قصيدة البرجولة للشاعر عمر مهران

قصيدة البرجولة للشاعر عمر مهران

( 1 )

( يُوَتِّرُ أعصابَهُ الفلُّ ؛

هذا الهواءُ المضمَّخُ بالعطرِ

هذي النعومةُ

تشبهُ خدَّ الحبيبةِ )

كنا معًا منذُ عامينِ

نُدهشُ موسمَ بحرِ الشمالِ ونورسَهُ

بالحكايا،

وكان المدى المتكثِّفُ في “آبَ”

يشبهُ أنفاسَ إبريقِ شايٍ

موزعةً في الزوايا،

وكنا غريبينِ،

تجلسُ

ينفرطُ الحسنُ منها،

تحدثُني عن غناءِ الإوزِّ،

جسورِ قسنطينةٍ في الغروبِ،

روايةِ حبِّ ستكتبُها في الخريفِ،

وقلبي كشحاذِ حيِّ “الحسينِ”

يلملمُ من ساعديها الهدايا،

ونضحكُ مثلَ صغارٍ

على نكتةٍ

وكأنَّ البلادَ /

كأنَّ المدينةَ لم تَجْنِ حربًا علينا،

كأنّا سنمنحُ ضحكتَنا فرحةً للحَزانَى،

ونمنحُها فَرجةً لمقيمي السجونِ

يطوفونَ في ليلِ زوجاتِهِمْ ساعةً

كي يُمزقنَ ثوبَ انتظارٍ يَؤوسٍ

ويُبعثنَ من شمعِهِنَّ عرايا،

ونمنحُها دميةً للطفولةِ تُقعيْ على

جَنَباتِ الطريقِ – كلوحاتِ بؤسٍ خرافيةٍ –

تَستدرُّ من العابرينَ البقايا،

وأخبرتُها أنَّ سقفَ المدينةِ ليسَ سماءً،

وجدرانَها سورُ سجنٍ،

وأمطارَها من دمٍ وعرقْ

وأخبرتُها أنَّ ليلي الذي كان ورشةَ شُغلِ القصائدِ

جفَّ الغناءُ بصالاتِهِ

 حينَ صادرَهُ ديدبانُ الأرقْ،

وأخبرتُها أنَّ قلبي احترقْ.

( 2 )

( وعودُ القصبْ

كما عهدَتْهُ الرياحُ الأُلَى

 لم يكنْ غيرَ ماسورةٍ في الحشائشِ

ثَقَّبَهُ طائرٌ فأحَبْ )

مساءً شربنا فناجينَ قهوتِنا في الجُنينةِ،

كنتُ انتهيتُ من اثنينِ منها

وضاعتْ روائحُها في الأثيرِ

وفنجانُها الأولُ المستفزُّ- بأحمرِها فوقَ حافتِهِ –

بصَّ لي بتشفٍّ

وأَغفَى على حجرِها باردا،

ولمْ يَكُ غيري أنا شاهدا،

قرأتُ لها زخةً من

سماءِ الحيارى،

وأسمعتُها ذبذباتِ السكارى،

وكانتْ مساءاتُنا حلوةً،

وفي دمِنا نهرُ خمرٍ تَفَجرَ

من صدفةٍ أسلَمتْنا

إلى وخزةِ الحبِّ

تلك التي لا تُجَارَى،

هناكَ على مقعدٍ في الحديقةِ

شاعرةٌ من جبالِ الجزائرِ

تحكي لشاعرِها

كيفَ تنعسُ في راحتيها الكراكي،

وكيفَ تُخَبِّئُ غزلانَ “صَنهاجَةٍ”

في دواليبِ غرفتِها،

كيفَ تمشي على الماءِ حافيةً

فيغازلُ أقدامَها سمكٌ ودلافينُ

تُخطِئُ دربَ النجاةِ لتهوي

بقاربِ صيادِها طائعةْ،

وغنَّتْ كما ينبغي لملاكٍ

فآمنتُ بالمعجزاتِ

وصدقتُ أنَّ السما رائعةْ.

