أن الصورة لها منطقها الخاص ، وفلسفتها المميزة بعيدا عن الأشكال المجازية التقليدية كالتشبيه والاستعارة والكناية،

وهذا الفريق من النقاد إنما يستند على منطق الشعر وفلسفته في بنائه، فالقصيدة صورة واقع يعيشه الشاعر، وقد تكون صورة حقيقية لواقعه المحيط به ، وقد تكون صورة في مخيلته ، والشاعر إذ يقدمها ، يقدم صياغة جديدة للواقع ، وهذا من أهم مميزات الصورة الشعرية .

وحين نقرأ قول الشاعر محمد ملوك:

أعمَتْ عيونَ الجهلِ مني

حينَ قلْتُ: بصرْت ُما لم ْتبصروا

خزيًا وتكليمًا وثوبًا أسودًا !..

أعطَتْ عيوني

نورَها

فبصرْت ُبينَ سوادِها

قمَرًا يناجيني

وشمسًا باقيةْ..

وحبيبتي قديسة ٌ

شقَّتْ فؤادي

أخرجت ْمنِّي سوادي

وانحنت ْلي

مثلَ أمٍّ

لملمتْ طفلاً صغيرًا

بينَ كفيْها حنانًا

تلثمُ الجرْحَ القديم َ

ببسمة ٍ

وتفاؤلٍ

وأعيشُ حبًا

حينَ تبتسمينَ

أحيا للأبد!

نلمس ما أكده النقاد من أن التشبيه يجمع بين طرفين محسوسين، و مقياس نجاح التشبيه مرتهن بإمكانية الجمع بين هذين الطرفين المحسوسين.  وكثير من نماذج الشعر الحديث تعقد علاقة المشابهة بين شيء محسوس وآخر مادي.

 وعلى الرغم من أن معظم القصائد الجيدة لا يحتوي إلا على قليل من الصور، أو قد لا يكون به صور، فإن الصورة قد أصبح ينظر إليها باعتبارها وسيلة شعرية خاصة.. فقد لا تحتوي القصيدة على أحد عناصر بناء الصورة بشكلها التقليدي المعروف في كتب البلاغة العربية القديمة، لكنها في حد ذاتها صورة، بمعنى أن الصورة هي الشيء الثابت في الشعر كله، وكل قصيدة إنما هي في ذاتها صورة صورة لواقع يعيشه الشاعر، سواء أكان هذا الواقع خارجيا أم داخليا.

وحين نقرأ للشاعرة هناء المشرقي قصيدتها ” مُكاشفةٌ في بيت العنكبوت ” التي تقول فيها:

 

“لا أنتَ جئتَ ولا العواذل غابوا

فكلاكما في وعدهِ كذَّابُ “

 وكلاكما من قَطْر نزْفيَ قد مَلا

كأسَ الشَّماتةِ فارتوى المُرتابُ

 لا أنتَ جئتَ .. ولا ذراعُكَ بالخطا

مُسَّتْ بباطنِ راحِها الأبوابُ

 ما بين عينينا لأجفان النَّوى

هَدْبُ القصيدِ مُقصَّفٌ وعتابُ

 وجراحُ قافيةٍ تقرَّح سطرُها

برَويِّ فرْحٍ كسَّروهُ وعابوا

 ترنيمُ أغنيةٍ تعطَّلَ نايُها

عنْ عزفِ غير الآهِ يا أصحابُ

 ورحيقُ أحلامٍ تبخَّر قبلَهُ

ذاك الندى الغضُّ الذي قد صابوا

 وسؤالُ حُبْلَى باحتمالات الهوى

ومَخاضُ ميلادِ الرحيلِ جوابُ

وذبيحُ هَجْر لمْ تسلهُ تَرَفقًا

تلَّ الجبينَ إلى الثرى … وحسابُ

وَدَوارُ سُكر الذكرياتِ يلفُّني

فالآنَ تعرفُ طعمَهُ الألبابُ

مِنْ بعضِ جُهدِ العنكبوتِ نسجتُهُ

ثوبَ الأماني .. والوعودُ عِذابُ

أنَّى يذوقُ زُلالُ شعريَ شهدَهُ

ويغصُّ في حلْقِ الحروفِ الصَّابُ

رتْقا أتينا للغرام فمنْ تُرى

فَتَقَ اثنتينا.. ما هي الأسبابُ؟!

