قصيدة أغنية الانكسارِ الأخيرة الشاعر طه الصياد

قصيدة أغنية الانكسار الأخيرة

الآنَ لا تبقى بلادٌ لي

وتنكسرُ الطريقُ على خطايَ

وأنتِ أنتِ جميلةٌ وكثيرةٌ

لا شكَّ

لكنَّ البلادَ بلادَنا

تقسو علينا

حينَ ينقرُ طائرٌ يدَها

فتتسعُ الصحاري

حينَ ينقرُ طائرٌ يدَها

فتندلعُ الحروبُ

ويسكتُ الإنشادُ

كمْ منْ مرةٍ سنموتُ

منفيينَ خارجَ حقلِها الممتدِّ

منْ كفِّ العقيدِ إلى العقيدِ

وها هي الأزهارُ

تصرخُ في سريريَ

والحمامُ يموتُ بين يديّ

كمْ ننسى حقولَ التينِ والزيتونِ

تشهقُ في زمانٍ حامضٍ

والقلبُ يشهقُ

ها هي الأصواتُ

أصواتُ القنابلِ ذاتُها

والبندقيةُ نفسُها

والحربُ عينُ الحربِ

يبدأَ كلُّ شيءٍ في التداعي

والهبوطِ لنقطةٍ دمويةٍ

والروحُ تهبطُ نحوَ قبرٍ ضيقٍ

ومسدسٍ متحفزٍ

والأرضُ تهبطُ

والسماءُ وليتها وقعتْ

سينقصني عمايَ

وينقصُ الطيارُ قلبي

حين يقصفُ بيتَنا العاري!

سنرفعُها على أكتافِنا

مثلَ الصليبِ

أنا وأنتِ، بلادَنا

وبلادُنا معطوبةٌ

ننأى

ويقتربُ العساكرُ منْ سريرِ اللهِ

منْ نومِ العصافيرِ الصغيرةِ

في سماءِ القصفِ

منْ لحمِ البيوتِ

ومنْ عظامِ مدافنِ الموتى

ومنْ موتى

ينامونَ الهنيهةَ

بينَ نارِ حياتِهم والنارِ

نكبرُ في المنافي

كلُّنا جرحى

ولا تبقى البلادُ على الخرائطِ في مواضعِها

كما تتبدلُ الأسماءُ والسكانُ

أو يتبدلُ التاريخُ

إنْ ربحَ المسدسُ حربَهُ!

والآنَ تنكمشُ البلادُ

كأنّها فأرٌ صغيرٌ خائفٌ

ويمرُ فلاحونَ

بالأرضِ الملغمةِ الفقيرةِ

ينشدونَ نشيَدها الدامي

ولا يتفوهونَ بما يضيرُ بها

ولكنَّ القنابلَ تحتَ أرجلِهمْ

بلا قلبٍ

يحبونَ البلادَ

ويكرهونَ الحربَ

مثلي مثلَهُمْ

يتبادلونَ شرابَهمْ وطعامَهمْ

ويقسمونَ حصادَهمْ

في آخرِ الأيامِ

أطنانًا

منْ الآلامِ والقتلى

وتنكسرُ المنازلُ

تحتَ غاراتِ العدوِّ

ويقصفُ الطيرانُ

آلافًا منَ الأهدافِ:

آلهةً وعشاقًا

وأشجاراً وأمواتًا

وأحفاداً لأمواتٍ قدامى

خائفينَ منَ الزمانِ الصعبِ

منْ آلاتِ هولاكو الحديثةِ

منْ جنونِ التكنولوجيا

حينَ يضغطُ قائدٌ في خندقٍ زراً

فينفجرُ المكانُ!

الطائراتُ الآنَ تهبطُ في الممرِ

وفي الممرِ

ينامُ ناسٌ متعبونَ

قواربٌ للصيدِ

ألواحٌ منَ الثلجِ المخزنِ للعصائرِ

ياسمينٌ للعناقِ الموسميّ

وحافلاتٌ للمدارسِ

اسطواناتٌ لليلٍ راقصٍ

قبلَ انطلاقِ الليلِ بالإنذارِ

قبلَ دخولِنا في القبوِ

خوفَ الغارةِ العشرينَ

في هذا المساءِ

وكلُّ آلاتِ الغناءِ جوارَنا

منْ للجميلةِ في مساءِ القصفِ؟!

منْ للعابرينَ على تفحمِ وردةٍ بيضاءَ

لا ذنبٌ لها

إلا تسللُ شرفةِ الوطنِ المشردِ

حيثُ لم يجدِ العساكرُ نبتةً

إلا وفضوا سرَها وجمالَها؟!

نامَ الممرُ على أصابعِنا

ونامَ العاشقونَ

ونامَ بحارونَ

منْ طولِ المسافةِ

عاطلونَ موزعونَ

كصرخةٍ مكتومةٍ

ومحاربونَ مشوهونَ

تناثرتْ أعضاؤهُم

قطعًا على سلكِ الممرِ

ونامَ عمالُ المزارعِ والمحالجِ

بعدما قُصِفَتْ أغاني القطنِ في أفواهِهِمْ

والآنَ يخرجُ منْ جيوبِ الطائراتِ

مقاتلونَ

مسلحونَ

مدربونَ على اقتحامِ ممرِّنا

وبلادِنا العزلاءِ ليلاً!

قصيدة أخرى للشاعر

الشاعر طه الصياد قصيدة أنسى طريقي إلى البيت

شارك المقالة عبر

تعليقات القراء

أضف تعليق

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تابع صفحتنا على فيسبوك

لأحدث أخبار فعاليات وندوات بيت الشعر بالأقصر

أحدث أنشطة البيت

أحدث المقالات

شعراء البيت

إنضم الى القائمة البريدية

إشترك في القائمة البريدية لبيت الشعر بالأقصر لتصلك أحدث الأخبار و المقالات عبر البريد الإلكتروني

الكلمات الدلالية الأكثر بحثا

spot_img