( 3 )

( تَغيبينَ عنهُ

فيسألُ عنكِ الفَراشَ الذي لم يَزلْ

منذُ ذاكَ المساءِ

يطيرُ على المقعدِ الخشبيِّ )

رحلتِ وكان المدى مُشبَعًا بالندى،

مُشرَعًا للقصيدةِ،

كان الصدى لغةً من هديلِ الحَمَامِ

وخشخشةِ الورقِ المتيبسِ فوقَ البلاطِ

وزمجرةِ البحرِ،

لكنَّ قلبي الذي كانَ يعزفُ منفرداً

– كلما لُحْتِ لي –

راغَ من أضلعي صمتُهُ المحتبَسْ،

أحنُّ إليكِ كأندلسٍ راحَ مني،

وأجري كثَكلى رضيعٍ

أفتشُ عن وجهِكِ الأطلسيِّ،

أسائلُ عنكِ ثلاثَ عواصمَ كبرى

فتطردُني آلةُ الحربِ منها

وتنهشُ ظهري كلابُ الحرسْ،

وقلتُ : سأرحلُ من بلدٍ ليسَ فيهِ حياةٌ

وليسَ بهِ أيُّ معنىً

ولا غيرُ فتوىً تُبيحُ دمَ الأنبياءِ

وتغسلُهُ عن وجوهِ العَسَسْ،

سأرحلُ،

قد يعبرُ الزمنُ المتهالكُ

قنطرةً من سلامٍ

نصافحُ فيها ذوينا

ونكتبُ أغنيةً للمحبةِ

نزرعُ زيتونةً في “رفحْ”،

على ذلكَ الحدِّ بيني وبيني

إذا ما تمزقتُ فوقَ الحدودِ

تجمعتُ زيتاً بتلكَ القدحْ،

أحبُّكِ :

حينَ أحبُّكِ

قد أستردُ دمي من رصاصِ الصديقِ

ومن هدنةٍ للعدوّ،ِ

وقد نتقاسمُ نخبَ السقوطِ

على سِدرةٍ في العُلُوِّ،

أحبُّكِ يا نبرةَ العُودِ

تعزفُ نوتةَ ليلي

بكلِّ تداريجِها في الحُنوِّ،

وُلدتِ مصادفةً في طريقي

كعصفورةٍ تحتَ نافذتي

تنقبُ الوقتَ بالأغنياتِ

وتحسو من الجوِّ غيمَ الضجرْ،

ومُفعَمةً كتراتيلِ فجرٍ

يُحرِّضُ ديكَ السطوحِ على صيحةٍ

والخيولَ على الركضِ

مُنعِشةً مثلَ رقصِ الشجر،ْ

مسالمةً كتثاؤبِ حقلٍ وليدٍ

يضيفُ إلى لوحةِ الأرضِ أخضرَهُ

بعدما ساحَ فيها السوادُ،

حضورُكِ مثلَ حضورِ القصيدةِ

يغسلُ قلبي بماءِ الحياةِ

ويُورثُني الأرضَ

يُورثُني العالمَ اللا نهائيَّ

أَنفُضُ منهُ يديَّ

وأُبْدِعُ برجولةً في الحديقةِ

فنجانَ قهوتِنا

والغناءَ.

( 4 )

( إلى أنْ يَحِنَّ الزمانُ ويَحلوْ

سيبقى بطلحِ الهوى يستظلُّ

يُوتِّرُهُ رَجْعُ ذكرى وفُلُّ )

قصيدة أخرى للشاعر

الشاعر عمر مهران ( بوح أخير )

شارك المقالة عبر

تعليقات القراء

أضف تعليق

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تابع صفحتنا على فيسبوك

لأحدث أخبار فعاليات وندوات بيت الشعر بالأقصر

أحدث أنشطة البيت

أحدث المقالات

شعراء البيت

إنضم الى القائمة البريدية

إشترك في القائمة البريدية لبيت الشعر بالأقصر لتصلك أحدث الأخبار و المقالات عبر البريد الإلكتروني

الكلمات الدلالية الأكثر بحثا

spot_img