صفَحات دفتريَ المُضمَّخ بالأسى

ذابتْ على أوجاعها الكُتَّابُ

حُبُّ وأحزانٌ تُوثِّقُ جذرَها

حبلَ الوريدِ فتثمرُ الأتعابُ

أينَ الجنانُ الوهمُ يا فردوسَهُ

ونخيلُها المدودُ.. والأعنابُ

وفريدُ عشْقٍ لم تجربْهُ الدُّنا

قبلًا عليهِ تحاسدَ الأحبابُ

بل أينَ أينَ … وهلْ.. وكيفَ.. ألمْ.. متى..

وعلامةُ استفهامهم تُغتابُ؟!

مِنْ نصفِ مَوتيَ بالفراق لنصفهِ

بلقائنا عَنِّي الدموعُ أنابوا

لا أنتَ جئتَ.. ولا أنا.. حتى أنا

عَنْ وقعِ خطوي تاهتْ الأعتاب

 لا بد لنا أن ننفتح بوضوح مع النص لندرك قدرة الشاعرة الهائلة على التمييز بين المستوى التركيبي والمستوى التصويري، لأن المستويين يتكاملان دون أن يتقابلا مما يدعونا إلى المناداة بضرورة خلق علم أسلوب عصري جديد ينبني على دراسة الصورة الشعرية في شعرنا العربي الحديث – وبخاصة العمودي منه – بكل جوانبها الدلالية.

فالبلاغة الجديدة، بلاغة الصورة الشعرية أوسع نطاقاً وأخصب مدىً من مجرد تشبيه أو استعارة وإن كان التشبيه أو الاستعارة قد يصلان في بعض الأحيان – فيما يرى بعض نقادنا المعاصرين – إلى درجة من الخصب والامتلاء والعمق إلى جانب الأصالة.

وقد يكون الإبداع اللغوي أحيانا موازيا للإبداع التصويري، كما نرى في قول الشاعرة هناء المشرقي في قصيدتها “بـُردة ُالأسرار”:

شهَرانِ أم عـُمـران قـَدْ مَرَّا
مُذ ذقـتُ فـِيك الشـَّـهد والمـُرَّا ؟!
شهـران ِأم عـُمران ِمُذ وطـَأتْ
قلبي خُطاكَ … ولهفَـتي الحَرَّى ؟!
مـُنذ اختفيـتَ بنبض أوردتــي
واختَرتَ أن تحتلَّـني سِـرَّا ؟!
شهران ِأم عُمْران ِ.. أسألُني
أم أسألُ الحُلـمَ الذي فَرَّا ؟!
يا مُبتدايَ ومـُنتَهايَ مَعـًـا
بَحـري إليْـكَ يـُسابقُ البَرَّا
أنا عينُ شِعْركَ .. نصفُ روْعته ِ
لو يُلحقون الشـِّينَ بِي .. والـرَّا
أنا سُرُّكَ المكشوفُ لو نزلوا
في جُبِّ رُوحِكَ .. واسأل ِالقُرَّا
يا كـُلّ ضرَّاء ٍتشمِّـتُ بِي
ما بعدَ هذا الحبِّ مِنْ سَرَّا

 ويظهر هذا أيضا في كثير من شعر الشاعر المتفرد/ نور الدين جمال في أكثر قصائد ديوانه الذي لم أتمكن من الاستمتاع به وقتا كافيا لأسباب إلكترونية.

 

شارك المقالة عبر

تعليقات القراء

أضف تعليق

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تابع صفحتنا على فيسبوك

لأحدث أخبار فعاليات وندوات بيت الشعر بالأقصر

أحدث أنشطة البيت

أحدث المقالات

شعراء البيت

إنضم الى القائمة البريدية

إشترك في القائمة البريدية لبيت الشعر بالأقصر لتصلك أحدث الأخبار و المقالات عبر البريد الإلكتروني

الكلمات الدلالية الأكثر بحثا

spot_img